صدور كتاب «محمود درويش حالة شعرية»
ثقافة وفنون
17 أغسطس 2012 , 12:00ص
القاهرة - إيهاب مسعد
في الذكرى الرابعة لرحيله، أصدرت الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة كتاب «محمود درويش حالة شعرية» للناقد الدكتور صلاح فضل، الذي يتناول فيه السيرة الحياتية والشعرية للشاعر الفلسطيني الراحل «محمود درويش» ويقع في 145 صفحة من القطع المتوسط.
وفي مقدمة الكتاب، يقول الدكتور صلاح فضل «سيظل الشاعر الراحل محمود درويش حالة شعرية متفردة تستحق التأمل ملياً في سياقاتها الإبداعية والنصية كانت حياته مأزقاً وجودياً محكوماً بتفاصيل حالته الشعرية عاش موزعاً بين الأزمنة والأمكنة والقصائد. ثم يرسم فضل في المقدمة أيضاً سيرة تكوينية للشاعر محمود درويش تتضمن مولده في قرية «البروة» بفلسطين عام 1941 لأسرة ريفية بسيطة ما يلبثون أن يوجهوا نكبة 1948 فينزحون إلى لبنان ثم يعودوا إلى فلسطين مرة أخرى، ويكمل محمود درويش تعليمه الثانوي ثم يرحل إلى حيفا عام 1960. ويتابع فضل سيرة درويش أنه عمل في جريدة «الاتحاد» في حيفا ثم رأس تحرير مجلة «الجديد»، ولكنه هو ورفاقه عانوا وطأة السجن والاعتقال والإقامة الجبرية فرحل إلى مصر ثم إلى روسيا ثم عاد إلى مصر والتقى بكبار الكتاب المصريين في ذلك الوقت كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومن الشعراء التقى بصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهم، ثم رحل إلى باريس ثم بيروت. ويشير الكاتب إلى نقطة مهمة، وهي ارتباط محمود درويش بمنظمة التحرير الفلسطينية وأصبح رئيس تحرير مجلة «شؤون فلسطينية» ثم أوكل إليه الزعيم ياسر عرفات تأسيس مجلة ثقافية هي «الكرمل»، وأصبح محمود درويش الشاعر الأثير عند الزعيم ياسر عرفات ثم تولى درويش رئاسة المجلس الأعلى للثقافة والإعلام في فلسطين عام 1987. ويؤكد الدكتور صلاح فضل أن الشاعر محمود درويش استقال من هذه المناصب بل رفض تولى وزارة الثقافة في السلطة عقب توقيع اتفاقية «أوسلو» لأنه كانت الحالة الشعرية عند درويش هي المدار الذي يشبع قلقه ويداوي جراح روحه ويشعل جذور إبداعه.
ويستهل الكاتب الفصل الأول من الكتاب وعنوانه «شعرية العشق»، ويتناول فيه دراسة تطور شعر محمود درويش وأنه بدأ شاعراً غنائياً حسياً تأثراً بأستاذه «نزار قباني»، ولكنه طمح بعد ذلك في كتابة القصيدة الملحمية ولكن شروط الشعر الملحمي لم تعد تتوافر في العصر الحديث لذلك اكتفى درويش بممارسة القصيدة الدرامية المتعددة الأصوات. ويشير الكاتب إلى أن ارتباط درويش بقضية فلسطين ومأساة شعبه جعله لا يتبع الأسلوب التجريدي الذي استشرى عند شعراء الحداثة في ذلك الوقت والذي هو عبارة عن غياب الموضوع والبعد عن تمثيل التجارب الواقعية المباشرة التي يتعرف عليها القارئ.
لذلك ابتكر محمود درويش أسلوبه المتميز فداخل كل قصيدة يبث عدداً من الإشارات الرامزة التي يسهل على قرائه ومستمعيه أن يفهموها وأيضاً استطاع أن يدخل في كل قصيدة «موتيفات» جديدة ولقطات منسوجة بمهارة فائقة تحيل على عالمه الخاص وتحول دون ضياع المعنى.
ويؤكد فضل أنه ستظل حداثة محمود درويش التعبيرية المميزة كامنة في قدرته على صياغة اللفتات التعبيرية الخاصة والإسنادات المجازية الخارقة والقادرة على تخليق حالة التوتر وقلق المعنى مع بلورة الرؤية وكل دواوين درويش تقدم لنا عشرات النماذج الناجحة لهذه التقنية الأسلوبية الخاصة.
ويأتي الفصل الثاني من الكتاب وعنوانه «عالم من التحولات» الذي يرصد فيه فضل تحولات محمود درويش وحددها فضل في ثلاثة تحولات التحول الأول وهو من البراءة إلى الخطر، فيقول ولد محمود درويش شعرياً عندما أبرز من خلف أسوار الاحتلال الصهيوني «بطاقة هويته» فلفت أنظار العالم العربي والغربي أيضاً بجسارة موقفه وقدرته الفائقة على تشعيره.
ويكمل فضل أن موقف درويش كان نموذجياً يجمع بين العام والخاص بين الفردي والقومي وكانت جمالية التعبير عنده مبتكرة نسبياً، حيث امتزج به الطابع الدرامي الحيوي في صدق وبراءة كما في قصيدته «بطاقة هوية» التي يقول فيها:
سجل
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟
والتحول الثاني هو الخروج إلى شكل آخر ولخصه درويش عن نفسه، فقال (إنني أقوم بتنمية طاقتي الإبداعية المستقلة عن أسباب شهرتي وبعدم الوقوع في أسر الخطوة الأولى التي قدمتني للناس والتمرد على أشكالي القديمة بمحاولة التجديد المستمر للذات).
ويقول فضل عن التحول الثالث، وهو «انبهام الرؤيا وتشذر التعبير» أنه كانت لا معقولية الواقع المعيش في التجربة التاريخية هي مدخل درويش للحداثة التعبيرية، وهي وسيلته في الوقت ذاته للانتقال من صناعة الرؤية الحسية والحيوية إلى انبهام الرؤيا الشعرية.
ويضيف أن ذلك أدى إلى شعور النقاد بشكل متواتر أن نموذج درويش الشعري أضحى يمثل حالة فائقة في كثافتها وتركيزها المختزن لأهم التحولات الأسلوبية في التجربة العربية المعاصرة فدرويش دخل الميدان وهو ينشد:
أجمل الأشعار ما يحفظه عن ظهر قلب
كل قارئ...
فإذا لم يشرب الناس أناشيدك شرب
قل: أنا وحدي خاطئ
وننتقل إلى الفصل الثالث من الكتاب وعنوانه «قراءات نصية» الذي يستعرض فيه الدكتور صلاح فضل دراسة قصائد محمود درويش للخروج منها بمفاهيم نقدية فأول هذه الأشعار ديوان «حالة حصار»، الذي يراه فضل أنه من القصائد الدرامية.
حيث إن ديوان «حالة حصار» نموذج ملتهب لهذه القصيدة التي لا تتعدد فيها الأصوات ولا الشخوص بل تتراكب اللفتات والمواقف وتنمو الحوارات المتخيلة المتماسكة لتصنع كلها رؤية شاملة لحالات الشعر والحصار والحب والحرية كما في الأبيات التالية:
إلى قاتل لو تأملت وجه الضحية
وفكرت كنت تذكرت أمك في غرفة
الغاز كنت تحررت من حكمة البندقية
وغيرت رأيك: ما هكذا يستعاد الهوية
وينتقل الكاتب إلى ديوان (لا تعتذر عما فعلت) الذي يرى فيه الكاتب محمود درويش يوقد نيران الشعر لتجتاح حدود الحداثة ومصير الوطن ويضرب درويش مثلاً شروداً عل شهوة الإيقاع، وهو يكتشف طزاجة الشعر وقدرته على توليد الحالات الداخلية للإنسان خلال معاينته للكون فيقول في أحد أبيات هذا الديوان:
يختارني الإيقاع / يشرق بي / أنا رجع الكمان ولست عازفه
ويختم المؤلف بقصيدة «لاعب النرد» ويراها من أبدع ما كتب محمود درويش وأنها قطعة نادرة في فلسفة البساطة وشعرية الذات التي تحتضن الكون بهشاشة مثيرة إذ تكشف أدق أسراره ببراءة خطيرة ويستهلها بقوله:
من أنا لأقول لكم / ما أقول لكم؟
وأنا لم أكن حجراً صقلته المياه/ فأصبح وجهاً
ولا قصباً ثقبته الرياح فأصبح ناياً
أنا لاعب النرد أربح حيناً وأخسر حيناً
أنا مثلكم / أو أقل قليلاً