هند بنت عتبة عدوة الإسلام التي أصبحت صحابية مجاهدة

alarab
باب الريان 17 أغسطس 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أشد النساء عداوة للإسلام على مدى عشرين عاما كاملة، تقدم لنا نموذجا إنسانيا واضحا وصريحا على إمكانية هداية الإنسان في أي وقت وأية سن، وأن التغير ليس مسألة مستحيلة؛ فالله مقلب القلوب يقلبها كيف شاء، فقد تحولت من كارهة أشد الكره لدين الله إلى مؤمنة وصحابية ومجاهدة في سبيل الله. جاءت يوم الفتح ومعها نسوة ممن أسلمن، منتقبة متنكرة حتى لا يعرفها رسول الله ويذكر صنيعها بعمه حمزة بن عبدالمطلب، وقالت: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، فلتنفعني رحمك يا محمد، إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة برسوله. ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرحبا بك». فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من خبائك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وزيادة». وقرأ عليهن القرآن وبايعهن وقال: «تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا». فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما تأخذه على الرجال وسنؤتيكه. قال: «ولا تسرقن». قالت: والله إني كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلالا لي أم لا. فقال أبو سفيان وكان شاهدا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنك لهند بنت عتبة؟» فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: «ولا تزنين». قالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟ قال: «ولا تقتلن أولادكن». قالت: قد ربيناهم صغارا، وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب. قال: «ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن». قالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل. قال: «ولا تعصينني في معروف». قالت: ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف. فقال رسول الله لعمر: «بايعهن واستغفر لهن الله». فبايعهن عمر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، ثم أقر رسول الله أبا سفيان وهندا على نكاحهما. هند بنت عتبة التي أعلنت عزمها الأكيد على طاعة الله ورسوله بذلك العهد الذي قطعته على نفسها أمام رسول الله، كانت بالأمس القريب امرأة أخرى تعلن كرهها للإسلام وتظهره في كل وقت وحين، كانت تجود بأثمن ما تملك من حلي لتحارب الدعوة وتقضي على المسلمين، حتى إن رسول الله أهدر دمها. قبل الإسلام قبل الإسلام عرفت هند بقوة الرأي والحزم والفصاحة ونظم الشعر، وعرفت أيضا بالمروءة، فرغم العداوة التي تكنها لرسول الله إلا أنها حين علمت بعزم زينب بنت رسول الله على الهجرة للمدينة المنورة ذهبت إليها وعرضت عليها المساعدة وقالت: يا ابنة محمد، بلغني عزمك على الرحيل. فحاولت زينب رضي الله عنها أن تخفي أمرها، فقالت لها هند: لا تكذبيني؛ فإن ما بين الرجال لا يتعداهم إلى النساء. أي ما بين الرجال من عداوة لا شأن للنساء به، وتابعت قائلة: فإن أحوجك معونة من مال أو عمل فإن أولى بإسعادك ابنة عمك -تقصد نفسها- ولما علمت هند أن قريشا عرضوا لزينب في هجرتها خرجت إليهم تهجوهم قائلة: أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة *** وفي الحرب أشباه النساء العواركِ بعد الإسلام مكثت هند بضعة أعوام فقط في الإسلام قبل أن يتوفاها الله، فحسن فيها إسلامها، وحافظت طوال حياتها على ما بايعت عليه رسول الله، وأدهشتنا بكيفية تحول قلبها من الكراهية والبغض إلى حب الإسلام واتباع رسول الله، حتى إنها لما أسلمت جعلت تضرب الأصنام في بيتها بقدميها صنما تلو الصنم وتقول: كنا معك في غرور. ونمت خصال هند بنت عتبة الحميدة بعد الإسلام فغلبت عليها وأصبحت تسيرها نحو ما يميل له قلبها من محبة وإيمان، فاستمرت في كرمها ومروءتها، فأهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أسلمت جدين مشويين وسقاء من جلد وأرسلتهما مع جارية تقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لكم في غنمكم وأكثر والدتها». ففرحت هند بدعاء النبي، وكانت الجارية تقول: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتها ما لم نكن نرى من قبل. فتقول هند عن يقين: هذا دعاء رسول الله وبركته؛ فالحمد لله الذي هدانا للإسلام. ثم تقول: لقد كنت أرى في النوم أني في الشمس أبدا قائمة، والظل قريب مني ولا أقدر عليه، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منا رأيت كأني دخلت الظل. وصف ابن الأثير رحمه الله هندا بقوله: كانت امرأة لها نفس وأنفة ورأي وعقل، فمن أقوالها: المرأة غُل ولا بد للعنق منه، فانظر من تضعه في عنقك. شهدت هند معركة اليرموك وحرضت على قتال الروم، وروت كذلك أحاديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها ابنها معاوية وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. ربت هند ولدها معاوية بن أبي سفيان -الذي سيصبح فيما بعد الخليفة الأموي- على الشهامة والحزم والأنفة، حتى إن رجلا نظر إليه وهو صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه! فقالت: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه. وقد وصف معاوية أمه رضي الله عنها قائلا: أما هند فكانت امرأة من قريش في الجاهلية عظيمة الخطر، وفي الإسلام كريمة الخبر. رحم الله هند بنت عتبة التي قضت أعواما قليلة في الإسلام إلا أنها تركت فيها أثرا حميدا، وسيرة حسنة، ونموذجا محفزا لمن أراد أن يقلع عن ذنب أو يغير فكره وعقيدته ويعتقد أنه أبدا لن يستطيع، فها هي امرأة عاشت عشرين عاما مشركة تخلص للشرك، وحين أشرق قلبها بالإيمان عاشت بضعة أعوام لا أكثر مسلمة أشد إخلاصا لإسلامها لتلحق بركب الصحابيات والصالحات.