كثيراً ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره ويوم القيامة تتكشف الأسرار ويظهر ما في البواطن
باب الريان
17 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}
أول ما أقسم الله عليه هو الكنود الطبيعي للإنسان، والكُنود: منع الحق وإلخير، والكَنود: الذي يمنع ما عليه. والأرض الكَنود: هي التي لا تنبت شيئا.
والمفسرون قالوا: الكنود هو الكفور. وفي بعض ما ورد: أنه الذي يمنع رفده ويأكل وحده ويضرب عبده.
وقال الحسن: اللوام لربه، يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات وهو كقوله: {وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَه فَيَقُولُ رَبِّى أَهَـانَنِ} [الفجر:16].
ومعنى هذا أن طبع الإنسان يحمله على ذلك، إلا من عصمه الإيمان بالله وباليوم الآخر، فرقق من طبعه، وخفف من حرصه، وخالطت قلبه البشاشة.
{وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ }
أي: الإنسان يشهد على ذلك بنفسه، وأنه كنود جحود، فهو أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده، ولا داعي لإرجاع الضمير هنا إلى الله تعالى. لأن جملة الكلام كله من الإنسان وخصاله.
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخيْرِ لَشَدِيدٌ }
وإن هذا الإنسان لحب الخير – أي: المال- لشديد. والقرآن كثيرا ما يسمي المال خيرا، خصوصا إذا أنفق في وجهه، لأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيرا، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة:180]. {وَإِذَا مَسَّهُ الخيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:21]. {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة:215] أي: ما أنفقتم من مال.
{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)}
هذا هو الجزء الأخير من السورة، وهو تعليق على ما مر منها، وهو القسم والمقسم به. وفيه عدد خصال الإنسان وطبائعه الغالبة، ذكر أنه تعالى ليس بغائب عما يجري في هذا الكون، ولا ببعيد عما يدور في خلد الإنسان وفكره وطبيعته.
{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ} ومعنى بعثر، أي: بعث وأثير وأخرج. وقد قال تعالى: {وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار:4].
{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} أي: مُيّز ما في الصدور، قالوا: الحاصل من كل شيء، ما بقي وثبت، وذهب ما سواه، والتحصيل: تمييز ما يحصل، والاسم: الحصيلة. قال لبيد:
وكل امرئ يوما سيعلم سعيه
إذا كُشِّفَتْ عندَ الإلَهِ المَحاصِلُ
ومعنى (حُصِّل): جمع في الصحف، أي: أظهر محصلا مجموعا. كما أنه لا بد من التمييز بين الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور، فإن لكل واحد حكما على حدة، فتمييز البعض عن البعض، وتخصيص كل واحد منها بحكمه اللائق به، هو التحصيل. ومنه قيل للمنخل المحصل. وأيضا إن كثيرا ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره، أما في يوم القيامة فإنه تتكشف الأسرار وتنتهك الأستار ويظهر ما في البواطن كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ} [الطارق:9]
قال الفخر الرازي: واعلم أن حظ الوعظ منه أن يُقال: إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه فتبني المقابرة وتشتري التابوت وتفصل الكفن وتغزل العجوز الكفن. فيقال: هذا كله للديدان، فأين حظ الرحمن؟
بل المرأة إذا كانت حاملا فإنها تعد للطفل ثيابًا فإذا قلت لها: لا طفل لك، فما هذا الاستعداد ؟
فتقول: اليس يبعثر ما في بطني؟
فيقول الرب لك: إلا يبعثر ما في بطن الأرض، فأين الاستعداد؟ .
{إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} تكملة جملة (يعلم) يعني: أفلا يعلم الإنسان الكنود لربه، المحب لماله الشحيح به، عندما تكشف الأستار، وتظهر الأسرار، يوم القيامة: أن الله الذي خلقهم ورزقهم ورباهم، خبير بهم وبأحوالهم وبواطنهم، لا يخفى عليه شيء، {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:38].
وإنما قال (بهم) بصيغة الجمع؛ لأن الإنسان المذكور في السورة، في معنى الجمع، كقوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2]، ثم قال: {إِلَّا الذِينَ آمَنُوا} [العصر:3]؛ دلالة على أنه للجمع، وإلا لما صح ذلك.
وقال صاحب الظلال رحمه الله تعالى: يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة، ينتقل من إحداها إلى الأخرى قفزًا وركضًا ووثبًا، في خفة وسرعة وانطلاق، حتى ينتهي إلى آخر فقرة فيها فيستقر عندها اللفظ والظل والموضوع والإيقاع! كما يصل الراكض إلى نهاية المطاف!
وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة، القادحة للشرر بحوافرها، المغيرة مع الصباح، المثيرة للنقع وهو الغبار، الداخلة في وسط العَدُوّ فجأة، تأخذه على غرة، وتثير في صفوفه الذعر والفرار!
يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد!
ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور!
وفي الختام ينتهي النقع المثار، وينتهي الكنود والشح، وتنتهي البعثرة والجمع . . إلى نهايتها جميعًا .. إلى الله . فتستقر هناك : {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ}.
والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة، والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة، كما تناسب جو الجحود والكنود، والأثرة والشح الشديد . . فلما أراد لهذا كله إطارًا مناسبًا، اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك، تثيره الخيل العادية في جريها، الصاخبة بأصواتها، القادحة بحوافرها، المغيرة فجأة مع الصباح، المثيرة للنقع والغبار، الداخلة في وسط العدو على غير انتظار . . فكان الإطار من الصورة، والصورة من الإطار.
سورة القارعة
بسم الله الرحمن الرحيم
{الْقَارِعَةُ (1) مَا القَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)}
سورة القارعة، سورة مكية.
{الْقَارِعَةُ (1) مَا القَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ (3)}
نفس البداية التي بدأ الله بها سورة الحاقة، فقد قال تعالى: {الْحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحَاقَّةُ} [الحاقة:1-3]، بهذه الكلمات المظلمات يطبق الله الإله العظيم، على الذين أشركوا به، {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ الهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان:3].
{الْقَارِعَةُ} القارعة: اسم فاعل من مادة (قرع) كما إذا قرع الباب ونحوه، فهو صوت شديد هائل، وقد سمى الله بهذا الاسم -الذي يقرع الأسماع، ويقرع معها القلوب- يوم القيامة. فهو القارعة، كما هو الحاقة، كما هو الصاخة، {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} [عبس:33]، كما هو الطامة، {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى} [النازعات:34]. يقول الله: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} [النازعات:35-36].
{وَمَا أَدْرَاكَ} الخطاب لرسول الله محمد، الذي أنزل عليه القرآن، ولكل من يخاطبه التنزيل، أي: ما الذي أعلمك وعرَّفك بقدر هذا اليوم، وبقيمته وبعمله وكنهه، فهو خطاب لكل من يتأتى خطابه، قالوا: إن الأجرام السماوية، والأجرام السفلية، يصطكان اصطكاكا شديدا عند تخريب العالم، فبسبب تلك القرعة، سمي يوم القيامة بـ(القارعة).
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ} معناه: لا علم لك بكنه هذه القارعة وهولها، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها فهم أحد، ولا وهمه، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك، كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا في تلك القارعة، كأنها ليست قوارع، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار، لهذا قال في آخر السورة: {نَارٌ حَامِيَةٌ}؛ تـنبيها على أن نار الدنيا في جنب تلك، ليست بحامية. وصار آخر السورة مطابقا لأولها من هذا الوجه.
قال الرازي: نظير هذه الآية قوله {الْحَآقَّةُ * مَا الحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحَآقَّةُ} ثم قال المحققون قوله: {الْقَارِعَةُ * مَا القَارِعَةُ} أشد من قوله {الْحَآقَّةُ * مَا الحَآقَّةُ} لأن النازل آخرا لا بد وأن يكون أبلغ، لأن المقصود منه زيادة التنبيه، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى، وأما بالنظر إلى المعنى فالحاقة أشد لكونه راجعًا إلى معنى العدل، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل.
وعلى هذا تكون كل من الحاقة والقارعة، أشد في ناحية من النواحي، وكل هذا وبال على أهل الشرك والكفر.
{يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ }
الظرف – كلمة يوم- نصب بمضمر دلت عليه القارعة. أي: هذه القارعة تقرع يوم يكون الناس كذا. ثم إنه تعالى وصف هذا اليوم بأمرين: وصف يتعلق بالناس، ووصف يتعلق بالجبال.
فالناس أصبحوا فيه كالفراش المبثوث. والفراش هو الحشرة الطائرة الصغيرة الذي تتهافت على النار، وسمي فراشًا لتفرشه وانتشاره.
ثم إنه تعالى شبه الخلق وقت البعث هنا بالفراش المبثوث، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر. أما وجه التشبيه بالفراش؛ فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لوجهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى، فدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا، واختلفوا في المقاصد إلى جهات مختلفة غير معلومة. والمبثوث: المفرق. يقال: بثه إذا فرَّقه.
وأما التشبيه بالجراد، فهو في الكثرة، قال الفراء: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا. وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث، لأنهم كما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش. ويتأكد ما ذكرنا بقوله تعالى: {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} [النبأ:18]، وقوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ} [المطففين:6]، وقوله في قصة يأجوج ومأجوج: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف:99].
{وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ}
لم يقل: والجبال كالعهن المنفوش، بل أعاد كلمة التكوين {وَتَكُونُ الجِبَالُ}؛ لأن التكرار في هذا المقام أبلغ في التحذير.
كما أن القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والأفزاع، وذلك في السماوات بالانشقاق والانفطار، وفي الشمس والقمر بالتكوير، وفي الكواكب بالانتشار، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الأرض بالطي والتبديل، ثم هي تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال.
في هذا اليوم العظيم الذي ينتظره الناس للحساب، يتغير الناس، وتتغير أركان العالم من حولهم، وأهم ما فيها الجبال، كما أرشد إلى ذلك القرآن حين قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه:105-107].
أرشد القرآن إلى أن الجبال مختلفة الألوان، متقلبة الحركة، كما قال تعالى: {وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ الوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر:27]، ثم إنه سبحانه يفرق بين أجزاءها، ويزيل التأليف والتركيب عنها، ويصير ذلك مشابها للصوف الملون بالألوان المختلفة، إذا جعل منفوشا. وقال تعالى: {وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل:88].
وقد وصف القرآن تغير الأحوال على الجبال من عدة أوجه، منها: أنها تصير قطعا، كما في قوله تعالى: {وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة:5]، قال ابن عباس وغيره: فتت تفتيتا . وقوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة:14]، ثم تصير كثيبا مهيلا، كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل:14]، ثم تصير كالعهن المنفوش، وهي أجزاء كالذر، تدخل من كوة الباب، لا تمسها الأيدي، ثم في الرابع تصير سرابا، كما قال تعالى: {وَسُيِّرَتِ الجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ:20].
وقرن بين الناس والجبال، تنبيهًا على تأثير تلك القارعة في الجبال، حتى صارت كالعهن المنفوش؛ فكيف يكون حال الإنسان عند سماعها.
{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7)}
وهنا في يوم القارعة والحاقة والقيامة، ينقسم الناس إلى قسمين أساسيين: أهل السعادة، وأهل الشقاوة.
وفي أحيان يقسم أهل السعادة إلى قسمين: السابقين والمقربين، وأهل اليمين، ولكنه هنا اكتفى بالتقسيم الأساسي، حسبما تقضي الموازين، وما تحكم الدواوين. فينقسم الناس في القيامة إلى قسمين أصليين: أهل السعادة وأهل الشقاوة. أهل السعادة يأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقولون: هؤلاء اقرؤوا كتابيه. وأهل الشقاوة يأخذون كتابهم بشمائلهم، ومن وراء ظهرهم، ويقول أحدهم: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [الحاقة:25-26].
كما أن أهل السعادة تحكم لهم موازينهم، كما تحكم على أهل الشقاوة موازينهم. وهذه الموازين موازين عادلة، لا تميل مع أحد، ولا تميل على أحد، ولا تجور ولا تنقص، كما قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف:8-9].
وقد عرف الناس في عصرنا موازين شتى لكل الأشياء، وليس من الضروري أن يكون الميزان هو ذا الكفتين، فقد عرفنا موازين التبان وليس بكفتين، وعرفنا موازين تزن القمح والغلال ونحوها وليس بكفتين، وعرفنا موازين المياه، وموازين الحرارة، وموازين الضغط الجوي..إلخ
وميزان الله سبحانه الذي يزن به أعمال الناس يوم القيامة، هو واحد من هذه الموازين، أو هو غيرها كلها، ولكنه ميزان أو مقياس أو مقدار لا يشك أحد في عدالته، وصواب تقويمه. وفيه يقيس الله ويزن الحسنات والسيئات، والطاعات والمعاصي، والصغائر والكبائر، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والسنة والبدعة، ويعرف مقاديرها وقيمها، والاختلاف بينها، وأحيانا يكون دقيقا جدا، وقليلا جدا، وكثيرا جدا.
قال المفسرون: في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وهذا قول الفراء قال: ونظيره يقال: عندي درهم بميزان درهمك..إلخ
والثاني: أنه جمع ميزان، أي معيار الوزن وأداته.
قال المتكلمون: إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما خصوصًا وقد تقضيا، بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن أو يجعل النور علامة الحسنات والظلمة علامة السيئات أو تصور صحيفة الحسنات بالصورة الحسنة وصحيفة السيئات بالصورة القبيحة، فيظهر بذلك الثقل والخفة.
وتكون الفائدة في ذلك ظهور حال صاحب الحسنات في الجمع العظيمن فيزداد سرورا، وظهور حال صاحب السيئات، فيكون ذلك كالفضيحة له عند الخلائق .
وقول المتكلمين عن الميزان يوم القيامة ووزن الأعمال، مبني على مقولات الفلسفة القديمة، وهي أن العَرَض لا يبقى زمانين، وهو لم يعد مسلَّما اليوم، على أنه يقال اليوم: إن أقوال الإنسان وأعماله باقية، وهي يمكن أن تؤخذ وتصفى وحدها، وتقدم للإنسان يراها هي بنفسها، وليس شيئا نائبا عنها، وهذا يوافق ظاهر ما في القرآن الكريم، حين يبين للإنسان أنه يجد أعمالا ذاتها، ويراها ويشهدها، لا أنه يجد ثمرتها أو جزاءها، أو ثواب الله عليها، أو عقاب الله عليها.
ومن هنا نجد قول الله تعالى في سورة الزلزلة التي مرت بنا قبل سورة واحدة: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:6-8]، فنقول: {يَرَهُ} أي: مثقال الذرة من الخير أو من الشر الذي عمله، على الظاهر المظنون، دون تأويل.
وفي بعض الأحيان نجد المجرمين وأمثالهم، مقرين بالحق الذي يظن من ظن أنه فني وانتهى من يوم عمل في الدنيا، ولكن القرآن يقول لنا: إنه باق، وإن الإنسان يجده ويراه، كما قال تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} [آل عمران:30].
وكثير من هذه الآيات واضحة لا تحتاج إلى تأويل، وإخراجها عن ظاهرها الذي جاء به القرآن، كما في قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ الزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:13-14].
يقول تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} فثقل الموازين دليل على أن كفة الحسنات وإلخيرات والطاعات اليمنى، هي التي كانت أثقل بما فيها من أحمال. فلا غرو أن تكون الحياة سعيدة، والعيشة راضية، ومعنى راضية: أي: مرضية، ولكن وصفها بوصف الفاعل كأنها تعي وتعقل ما هي فيه، فهي ليست مجرد مرضية، بل راضية.
{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)}
إذا عرفنا جناح أهل السعادة، وهم المقصود بالحق كله أساسا، فلا بد لنا أن نعرف من يقابلهم، ويملأ الجهة الأخرى، وهي الأكثر عددا، والأوفر من الدنيا حظا، وقد ذكر لنا القرآن مصيرهم السيئ والأسود، فقال: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أي: من كفته الشمال التي تمتلئ –عادة- بالكفر وعقائد السوء والمبتدعات والسيئات والضلالات والمعاصي، وكان الأصل أن يمتلئ بعكس هذه، فلم تنجح خيراته وحسناته القليلة، ولهذا كانت النهاية الأليمة {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}.
فمن خفت موازينه، أي: قلت حسناته، فرجحت السيئات على الحسنات، قال أبو بكر رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا. وقال مقاتل إنما كان كذلك لأن الحق ثقيل والباطل خفيف. والموازين جمع موزون، أو جمع ميزان – كما بينا قبل ذلك- وخفة الموازين؛ لخفة ما فيها من الحسنات وإلخيرات وقلته، فهي نتيجة ما عمله الإنسان في حياته من ائتمار بما أمر، وانتهاء عما نهي، وما ضاعف الله له من حسنات، وما أضاف إلى عمله من مثوبات، وما زاد عليه المؤمنون من خيرات، وكلها لا تغني عنه شيئا، إذا لم يق صاحبها نفسه.
هذا الذي خفت موازينه، قال القرآن عنه: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} ومعناها فيه عدة أوجه: أحدها: أن الهاوية من أسماء النار، وكأنها النار العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيدًا، والمعنى: فمأواه النار. وقيل للمأوى: (أم) على سبيل التشبيه بالأم، التي لا يقع الفزع من الولد إلا إليه ا.
وثانيها: فأم رأسه هاوية في النار. ذكره الأخفش والكلبي وقتادة قال: لأنهم يهوون في النار على رؤوسهم.
وثالثها: أنهم إذا دعوا على الرجل بالهلاك قالوا: هوت أمه؛ لأنه إذا هوى أي سقط وهلك، فقد هوت أمه حزنًا وثكلًا، فكأنه قيل: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه} فقد هلك.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}: لا تعرف أنت يا محمد حقيقة هذه الهاوية، أعاذك الله منها.
{نَارٌ حَامِيَةٌ} والمعنى أن سائر النيران بالنسبة إليه كأنها ليست حامية، وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها. أعاذنا الله والمؤمنين شرها، ووقانا عذاب النار.