لولا معونة الدوحة لما وقفت دمشق صامدة حتى اليوم
باب الريان
17 أغسطس 2012 , 12:00ص
الدوحة - ياسين بن لمنور
لم يؤثر فيه تقدمه في السن (مواليد 1926) لم يضيع أية صلاة تراويح بجامع الإمام، ولا يغادر إلا عند استماعه للدرس. «العرب» انتهزت فرصة تواجده وتواجدها بالجامع وأجرت معه هذا الحوار الذي يكشف فيه لأول مرة خلفية استقالته من فوق منبر جامع الحسن بدمشق، كما عرّج على أحداث الثورة السورية ومنابر دمشق وفقهائها، وتشعب الحديث لأمور عدّة.
كيف وجدتم -فضيلة الشيخ بصفتكم من كبار شيوخ الشام- مسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب؟
- بالنسبة للمساجد فسينطبق عليها قول المولى عز وجل: «وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا»، وكان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مسجدا بسيطا على الرمل وعلى البحر ومن النخل وسعفه، لكنه أم المساجد كلها، فالمساجد لا ينظر إليها من حيث عمارتها الصورية، وإنما ينظر إليها من حيث إنتاجها الذي تنتجه من الدعوة ونشرها والإرشاد ودخول الناس للإسلام وتعليم القرآن، وهذا ما يوصى به في المساجد، لكنني أحب أن أقول: إن هذا المسجد بالنسبة للمساجد الأخرى يعتبر من أكبرها ويضم أناس كثيرين، وقد بُذلت جهود كبيرة في تشييده، ويمكن أن يقارن بأكبر المساجد في العالم، والأهم من عمارة المساجد هم هؤلاء المسلمون الذين يفدون إلى هذا المسجد وهم لا ينظرون إلا إلى تأدية عبادة الله سبحانه وتعالى، ومسجد مثل هذا يتسع لحوالي 25 ألف مصل أو أكثر تجده في صلاة التراويح ممتلئا هو دليل على قرب أهل هذا البلد من الله عز وجل، وأنهم يعمرون بيت الله مصداقا لقوله تعالى: «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر»، لذلك المراد الأساسي من التشييد ليس العمارة وإنما أن تعمر مساجد الله، يعني قطر على صغر مساحتها وقلة عدد سكانها مقارنة بدول أخرى يمتلئ مسجدها الكبير هذا وتمتلئ ساحاته أيضا، وهذا دليل على أن عمارة هذا المسجد هي عمارة المعنى لا عمارة المبنى؛ لذلك أسأل الله حسن الجزاء لمن ساهم في بنائه وللمصلين الذين يعمرونه صلاة، وللقائمين عليه من أئمة وخطباء والذين يعظون وفي وعظهم البيان والقدرة على هداية الناس إلى سواء السبيل.
أحوال دمشق
فضيلة الشيخ كيف تركتم أحوال دمشق وأهلها في هذا الشهر الكريم؟
- دمشق بإذن الله ستبقى منصورة، وقد تركتها ولم تكن على هذا الشكل مما أصابها بعد ذلك، وتركت دمشق وقدمت إلى هنا من أجل أعمال دينية، والنية مبنية على العودة إلى بلدي، وأنا في سوريا تكلمت أكثر مما تكلمت به خارجها ولم تواجهني أية مشكلة، لكن لما ضُربت دمشق لم يمنعني ذلك عن مواصلة الكلام رغم نصائح الناس لي بعدم النزول، لكن أردت أن أجمع بين الحسنيين، وأسأل المولى عز وجل أن يهيئ لي دائما الأسباب للنزول.
لكن بودي القول: إن دمشق روح وريحان وجنات، ودمشق لا تنحني لكنها تصبر وتسكت وكأنها تهزأ بكل من يريد أن يتطاول عليها وهي تقول مقال المتنبي: «أفي كل يوم تحت ضِبني شُوَيْعرٌ ضعيف يقاويني قصير يطاول» فلا أحد بإمكانه أن يتطاول عليها، ومهما طالها الناس فإنها تطولهم وسترون أن سوريا ستكون هي المنتصرة، لكن ما حصل لها يذكرني بكلام أمير الشعر احمد شوقي لما بكاها يوم ضربها الفرنسيون: «سلامٌ من صَبا بَرَدى أَرقُّ
ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دِمَشْقُ
ومعذِرة اليَرَاعة والقوافي
جلالُ الرُّزْءِ عن وصْفٍ يَدِقُّ
وذكرى عن خواطرِها لقلبي
إليكِ تلفّتٌ أَبداً وخَفْق
وبي مما رَمَتْكِ بهِ الليالي
جراحاتٌ لها في القلب عُمْق»
وهذا يدل على مدى الترابط ما بين المسلمين.
موقف العرب والمسلمين
كيف ترون موقف العرب والمسلمين مما يجري في سوريا من قصف وجرائم يتعرض لها الإخوان هناك على أيدي شبيحة الأسد؟
- من المؤسف أن سوريا تضرب ولا يوجد أي موقف رسمي يردع ذلك، ولكني وجدت أن كل الشعوب مع سوريا، ولا يوجد أي شعب عربي أو مسلم إلا وهو مع سوريا بنسائه وأغراره وبسطائه، والكل يدعو في سجوده لسوريا، وهذا دليل على أن المؤمنين إخوة أينما وجدوا، ولن يستطيع هؤلاء الزنادقة مهما حاولوا أن يفرقوا بين المسلمين، فعن نفسي بمجرد رؤيتي لرجل مسلم يتلهف إليه قلبي بغض النظر عن المكان الذي ينتمي إليه، فالإخاء لا يصح إلا بالقضايا العقائدية، فالعقيدة الإسلامية هي التي تصل الأرض بالسماء، لكن بصراحة أذكر مثلا الدوحة فقط وما لها من يد بيضاء، فقد هبَّتْ دولة الرجال لأجل أن يجمع المال، ومن هذا البلد يخرج مال كثير من الشعب إلى إخوانهم في دمشق، وأعتقد أنه لولا هذه المعونة لما وقفت دمشق؛ لأنها محاصرة من كل جهة، فتأتيها هذه المعونات رياحا عبقة تستعيد بها روحها وحياتها، وإن شاء الله سنجتمع معكم في دمشق التي هي حصان أصيل لا يذل، ومن أراد أن يذلها فهو -عافاكم الله- حمار، وهذا ما قلته على المنبر هناك: «سوف ترى إذا انجلى الغبار .. أفرس تحتك أم حمار».
نصيحة لأهل الشام
بماذا تنصح إخواننا في الشام في هذا الشهر المبارك أمام هذا الابتلاء؟
- أنصحهم بالتعاضد والأخوة والتبادل، وأن يتقاسموا اللقمة والرغيف، وأن ينسى الإنسان نفسه وأن يعيش لبلده؛ فمن لم يعش لبلده لم يعش لنفسه، ومن لم يعش لدينه لم يعش لبلده، فالوطن الحقيقي العام هو الإسلام، فأنا مثلا لا خير لي في إذا لم أؤثر أخي على نفسي مصداقا لقوله عز وجل: «والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». لذلك أطمئن كل العالم الإسلامي بأن سوريا ستنتصر، وأطمئن أعداءها أيضا بأنها ستنتصر عليهم، وهذه طمأنة من قبيل قول جرير: «زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً .. أبشر بطول سلامة يا مربعُ».
شموخ الشام
ليس من قبيل الصدفة أن سوريا ما زالت تنتج في المجال العلمي والدعوي آخرها مصحف قطر الذي خطه الخطاط السوري عبيدة البنكي، ألا ترون أن هذا دليل على شموخ الشام وعدم تأثرها بالجرائم التي تشهدها يوميا؟
- دمشق هي واجهة العالم العربي بأكمله، فلم تقم مثلا السعودية والأردن إلا بأساتذة ومستشارين من دمشق، فلو ألقيت نظرة على العالم العربي ستجد في كل أقطاره مدرسين وأساتذة من دمشق ومن السوريين بشكل عام لا يعرفون للتخاذل معنى، ولا يعرفون للمحاباة في العلم طريقا ولو تعلق الأمر بابن ملك أو أمير، ويذكرني هذا بحادثة سبق أن واجهتها عندما طلب مني محاباة احد المتسابقين في دولة أمتنع عن ذكر اسمها ورفضت ذلك رفضا قاطعا؛ لأن أي كلام أقوله لا أتراجع عنه أبدا، فأنا الآن في ضيافة الدوحة وأنا أعترف بأن لها فضلا كبيرا علي في هذه الضيافة، لكن لو راودوني على التكلم بشيء مخالف لديني -وأظنهم لا يفعلون- ما تكلمت.
بلاد العلم والدين
الشام بشكل عام ودمشق بالخصوص كانت محط كثير من العلماء بعد تطوافهم في بلاد الإسلام.
- الشام بلاد العلم والدين والخلق، وبلاد الذوق والشفافية والروح الكريمة، بلاد الشام هاجر إليها الصحابة، وآل البيت، والمعروف عنها أن من دخلها لا يخرج منها إلا كرها، فمنها ابن الجزري، وابن كثير، وابن تيمية، وابن القيم، والنووي، والمزي، وابن رجب الحنبلي، وابن قدامة، والبرزالي، وعبدالغني المقدسي، وأبو تمام، والشعراء النابغون من سوريا، وتعتبر بلاد الشام رائدة في العالم العربي والإسلامي، فما أكثر ما استفادت منها الأقطار الأخرى، ويمتاز رجالها بالصدق والإتقان، وتواريخهم حافلة بالخير والفضل.
السنة النبوية وعلم القراءات
آلت إليكم مشيخة القراء في هذه البلاد، ما هو الرابط بين السنة النبوية وعلم القراءات؟
- السنة النبوية، إما مؤكِّدة لما جاء في القرآن كالصلاة، وإما شارحة للقرآن كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وإما أنها أضافت إلى القرآن أحكاماً جديدة مثل: «لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، أتريدون أن تقطعوا أرحامكم؟!».
والسنة بشكل عام هي الشارحة للقرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ للقرآن، وترك السنة ترك للقرآن، وإهمالها إهمال للقرآن، فالسنة لا تستغني عن القرآن، والقرآن لا يستغني عن السنة، ومن فصل بعضهما عن بعض وفرق بينهما فقد كفر.
لا جرم كانت العناية بالسنة من قبل العلماء إلى يومنا هذا والحمد لله، وحتى قال أحد الأفاضل: «القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن».
دور الفقهاء
ما هو دور الفقيه في بلاد الشام من حيث دعم الثورة والوقوف في وجه الاستبداد بصفة عامة؟
- في سوريا كل الفقهاء الذين يخافون الله؛ لأنه برأيي الفقه الحقيقي هو الخوف من الله وحفظ الآراء الفقهية، وهذا في كل العلوم، فمن لا يخاف الله ليس برجل ولا موقف له، فكل فقيه يخاف الله دعم الثورة والذي يرجو الدار الدنيا كان موقفه سيئا، فكلنا يرى الآن ما يحدث من خسائر بالشام، ولينصرن الله من ينصره.
أتوق للإمامة
هل ما زال فضيلة الشيخ يتوق للإمامة في مساجد الشام وهو الذي استقال نصرة لإخوانه؟
- طبعا لا أزال أتوق لذلك لكن لن أخطب إلا وأنا حر ورأسي مرفوع، فالخطابة أن يقول الإنسان ما يريد مما يرضي الله، أما أن يقول ما يرضي الحاكم فلا وألف لا، فلست من الأشخاص الذين تدفع لهم ورقة لقراءتها أو تملى عليهم الخطب التي يلقونها، ولا يعرف عني في يوم من الأيام أنني داريت أو ماريت فيما يتعلق بكلام الله عز وجل ولا يلعب بعقلي درهم ولا دينار، وسبق أن عرض علي مال كثير مقابل ذلك ورفضته وآثرت تقوى الله عز وجل على المال.
آخر خطبة في دمشق
ما الذي قلته في آخر خطبة لك بجامع الحسن بدمشق؟
- بعد مقدمة الخطبة، تلوت قول الله عز وجل: «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا». ثم قوله: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ». وقلت بعد الآيتين: إن المساجد لكل الناس، لا لفئة دون فئة، وإذا كان الأمن يخاف من أن تخرج هذه الجموع من المساجد فليتخذ طريقة أخرى لا أن ينتقم من المساجد فيمنع المصلين من دخول بيوت الله من أجل ألا يكون تظاهر، وبناء على ذلك فأنا أكتفي بهذا الكلام إلى هنا وأرسل من هنا إلى وزير الأوقاف وإلى مدير الأوقاف أنني لن أخطب بعد اليوم وهذه استقالتي»، فالشعب السوري لم يسعَ للحرب أو استخدام السلاح بل إنه رفع شعار «سلمية سلمية» منذ البداية؛ إلا أن النظام هو الذي حوّلها إلى حرب عندما استقبل صدور المتظاهرين العارية بالذخيرة الحيّة، فالشعب كان له في البداية مطلب واحد هو الحرية بعد أن ظلّ يُعاني من الكبت على مدار 40 عامًا.
حفيد الأمير عبد القادر
الأمير محمد خلدون الحسني الجزائري حفيد الأمير عبدالقادر الجزائري مؤسس الدولة الجزائرية و قائد معارك المقاومة ضد المحتل الفرنسي سابقاً وهو أحد تلامذتك، حكم عليه نظام الأسد منذ أسبوع بالإعدام لمواقفه المساندة للثورة السورية وسيُنفذ الحكم خلال شهر.
- لا حول ولا قوة إلا بالله! إن الأمير خلدون من أحسن العلماء، وأتمنى أن تتدخل الدولة الجزائرية حتى تبطل هذا الحكم، وأقول لمحمد خلدون: اصبر وصابر فنسأل الله أن تكون الجنة مثواك وأن تكون جهنم مثوى الأسد.