المستظلون تحت العرش (1)

alarab
باب الريان 17 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
المستظلون بظل عرش الرحمن، طوائف مختلفة الأداء، كل منها عبد لله تعالى بما يحسنه، ومنهم: أولًا: الأنبياء والمرسلون وأنصارهم وصالحو الأمم في ظل العرش، لتوفر كل الخصال فيهم: لأن المرسلين والأنبياء نخبة المصطفين الأخيار، الذين جمعوا المحامد والكمالات – لكونهم صنعوا على عين الله تبارك وتعالى – فهم في ظل العرش، وقد جمعوا الصفات المؤهلة للاستظلال بظل عرش الرحمن تعالى يوم لا ظل إلا ظله: كالتوحيد، والعفاف، والخوف، والعدل، والصدقات، وسائر الخصال؛ فهم – لا شك - في ظل عرش الرحمن تبارك وتعالى. ولا يوجد نص يفيد أن ظل العرش مقصور على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحدها، بل جاء ما يفيد غير ذلك، من وجود الأنبياء في ظل العرش: ففي صحيح البخاري، عن أبي سعيد رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور)! وفي مجمع الزوائد، والعلو للإمام الذهبي، عن سيدي أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، بسند جيد، عنه صلى الله عليه وسلم: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح، فقال: إني رأيت رؤيا هي حق فاعقلوها، أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني، حتى أتى جبلا وعرا فقال لي: ارقَه. قلت: لا أستطيع. فقال: إني سأسهله لك، فجعلت كلما رفعت قدمي وضعتها على درجة، حتى استوينا على سواء الجبل، فانطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم! قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء يقولون ما لا يفعلون، فذكر خبرا طويلا يقول فيه: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش! قلت ما هؤلاء؟ قال: أبوك إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم ينتظرونك! ثانيا: محمد صلى الله عليه وسلم خاصة: لحديث الصحيح وغيره عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس منها نهسة، وقال: (أنا سيد القوم يوم القيامة، هل تدرون بم؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم! فيقول بعض الناس: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح! فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي، ائتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتوني فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطى)! وفي صحيح البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (... فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطى، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير، أو: كما بين مكة وبصرى). ثالثا: الشهداء في ظل العرش: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ولهم تميزهم ومنزلتهم، ولهم كرامتهم وشرفهم، مما هو معروف.. وحسبك من كرامتهم أن أرواحهم معلقة تحت العرش: فقد روى أبو داود عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما صحيحا عنه صلى الله عليه وسلم: (إن شهداء أحد أرواحهم في أجواف طير خضر، تأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة في ظل العرش). وروى أبو داود عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا في مسند الوادعي، عنه صلى الله عليه وسلم: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم. قال: فأنزل الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) الآية. وفي صحيح الترغيب بسند حسن، عن عتبة بن عبدالسلمي، عنه صلى الله عليه وسلم: (القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله؛ حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذلك الشهيد الممتحن في جنة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة. ورجل فرِق على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فتلك مُمَصمصة محت ذنوبه وخطاياه – إن السيف محّاء للخطايا – وأُدخل من أي أبواب الجنة شاء؛ فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض. ورجل منافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله عز وجل حتى يقتل، فذلك في النار؛ إن السيف لا يمحو النفاق.