«العابدون».. الصفة الثانية للأنفس الزكية

alarab
باب الريان 17 أغسطس 2011 , 12:00ص
العبادة هي الصفة الثانية للأنفس الزكية التي يشترطها الله سبحانه لكي يشتريها ويعطي لها الجنة.. وما أعظمه من ثمن، وما أهونها من بضاعة، وما أكرمه من إله كريم جواد عفو ودود جل شأنه. والعبادة هي الاستجابة لكل أوامر ونواهي المعبود وإفراده وحده بهذا الحق والتسليم له فيه والالتزام الكامل بتلك الأوامر والنواهي. وقد عرف صاحب الظلال -رحمه الله- العابدين بقوله: هم «المتوجهون إلى الله وحده بالعبادة وبالعبودية، إقراراً بالربوبية.. صفة ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر، كما يترجمها التوجه إلى الله وحده بكل عمل وبكل قول وبكل طاعة وبكل اتباع. وهي إقرار بالألوهية والربوبية لله في صورة عملية واقعية». والعبادة تكون على الكيفية والصفة التي يأمر بها المعبود. لا أن تكون على هوى العابد. فللمعبود سبحانه أن يتعبد عباده بالكيفية التي يريد. وليس للعابد إلا أن يقول سمعنا وأطعنا. فكما يسلم العبد لربه بأنه خالق فيجب عليه أن يسلم له بأنه آمر له الأمر وعلى العبد التنفيذ، فكما يقول الله تبارك وتعالى «إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمر تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ». ولا يصح للعابد أن يزيد أو ينقص من عبادة وفق هواه. حتى لو كانت الزيادة أو النقص من جنس العبادة. فلا يصلي المغرب أربعا، أو يصوم يوم العيد أو تصوم المرأة وهي حائض.. ويظن العبد أن في ذلك إرضاء لربه، إذ إن ما يرضي ربه في العبادات أن تنفذ مثلما أمر لا مثلما يرغب العبد ويهوى، فالأمور التعبدية ملك لله وحده ويبلغنا بها رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس لبشر بعده -كائنا من كان- أن يخترع أو يبتدع عبادة جديدة لم يأمر بها ربنا سبحانه أو ينتقص من عبادة أمر الله بها. لو أمعنا الفكر والنظر في العبادات التي أمر الله بها لوجدنا الأوامر والنواهي فيها قليلة جدا بالمقارنة بباقي شؤون حياتنا. فأداء الصلوات الخمس لا يكلف ساعة واحدة من اليوم كله. وأداء الصيام لا يستغرق إلا شهرا واحدا كل عام. وأداء الزكاة يكون باستخراج ربع العشر من المال الذي بلغ النصاب ومر عليه عام كامل. وأداء الحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع. وما حرم من الأطعمة قليل جدا كالميتة والدم ولحم الخنزير وما لم يذكر اسم الله عليه. وكل الأطعمة بعد ذلك مباحة. وما حرم من الأشربة المسكر وكل الأشربة بعده مباحة. وهذا من فيض كرم الله الخالق المعبود علينا إذ لم يكلفنا بما فيه مشقة علينا. والعبادة تنقسم إلى أوجه، فمنها ما بين العبد وربه ومنها ما بين العبد وباقي العباد. فجعل الله حقوق العباد ذات أهمية كبرى وسيسألهم الله عنها. فلم يتعبدهم بأمور أخروية فحسب بل تعبدهم أيضا بأمور أخلاقية دنيوية بينهم. من قصر فيها فقد أفسد دينه ودنياه وتعرض لعذاب الله وعقوبته إلا أن يشاء الله. وما أكثر الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين خسران العبد إن ضيع حقوق العباد حتى لو أدى فروض الله كاملة.