النصر آتٍ مهما طال مَكْر الماكرين وتآمُر المتآمرين على الإسلام
باب الريان
17 أغسطس 2011 , 12:00ص
الله سبحانه لا يخلف وعده..
{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}
إذا رأيت مَكْرَ الماكرين وتآمر المتآمرين على الإسلام وأهله فلا تحسبنَّ أنَّ الله مُخْلف وعده رسلَهْ، والله وعد رسلَهْ بالنَّصر في الدنيا وبعقاب أعدائهم في الآخرة، سبحانه وتعالى لا يُخْلف وعده، بخلاف الإنسان الضعيف فإنه يخلف وعده.
لماذا يُخلف الإنسانُ وعَده؟ الإنسان يخلف وعده لسببين: إمَّا لعجزه لأنه لا يستطيع أن يُنفِّذ ما وعد، وعد بأن يفعل كذا وكذا، وبعد ذلك عَجَز عن تنفيذ الوعد، أو لكذبه، فوعد ولم يصدق الوعد، والله سبحانه وتعالى يستحيل عليه العجز ويستحيل عليه الكذب: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98]، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:6].
{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}
الله سبحانه سينصرُ رُسُلَه، ولكن ينصرُهم في الوقت الذي يشاء، إنَّ الله لا يَعْجَل لِعَجَلة أحدكم.
كان بعض الصحابة يأتون إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم. خباب بن الأرت، جاء يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بردة له في ظلِّ الكعبة، وقال: يا رسول الله: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ وكان له مولاة تعذِّبه وتُؤْذيه وتكويه بالنار، فقام صلى الله عليه وسلم وقال: «كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دينه. ويُمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عَظْم أو عَصَب وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيُتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوت لا يخاف إلا الله أو الذئبَ على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون».
النصر آتٍ: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} لا يمكن أن يُخْلف اللهُ وعده، ولكن كلُّ شيء بأوانٍ، كلُّ شيء في وقته، كلُّ شيء عنده بمقدار، كلُّ شيء عنده بأجل مسمَّى.
الله عزيز ذو انتقام:
{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}
الله سبحانه وتعالى عزيزٌ لا يُغْلَب ولا يُغَالَب ولا يُقادر، صاحبُ العزَّة والقوَّة المنيع الذي لا يُقْهَر، وهو ذو انتقام، ينتقم من أعدائه بما يشاء من الأسباب والوسائل، وفي الوقت الذي يشاء وبالكيفيَّة التي يشاء {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}.
المنتقم من أسماء الله عزَّ وجل
الإمام ابن القيم يقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى لم يوصَف بالمنتقم، وقال: إنَّ الحديث الذي جاء فيه ذكر المنتقم –في الأسماء التسعة والتسعين وفيها: المنتقم العفو الرؤوف.. وهكذا– فقال ابن القيم: (ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونا بمقابله، كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعًا ونفعًا وضرًا وعفوًا وانتقامًا.
وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه).
وأنا وافقت ابن القيم مدَّة من الزمن، وأن المنتقم ليس من أسماء الله، ولكن حينما تأمَّلت في القرآن، وجدت أنَّ صفة الانتقام وَصَفَ الله بها نفسه، فَوَرَد في عدَّة آيات: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الزخرف:25]. {فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف:55]. {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:136]. فجاء فعل الانتقام بالفعل الماضي، وجاء بالفعل المضارع: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة:95].
وجاء أيضًا بهذه الصيغة {ذُو انْتِقَامٍ} في أربع آيات من القرآن الكريم: في سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [4]. وفي سورة المائدة: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [95]. وفي سورة الزمر: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} [37]. وفي هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]. وجاء بصيغة اسم الفاعل: ولكن جاء في القرآن بصيغة الجمع: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة:22]. {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان:16]. {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} [الزخرف:41]. فجاء بهذه الصيغة صيغة الجمع {مُنْتَقِمُونَ} فدلَّ هذا على أن الانتقام يُوصَفُ به الله عزَّ وجل، وهو ينتقم ممَّن يستحقُّ الانتقام، لا ينتقمُ من مظلوم، لا ينتقم من مستقيم، لا ينتقم من إنسان صالح، إنما ينتقم من الجبابرة الذين يبغونَ في الأرض بغير الحق، الذين يَتَسلَّطون على رقاب الناس، الذين يدَّعون أنهم آلهة في الأرض لا يُسألون عما يفعلون، هؤلاء ينتقم الله منهم ليريَهم حقيقةَ أنفسهم، أنهم لا يساوون عند الله شيئًا، وأنَّ الله لهم بالمرصاد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ*إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ*الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ*وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ*وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ*الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ*فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ*فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر:6-13].
هذا هو الانتقام: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ*إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد} [الفجر:12، 13]، يراقبٌ كلَّ شيء، يسمع ويَرى، ثم يُنزل عقوبَتُه بالقوم الظالمين.
تبديل الأرض والسماوات:
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}
الانتقام قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} هذا يومٌ عظيمٌ، تُبَّدل الأرض غيرَ الأرض، وتُبدَّل السماوات غيرَ السماوات.
هل تُبدَّل ذوات الأرض وذوات السماوات؟ أم أوصاف الأرض أو أوصاف السماوات؟
هل توجد أرضٌ غير الأرض تمامًا وسماء غير السماء تمامًا؟ أم الأرض هي الأرض، ولكن أوصافها تَغيَّرت؟ والسماء هي السماء، ولكن أوصافها تغيَّرت؟
حين تقول: تركتُ فلانًا من سنين ثم لقيتُه فوجدتُ رجلاً غير الرجل وإنسانًا غير الإنسان، هو هو، ولكن تركه شابًا فوجده شيخًا، تركه مستقيم الظهر فوجده محني الظهر، تركه أسودَ الشعر فوجده أبيض الشعر.
قد يكون تغيَّر سلوكُه، كان طالحًا فأصبح صالحًا، كان منحرفًا فأصبح مستقيمًا، أو بالعكس، فهذا اسمه تغيير الأوصاف، فهل تبديل الأرض غير الأرض بمعنى تغيير أوصافها؟ أم أن الأرض تغيَّرت تمامًا وأصبحت أرضًا أخرى، والسماء أصبحت سماءً أخرى؟!
أبدًا هي هي، ولكن أوصافها تغيَّرت: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه:107] أصبحت غير ما كانت في الزمن الماضي، السماء قد طُويت، والشمس كوِّرت، والنجوم انكدرت، والبحار سُجِّرت، والبحار فجِّرت.. إلى آخر هذه الأشياء، فتغيَّرت الأوصاف.
وعلى كلِّ حال سواءٌ تغيَّرت الذات أو تغيرت الصِّفات فهذا شيء عظيم أن تُبدَّل الأرض غير الأرض، وأن تُبدَّل السماوات غير السماوات، هذا شيءٌ هائل، هذا ما ينتظره الناس في ذلك اليوم العظيم: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6].
البروز لله الواحد القهار:
{وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}
برزوا، أي: انكشفوا. لم يعد هنالك شيء يستر أحدًا، كل شيء مكشوف، أجسامهم مكشوفة، وسرائرهم مكشوفة: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق:9]، {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات:9، 10]، كل شيء انكشف: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16]؟!
من الذي يدَّعي الملك؟ هاتوا الملوك الأبَاطِرَة والقياصِرَة والأكاسِرَة والجبابرة: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.
{وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} الواحد الذي ليس له شريك ولا نِدُّ ولا مِثْل ولا شبيهٌ: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:3، 4]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} [الإسراء:111]، الله الواحد الأحد، والقهَّار الذي يَقْهَر ولا يُقْهَر ولا يقفُ أمام قدرته شيء، ولا يُعْجِزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، هذا هو القهَّار، وهنا جاء هذا الاسم في وقته وفي مكانه وفي مقامه.
الرد على دعاوى المبشِّرين والمستشرقين
المبشِّرون والمستشرقون يقولون: إنَّ إله المسلمين إله عنف، وإله المسيحيين إله محبَّة وإله رحمة، إنمَّا إله المسلمين إله شدّة إله عنف، فوصف نفسه بالجبَّار ووصف نفسه بالقَّهار.
وهذا في الحقيقة افتراءٌ على الإسلام، وافتراءٌ على القرآن، لأنَّ ربنا وصف نفسه بالجبار في آيةٍ واحدة في القرآن في أواخر سورة الحشر: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر:23]. مرة واحدة، وهو جبار على المتجبِّرين، ووصف نفسه بالقهَّار في عدَّة آيات، وكلها جاءت في موضعها {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف:39]. {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد:16]. {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص:65]. هنا يقول سبحانه: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، حتى لا يطمع الطامعون من الذين يظنُّون أنَّ آلهتهم تشفع لهم يوم القيامة: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم:81]، وليكونوا لهم شفعاء يوم القيامة، هذا كلُّه باطل ليس هناك هذا: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر:44]. لا يشفع أحدٌ إلا بإذن الله {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28].
ولا يشفعون إلا لأهل التوحيد، وليس هناك غيره، هو ملك هذا اليوم: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]، هذا القهر في هذا المقام مفهومٌ ومعقولٌ، وجاء في مناسبته وجاء في مكانه.
أما القرآن فيصفُ الله سبحانه وتعالى بالرحمن الرحيم، أرحم الراحمين، خير الراحمين، كم تكرَّرت في القرآن أرحم الراحمين على لسان الأنبياء: {وَأَيُّوبَ إِذْ نادي رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} [الأنبياء:83]. {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:64]. {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92]، {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:118].
وفي مائة وثلاثة عشرة سورة تبدأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، والفاتحة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:1، 3]، {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة:163].
نحن نبدأ أكلَنا وشربنا وحياتنا بالبسملة، قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ليُشيعَ الإسلامُ جوَّ الرحمة بين المؤمنين، فالزعم بأنَّ إله المسلمين إلهُ شدَّة وعنف زعمٌ لا أساس له.
حال المجرمين يوم القيامة:
{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ*سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ}
{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ} يوم القيامة، يوم يأتي الناس العذاب، يوم تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرض والسماوات، يومَ البروز للهِ الواحدِ القَّهار.
{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} بعضهم مقرونٌ ببعض في القيود والأغْلال، كما نرى المجرمين في الدنيا حينما يساقون للمحاكمة، حينما يُقبض عليهم مُتلبِّسين يُربطون بالسلاسل والأغلال والقيود، كما جاء في سورة الرحمن: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن:41]، وفي سورة غافر: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} [غافر:71]، هكذا يعاملون بشدة وقسوة هؤلاء المجرمون.
{سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} ثيابهم وقمصانهم من قطران، القطران: هذا مركّب كيماوي من بعض الأشجار وبعض الأشياء، فيتكّون منها هذا المركب وهو أسود اللون، منتن الرائحة، شديد الحرارة، سريع الاشتعال، كانوا يدهنون به الإبل الجرب، فهذا القطران سرابيل المجرمين، ثياب المجرمين من هذا القَطِران.
{وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} وجه الإنسان هو أعزُّ شيء عليه في جسمه، وهو أحرص ما يكون على حمايته، وإذا كانت تغشاه النار فما بالك بسائر الجسم، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 24] المفروض في الإنسان أن يتَّقي بكل شيء إلا بوجهه، إنَّما يتَّقي بوجهه معناه الهلاك المحقق، فهنا تغشى وجوهَهُم النار تعلوها وتُغطِّيها النار، تُغطِّي هذه الوجوه وتعلوها النار.
الجزاء العادل:
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ}
لماذا هذا كلُّه؟ {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} هذا يومُ الجزاء العادل، هذا يومٌ ينال كلُّ امرئ نصيبَهُ ممَّا يستحقُّه، إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًا فشرّ، لا تُظْلَمُ نفسٌ شيئًا.
{وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47]. يُحاسب كلُّ إنسان على الصغير والكبير والنَّقير والقِطْمير.
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} ما عملت، خصوصًا ما عملت من سُوءٍ، لأنَّ المقام مقام وعيد، لا يتحدَّث عمَّا عملت من خير، كما في مقام آخر: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:30].
هناك في آل عمران: {مَا عَمِلَتْ} وهنا: {مَا كَسَبَتْ}، {ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [يونس: 52]، ما كسبت الأنفس من سُوء يجزيها الله تعالى عليه، فهذا يوم الجزاء على سُوء الأعمال، كما قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف:49].
سرعة الحساب:
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
الله سبحانه أسرعُ الحاسبين. أيُّ سرعةٍ هذه؟ عرف الناس سرعة الحساب في عصرنا عن طريق الكومبيوتر، يسمُّونه الناس بالحاسب الآلي أو الحاسوب أو المحساب أو الحاسبة لأنَّه سريع الحساب!
هذا أرانا شيئًا من سرعة الحساب الإلهيِّ كيف يكون، كيف يحاسب الملايين بل البلايين من أوَّل خلق آدم إلى يوم القيامة، سوف يُحاسبهم في وقت واحد كيف؟
ربنا سبحانه أرانا بعض الآيات لنعرفَ كيف يكون الحساب يوم القيامة.
ومعنى أنه سريع الحساب: أنه ليس هناك مجال لأن يقول أحد: أمامي ألف سنة ولا أكثر ينتهي الحساب وأنا مستريح إلى أن ينتهي. لا هو سبحانه سريع الحساب، الحساب آتيك أسرع ما يكون، {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
البلاغ الإلهيّ:
{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ}
ثم ختم الله سبحانه وتعالى هذه السورة أو هذا الشوط من السورة بهذه الآية الكريمة، هذا البلاغ الإلهيّ: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
هذا إشارة إلى القرآن الكريم، أو هو إشارة إلى سُورة إبراهيم، أو هو إشارة إلى هذا الشوط من السورة، من هذا القسم الذي فسَّرنا ومن قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42] إلى آخر السورة.. كل هذا محتمل.
{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} يجب أن يُبلَّغ به الناس، وقد بلَّغ الرسول ما أمره الله به: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، هذا بلاغٌ إلهيٌّ يجب أن تسمعه الآذان وتعيهُ القلوب، هذا بلاغٌ للناسَ، ولا يبلِّغ اللهُ الناس إلا ما يَهمُّهم ويُسْعدهم في دينهم ودنياهم، ما ينتفعون به في الآخرة والأُولى، لأنَّ الله ليس له حاجة إلى خَلْقِه، الله سبحانه غنيٌّ عن العالمين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15]، الله يُبلِّغ خَلْقَه كلَّ ما فيه خيرهم ومَصْلحَتُهم في الدنيا والآخرة.
الإنذار بالبلاغ:
{وَلِيُنْذَرُوا بِهِ}
{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} لِيُخَوَّفوا به، ليعلموا أنَّهم إذا عَصَوا اللهَ عزَّ وجل فإنما ينتظرُهم هَوْلٌ أيُّ هَوْل، وعذابٌ أيُّ عذاب، من هنا جاء الإنذار ولم يُذكر التبشير، {وَلِيُنْذَرُوا بِهِ}.
{وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ليعلموا هذه الحقيقة التي أنزل الله بها الكتب، وبعث الله بها الرسل، وحقَّت بها الحاقَّة، وقامت بها القيامة، ووقعت بها الواقعة، وقامت سوق الجنَّة والنار من أجل هذه الحقيقة العظيمة: أنَّ الله إلهٌ واحدٌ لا ينبغي ولا يجوز أن يُعبد إلا هو، بهذا بُعِثَ كلُّ الرُّسل، وبهذا نزلت كلُّ الكتب، كما قال الله تعالى لرسوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25].
{وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} يجب أن يتذكَّروا ما عليهم من واجبات نحو أنفسهم، ونحو ربِّهم، ونحو أُسرهم، ونحو إخوانهم، ونحو أمتهم، ونحو الإنسانيَّة كلها، بل نحو الكون كله، نحو الحيوان ونحو البيئة.. يجب أن يتذكَّروا هذا كلَّه، الأنبياء جاؤوا ليذكِّرونهم: {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية:21، 22]، {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45].
تذكُّر أولى الألباب:
{وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
لكن ليس كلُّ إنسان يتذكَّر، الذي يَتَذكَّر وينتفع بالتَّذكرة هم أُولوا الألباب، أصحاب العقول، أما الذين فَقَدوا عقولهم، أمَّا الذين ساروا وراء أهوائهم وشهواتهم كالأنعام بل أضلُّ سبيلاً، هؤلاء لا ينتفعون بعقولهم، إنما ينتفعُ بالعقول أُولوا الألباب.
والله سبحانه مَدَح أولي الألباب في ست عَشرة آية من القرآن الكريم: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179]، {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة:269، آل عمران:7]، {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100، الطلاق:10]، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111]، {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد:19، الزمر:9]، {وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم:52]، {وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]، {رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص:43]، {وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:18]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر:21]، {هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [غافر:54]. أصحاب العقول، ذلك أنَّ دين الإسلام جاء يخاطب العقل أول ما يخاطب، هذا الدين دين العقول، الذين يزعمون أنَّ الدين يُغيِّب عقول الناس –يُخدِّر عقول الناس– حتى زعم الماركسيون أنَّ الدين أفيونُ الشعوب، يُخدِّر الشعوب فلا تُفكّر ولا تُدبِّر أمرَها ولا تعقل ما يجبُ عليها، فإنْ صحَّ هذا في أيِّ دين محرَّف فلن يصحَّ في دين الإسلام، الإسلامُ جاء يخاطب العقول، دين العقل والنقل، ولهذا ختم الله هذه السورة بهذه الكلمة: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
ما أشدَّ حاجَتنا أن نتذكَّر ما ذكَّرنا الله به في هذه السورة الكريمة، وفي هذا الشَّوْط الأخير من هذه السورة الذي ينبغي حينما يقرأه المسلم أو يسمعه أن تذرفَ منه العيون وتَوْجف له القلوب وتقشعر منه الجلود: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْ