

«واقف» تحول من سوق شعبي قديم إلى أحد أبرز المعالم التراثية والسياحية
تأسيس وتطوير المؤسسات الثقافية والمتاحف أحد أبرز مظاهر الاهتمام بإرث قطر الحضاري
حرص على استعادة ملامح العمارة التقليدية في عدد من المشاريع الحديثة للتوازن بين الأصالة والمعاصرة
لم يكن التراث في رؤية صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، مجرد صفحات من الماضي تُستعاد في المناسبات، بل كان جزءًا أصيلًا من مشروع بناء الدولة الحديثة، وعنصرًا أساسيًا في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز حضور قطر الثقافي في العالم. فقد أدرك سموه أن النهضة لا تعني القطيعة مع الجذور، وأن التقدم الحقيقي هو الذي يجمع بين الانفتاح على المستقبل والوفاء للإرث الحضاري للأجداد.
ويتجلى هذا بوضوح في المحور الثالث من رؤية قطر الوطنية 2030، والخاص بالرعاية الاجتماعية والحماية الاجتماعية حيث يسعى هذا المحور إلى وجود أسر قوية متماسكة ترعى أفرادها وتحافظ على القيم الأخلاقية والدينية والمثل الإنسانية من خلال نظام حماية اجتماعية فعال لجميع القطريين يضمن حقوقهم المدنية، ويقدر مساهمتهم في تنمية مجتمعهم، ويضمن لهم دخلاً مناسباً للحفاظ على حياة صحية وكريمة، أن البنية الاجتماعية السليمة لا تتحقق دون وجود المؤسسات العامة الفعالة ومنظمات المجتمع المدني القوية والنشطة، والحفاظ على التراث الوطني لدولة قطر وتعزيز القيم والهوية العربية والإسلامية.

وخلال فترة حكمه التي امتدت من عام 1995 إلى 2013، شهدت قطر اهتمامًا واسعًا بحفظ التراث بشقيه المادي وغير المادي، من خلال إنشاء المؤسسات، وترميم المواقع التاريخية، ودعم الفنون الشعبية والحرف التقليدية، وإحياء العادات والتقاليد التي شكلت ملامح المجتمع القطري عبر التاريخ.

الذاكرة العمرانية والتاريخية
لقد أولى الأمير الوالد اهتمامًا كبيرًا بالموروث العمراني، انطلاقًا من قناعة بأن المباني التاريخية ليست مجرد أحجار صامتة، بل وثائق حية تحكي قصة الإنسان والمكان.
لقد قامت رؤية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله للتراث، على مفهوم أساسي، وهو أن الهوية ليست عائقًا أمام الحداثة، بل مصدر قوة لها. فقد تعامل سموه مع التراث باعتباره رصيدًا حضاريًا يمنح المجتمع ثقته بذاته، ويمنح الدولة حضورها الثقافي.
ومن أبرز المشاريع التي جسدت هذا التوجه إعادة إحياء الأسواق والأحياء القديمة، وفي مقدمتها سوق واقف الذي تحول من سوق شعبي قديم إلى أحد أبرز المعالم التراثية والسياحية في قطر، مع الحفاظ على طابعه المعماري التقليدي المستمد من البيئة القطرية والخليجية. وقد أصبح السوق نموذجًا ناجحًا لكيفية الجمع بين المحافظة على التراث ودعم الحياة الاقتصادية والثقافية.
كما شملت جهود الدولة في عهده الحفاظ على التراث المادي ترميم البيوت القديمة والقلاع والمواقع التاريخية، ومنها المواقع المرتبطة بتاريخ قطر البحري والبري، بما يعكس مراحل تطور المجتمع القطري من حياة البحر والغوص على اللؤلؤ إلى الدولة الحديثة ومن أبرزها موقع الزبارة الأثري ويعد أكبر المواقع الأثرية والتراثية في قطر. وقد تم اختيارها في عام 2013 ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهي أفضل الأمثلة الباقية من المدن الخليجية التي كانت تعتمد على التجارة والغوص على اللؤلؤ خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى عكس المدن التي كانت قائمة في ذلك الوقت، استطاعت الزبارة الحفاظ على شكلها ومعالمها التقليدية رغم التطور الواسع الذي تشهده البلاد والمنطقة.
وكان الاهتمام بالعمارة التراثية جزءًا من رؤية أوسع تؤكد أن الهوية العمرانية عنصر أساسي في تشكيل شخصية المدن، لذلك حرصت الدولة على استعادة ملامح العمارة التقليدية في عدد من المشاريع الحديثة، بما يحقق توازنًا بين الأصالة والمعاصرة.
المتاحف والتراث
شكل تأسيس وتطوير المؤسسات الثقافية والمتاحف أحد أبرز مظاهر الاهتمام بإرث قطر الحضاري في عهد الأمير الوالد.
فقد شهدت تلك المرحلة تأسيس مشاريع ثقافية كبرى هدفت إلى تقديم تاريخ قطر وتراث المنطقة للأجيال الجديدة وللعالم، وفي مقدمتها تطوير متحف قطر الوطني والبدء في تأسيسه كمشروع وطني كبير، وصولًا إلى افتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008، الذي قدم تراث الحضارة الإسلامية من خلال مقتنيات نادرة تعكس ثراء التاريخ الإسلامي وتنوعه..
كما مهدت تلك المرحلة لقيام منظومة ثقافية تهتم بجمع المقتنيات التاريخية وحفظها ودراستها، بما يجعل التراث مصدرًا للبحث العلمي والتعليم، وليس مجرد عرض للماضي.
إلى جانب المباني والمواقع التاريخية، أولى الأمير الوالد اهتمامًا خاصًا بالتراث غير المادي، باعتباره الوعاء الحقيقي لهوية المجتمع، بما يشمله من عادات وتقاليد وفنون شعبية وحرف وألعاب وممارسات اجتماعية ومن ذلك رعاية الرياضات التقليدية القديمة ومن أهمها الصيد بالصقور والذي نتج عنه تسجيل الصقارة في نوفمبر عام 2010 في القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية لليونسكو ومنذ ذلك الحين ظهرت المهرجانات التي ترعى هذا التراث مثل مهرجان قطر الدولي للصقور والصيد « مرمي، وبطولة القلايل في إطار المحافظة على القيم التراثية والوجدانية لهذه الرياضة الموروثة عن الآباء والأجداد.
فقد حظيت الرياضات والممارسات التراثية المرتبطة بالبيئة القطرية باهتمام متزايد، مثل الهجن والرحلات البرية، باعتبارها ليست مجرد هوايات، وإنما جزء من تاريخ المجتمع وعلاقته بالبيئة.
وكما حظيت الفنون الشعبية القطرية بدعم كبير، ومنها فنون البحر المرتبطة بالغوص على اللؤلؤ، والأهازيج البحرية، والعرضة القطرية، والشعر النبطي، وغيرها من الفنون التي شكلت جزءًا من الوجدان الشعبي. من أهم المهرجانات التي حفظت التراث البحري التي أقيمت برعاية صاحب السمو الأمير الوالد مهرجان قطر الدولي للتراث البحري والذي تحول إلى مهرجان كتارا للمحامل التقليدية ومازال يقام سنويا لهذا الغرض.
كما استمر دعم الحرف التقليدية التي ارتبطت بحياة المجتمع القطري، مثل صناعة السفن التقليدية، ومن ذلك تأسيس ورشة خاصة في المكتب الهندسي الخاص لبناء السفن التقليدية، فضلا عن رعاية الحرف التقليدية مثل السدو، والتطريز، وصناعة الأدوات التراثية، بهدف الحفاظ على مهارات متوارثة كانت مهددة بالاندثار أمام التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا شهدت قطر في عهده تأسيس وتطوير مؤسسات ثقافية أسهمت في جمع التراث وتوثيقه وتعريف الأجيال به، كما دعمت الأنشطة الثقافية التي تجعل التراث حاضرًا في الحياة اليومية للمجتمع.
وكانت هذه المؤسسات نواة للنهضة الثقافية التي واصلت قطر بناءها في السنوات اللاحقة، حيث أصبح التراث جزءًا من السياسات الثقافية والتعليمية والسياحية للدولة.

تراثنا والمحافل الدولية
لم يقتصر اهتمام الأمير الوالد على حفظ التراث داخل قطر، بل امتد إلى تعزيز حضوره عالميًا، من خلال تقديم الثقافة القطرية ضمن المشهد الثقافي الدولي، والتعريف بعناصر التراث القطري بوصفها جزءًا من التراث الإنساني المشترك.
وقد ساهم هذا التوجه لاحقًا في تسجيل عدد من عناصر التراث القطري ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، لعل آخرها « البشت القطري، بما يعكس القيمة العالمية لهذه العناصر.
وبفضل هذا الاهتمام، انتقل التراث القطري من دائرة الحفظ التقليدي إلى مشروع ثقافي متكامل يجمع بين التوثيق والتعليم والسياحة والإبداع، لتبقى ذاكرة الأجداد حاضرة في مسيرة قطر الحديثة.