

أبو الحسن علي بن حمزة بن عبدالله بن عثمان الأسدي الكسائي، ولقب به لأنه أحرم في كساءٍ، من أهل الكوفة، ثم استوطن بغداد.
وُلد في حدود سنة عشرين ومائة (120ه) وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة (189ه) عن سبعين سنة.
وهو أحد القراء السبعة، وكان إمام الناس في القراءة في زمانه، وأعلمهم بالقراءة، وأضبطهم لها، وانتهت إليه رياسة الإقراء بالكوفة بعد الإمام حمزة.
قال أبو بكر بن الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب، وأوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عنده فيجمعهم ويجلس على كرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ، وكان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، وينقطون مصاحفهم من قراءته.
وقال إسماعيل بن جعفر المدني وهو من كبار أصحاب نافع: ما رأيت أقرأ لكتاب الله تعالى من الكسائي.
أخذ القراءة عرضاً عن حمزة أربع مرات، وعليه اعتماده، وأخذ عن غيره، وروى الحروف عن شعبة، وعن إسماعيل بن جعفر، وقرأ إسماعيل بن جعفر على شيبة بن نصاح، ونافع.
وروى عنه القراءة عرضاً وسماعاً أُناس لا يحصى عددهم، منهم حفص بن عمرو الدوري، وأبو الحارث الليث بن خالد، وعبد الله بن ذكوان، والقاسم بن سلام، ويحيى بن آدم، وخلف بن هشام، والفراء، وروى عنه الحروف يعقوب بن إسحاق الحضرمي.
قال يحيى بن معين: ما رأيت بعينيّ هاتين أصدق لهجة من الكسائي.
وكما كان الكسائي إماماً في القراءات كان إماماً في النحو واللغة، وإنما تعلم النحو عن كبر، وسبب تعلمه للنحو طريف فقد جاء إلى قوم وقد أعيا فقال: قد عييت، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن؟ قال: كيف لحنت؟ قالوا له: إن كنت أردت من التعب فقل أعييت، وإن كنت أردت انقطاع الحيلة والتحير في الأمر فقل عييت، فأنف من ذلك وقام من فوره فسأل عمن يعلم النحو، فدل على معاذ الهراء فلزمه، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل، ثم خرج إلى بادية الحجاز، فغاب مدة طويلة، وكتب الكثير من اللغات، والغريب عن الأعراب بنجد، وتهامة، ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبر، ثم عاد إلى الخليل فوجده قد مات، ووجد مكانه يونس، فجرت بينهم مناظرات أقر يونس للكسائي فيها بالفضل، وأجلسه في موضعه.
وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال إلى الكسائي.
قال الفراء: ناظرت الكسائي يوما وزدت فكأني كنت طائرا أشرب من بحر. وقال غيره: انتهت إلى الكسائي طبقة القراءة واللغة والنحو والرياسة.
أدّب الرشيد، ثمّ ولديه الأمين والمأمون.
وللكسائي مؤلفات في القراءات، والنحو ذكر العلماء أسماءها، منها كتاب «معاني القرآن» وكتاب «القراءات» وكتاب «النوادر» وكتاب «النحو» وكتاب «الهجاء» وكتاب «مقطوع القرآن وموصوله» وكتاب «المصادر» وكتاب «الحروف» وكتاب «الهاءات».
وتوفي الكسائي عن سبعين سنة وهو بصحبة هارون الرشيد بقرية «رنْبَوَيْهْ» من أعمال الري متوجهين إلى خراسان، ومات معه في المكان المذكور محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة، فقال الرشيد: دفنا الفقه والنحو في الري في يوم واحد، وفي رواية أنه قال: اليوم دفنا الفقه والعربية.
ورأى بعض العلماء الكسائي في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن، فقال له: ماذا فعل حمزة؟ قال له: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما نرى الكواكب.
رحمه الله وأجزل له المثوبة.