

من الدروس المستفادة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
• ضرورة الأخذ بالأسباب بعد التوكل على الله:
مكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه في الغار ثلاث ليال حتى أمنا انصراف المطاردين لهما، وكانا قد رتبا أن يأتيهما عبدالله بن أبي بكر بالأخبار ليلا ويبيت عندهما، وأن تأتيهما أسماء بنت أبي بكر بالطعام والشراب لتعود مع أخيها قبل طلوع النهار، وأن يقوم عامر بن فهيرة برعي الغنم جنوبي مكة ليغطي على آثار المتحركين إلى الغار، وكان في ذلك درس في حسن الإعداد والأخذ بالأسباب بعد جميل التوكل على الله.
• ومنها الإيمان بمعية الله لعباده المؤمنين
شمرت قريش عن سواعدها في طلب رسول الله وصاحبه، وقررت إعطاء مكافأة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما، فجد كل من قصاصي الأثر والفرسان في طلب المهاجرين الكريمين، حتى وصل بعضهم إلى فتحة غار ثور، وقالوا: والله ما جاز مطلبكم هذا المكان.
سمع أبو بكر هذا الكلام فبكى بكاء مكتوما، هامسا لرسول الله بقوله: والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، لو هلك أبو بكر لهلك فرد واحد، أما أنت يا رسول الله لو هلكت لذهب الدين، وهلكت الأمة، والله ما على نفسي أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فطمأنه رسول الله قائلا: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا». وكان رسول الله واثقا من معية الله لهما، فأوحى إلى شجرة أن تنحاز إلى فم الغار لتسده، كما أوحى الله للعنكبوت أن تنسج نسيجا يطبق على فم الغار، وإلى حمامتين أن تبيضا وتفرخا بالوصيد، مما جعل المطاردين ينبذون الرأي القائل بأنهما قد دخلا إلى غار ثور، فعادوا أدراجهم خائبين؛ ولذلك قال تعالى: (...وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا...) (التوبة:40).
• وهي درس في الوفاء بالعهد
جاء عبدالله بن أبي بكر بالراحلتين والدليل (الذي كان مشركا، ولكنه كان قد أعطى العهد ألا يخون الأمانة) وجاءت أسماء بنت أبي بكر بالزاد، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الغار، وقدم له أبو بكر أفضل الراحلتين. فركبا وانطلقا سالكين طريق الساحل، وكان في صحبتهما كل من عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، والدليل عبدالله بن أريقط الذي لم يفش سرهما رغم شركه.
ودرس في معية الله والتورية الصادقة
سار الركب النبوي متجها إلى المدينة، وتابعهما أحد فرسان قريش (سراقة بن مالك) وكاد أن يلحق بهما، لولا أن أقدام فرسه غاصت في الرمال فاستجار برسول الله فأجاره، ولكن الطمع في المئتي ناقة كان ينسيه ما حدث له فيتابع المطاردة لتغوص قدما فرسه بالرمال بصورة أشد، وتكرر ذلك عدة مرات، والرسول يجيره حتى آمن سراقة ألا سبيل له إلى الرسول وصحبه، فقرر الرجوع، فوعده رسول الله أن يلبس سواري كسرى، وهو يتعجب كيف يمكن أن يكون له ذلك والفرس يحكمون المنطقة، وقد تحقق ذلك بالفعل في إمارة الفاروق عمر (رضي الله عنه).
وفي أثناء رحلة الهجرة كان رسول الله يأمر أبا بكر أن يشغل الناس عنه، فكان إذا سئل: من هذا الذي أنت بين يديه؟ فيرد أبو بكر قائلا: هاد يهديني السبيل، وقد صدق فيما قال من تورية تعتبر درسا للمسلمين في أوقات الشدائد.
ومن معجزات الرسول في الطريق إلى المدينة:
نزل ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للتزود بالطعام والشراب على خيام لأم معبد الخزاعية، والمنطقة كانت يومئذ تعيش في شدة من الجدب، فسألوها أن تبيعهم لحما أو لبنا أو تمرا. فقالت: والله لو كان عندنا ما أعوزناكم القرى. وفجأة أبصر رسول الله شاة خلفها عن الغنم شدة ما بها من هزال، فسأل: «هل بها من لبن؟» فقالت أم معبد: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين لي في حلابها؟» أجابت: والله ما ضربها من فحل قط فشأنك إن رأيت فيها حلبا فاحلبه، وأحضرتها له فمسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده الشريفة على ظهر الشاة وعلى ضرعها مسميا باسم الله، فدرت، ودعا بإناء يروي جماعة من الناس فحلب، ونزل اللبن قويا، ثرا حتى امتلأ الإناء فقدمه لأم معبد أمام دهشة الجميع فشربت حتى رويت، وشرب جميع من حضر حتى رووا، وأخيرا شرب رسول الله حتى روي. وكان قدومه بشير يمن وبركة، فنزل الغيث واخضرت الأرض ودرت ضروع الحيوانات فأطلقوا على زائرهم لقب المبارك.
ودروس في تحقق نصر الله
بعد أحد عشر يوما في الطريق وصل ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قباء فاستقبله أهلها بالترحاب والبهجة، وقضى الرسول وصحبه عدة أيام في قباء يصلون في مسجدها، وهو أول مسجد أسس على التقوى، ثم تحرك الركب إلى المدينة، وبمجرد الوصول إليها تزاحم أهل يثرب على زمام ناقة الرسول، كل يريد أن يظفر بنزول هذا الركب المبارك عنده، والرسول يقول: «دعوها فإنها مأمورة» حتى بركت في موضع مسجده الشريف إلى جوار بيت أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- الذي نزل به رسول الله. وكانت الأرض التي بركت فيها الناقة أرضا يملكها يتيمان في المدينة، فوهباها لرسول الله، ولكنه أصر على دفع ثمنها كاملا قبل البدء ببناء المسجد.
وفي هذا المسجد ربى رسول الله جيلا من المسلمين فهموا حقيقة رسالتهم في الحياة: فأسسوا قاعدة دولة الإسلام في المدينة، وانطلاقا من هذه الدولة أقام المسلمون أعظم حضارة في تاريخ الإنسانية.
من هنا فإننا نحتفل بذكرى هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي غيرت مسيرة التاريخ، فلولاها ما وصلنا الإسلام، ولعاشت البشرية كلها في دياجير الشرك والكفر والضلال التي كانت قد غاصت فيها قبل البعثة النبوية الشريفة.
وإذا كانت هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد توجت بإقامة دولة الإسلام في المدينة، ثم بفتح مكة، وبامتداد دولة الإسلام بعد ذلك لتشمل نصف المعمورة في أقل من قرن من الزمان، فإن روح الهجرة تبقى -في الأيام المباركة التي نعيشها- تجسد فرار المسلم إلى الله ورسوله فرارا حقيقيا مخلصا، وذلك لأقواله التي منها ما يلي:
1 - «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».
2 - «... والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
3 - «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».
4 - «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو».
5 - «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق». والله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل