

الدرس التاسع عشر
خطر السكوت على المنكر
سورة المائدة سورة مدنية، من أواخر ما نزل من القرآن، وورد عن جبير بن نفير أنه قال: دَخَلْتُ على عائشة رضي الله عنها فَقَالَتْ: هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَاسْتَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ.
السور المنوهة بشأن المسيح عليه السلام
والمائدة هي معجزة لسيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، ولذلك هذه السورة من السور المنوهة لشأن المسيح، لم يوجد للمسيح ولا لموسى عليهما الصلاة والسلام - وهما من أولى العزم من الرسل- سورة صريحة بأسمائهما، رغم أن بعض العلماء قال عن سيدنا موسى: كاد القرآن أن يكون لموسى ولبني إسرائيل، وذلك من كثرة ما ذكرت قصة موسى وقصة قومه في القرآن الكريم، ومع هذا لم توجد سورة في القرآن الكريم باسم سورة موسى عليه السلام مع أنَّ فيه سورة باسم نوح وإبراهيم ويونس وإبراهيم ويوسف، ولكن لم يوجد سورة باسم موسى، وكذلك لم يوجد سورة باسم المسيح عيسى عليه السلام. ولكن في القرآن ثلاث سور تنوه بشأن المسيح عيسى عليه السلام، منها سورة المائدة، لأنها تذكر معجزة من معجزات المسيح عيسى لم تذكرها الأناجيل نفسها.
معجزات المسيح التي لم تذكر في الإنجيل:
والعجيب أن القرآن الكريم ذكر آيات بينات، ومعجزات باهرات للمسيح عليه السلام لم تذكر في الإنجيل نفسه، منها نزول المائدة، ومنها: أنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً، كما قال تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} [المائدة: 110]، لم يذكر الإنجيل هذه المعجزة، فالقرآن يذكر أشياء للمسيح لم يعرفها المسيحيون أنفسهم.
التنويه بأمّ المسيح عليه السلام
هذه السورة تنوه بشأن المسيح عيسى ابن مريم، وهناك سورة مريم تنوه بشأن أم المسيح عيسى ابن مريم، حتى إني قلتُ في أحد المؤتمرات في الحوار الإسلامي المسيحي: لا يوجد عندنا في القرآن سور باسم آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سورة باسم خديجة بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به، ولا سورة باسم فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين، بينما فيه سورة باسم مريم، فانظروا إلى القرآن الكريم وكيف يمجد رسل الله وأنبياءه إلى هذا الحد.
التنويه بأسرة المسيح عليه السلام
وسورة آل عمران نوهت بأسرة المسيح عيسى ابن مريم، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 33-37]، فآل عمران هم أسرة المسيح، وعمران والد مريم، وامرأة عمران أم مريم وجدة المسيح.
{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى} [آل عمران: 35].
تكرار نداء المؤمنين في سورة المائدة 16 مرة
المهم أن سورة المائدة هذه من أواخر ما نزل من القرآن، وقد تميزت هذه السورة بكثرة ما جاء فيها من الخطاب الإلهي للجماعة المؤمنة، وهو قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}.
أكثر سورة نزلت فيها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} سورة المائدة، فيها ستة عشر نداء، وبدأت بهذا النداء، أول ما بدأت السورة تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].
وفي الربع الأول منها خمس نداءات:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ} [المائدة: 2].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا} [المائدة: 8].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 11] .
وفي الربع قبل الأخير ثلاث نداءات:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].
ثم يأتي النداء الأخير في السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106].
وقفة مع النداء قبل الأخير في سورة المائدة
ونحن نقف وقفات مع النداء قبل الأخير، وهو قول الله تعالى في الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105]، لأن كثيراً من الناس يفهمونها خطأ، يفهمون أن الإنسان عليه نفسه فقط، فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا رأى الفساد عمَّ وطم، وإذا رأى الظلم قد بلغ ما بلغ، وأن المعاصي قد وصلت عنان السماء فعليك نفسك، لا تُعنى بغيرك، كن في نفسك، هذا ما يفهمه بعض الناس من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}.
والعجيب أن هذا الفهم الخاطئ ظهر منذ عصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وأصحاب السنن: أن سيدنا أبا بكر الصديق؛ الخليفة الأول رضي الله عنه، صعد المنبر وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِماً فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ».
سيدنا أبوبكر رضي الله عنه يقول: أنتم تقرؤون هذه الآية وتفسرونها على غير ما أراد الله بها، تفهمون أن قول الله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، يعني: أنه لا شأن لكم بأحد، اتركوا الأمور تجري في أعنَّتها، ودعوا الظالم يظلم، والطاغي يطغى، والجبار يتجبر، والمفسد يفسد في الأرض، ولا عليكم إلا أنفسكم، لا تسألون غير عن أنفسكم فقط،{لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، لكنني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول غير هذا، يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، ويمنعوه من ظلمه، عمهم الله بعقاب من عنده»، لأنه كما يقولون: الرحمة تخص والنقمة تعم.
خطر السكوت على المنكر
العذاب إذا نزل يأخذ الجميع، يأخذ الذي ارتكب الظلم، والذين سكتوا على ارتكاب الظلم، لأن الإسلام لا يريد من الناس أن يسكتوا على الظلم، ويرضوا بالظلم، لأن الظلم إذا سُكت عليه تمادى وتفاقم خطره، وازداد واتَّسع، إنما لو أن الناس من أول الأمر أخذوا على يد الظالم سيرتدع، ولن يقلده غيره في ظلمه.
المنكرات شرارة نار يجب إطفاؤها
فالمعاصي والمنكرات أشبه بالحريق، حينما تظهر شرارة نار في مكان مَّا وسارع النَّاس إلى إخماد هذه النار وإطفائها، بوضع الماء أو التراب عليها، فإنها سرعان ما تنطفئ جذوتها، بأدنى جهد وبأسرع وقت، لكن لو تركوها دقائق معدودات تتسع وتلتهم الأخضر واليابس، ويحتاج إطفاؤها إلى جهد أكبر، ووقت أطول، ولو تركت أكثر تزداد وتزداد، وقد لا يقدرون على إطفائها.
الظلم والمعاصي والمنكرات أشبه بالنار، لكن النار تأكل الأحجار والمباني، والمعاصي والمظالم تأكل الإيمان والأخلاق والمعاني، وقد تأكل الأخضر واليابس من أخلاق الأمة وفضائلها وإيمانها إذا تركها الناس، لذلك لا يوجد في الإسلام كلمة: (أنا ما مالي)، أو (أنا ما لي دعوة)، لا، كل مسلم له دعوة، كل مسلم له دور في مقاومة المنكر يجب أن يقوم به، إذا سكتَ عن المنكر سينتهي المنكر إليه، إذا لم تسارع إلى إطفاء الحريق سيصل إلى دارك.
أحيانا بعض الناس من أجل أنه مغتاظ من إنسان يرمي فتيلا مُشْتَعِلا على سطح بيته، وعندنا في مصر – أنا من أهل القرى - البيوت في أهل القرى مليئة بالأحطاب والأخشاب، فعندما يرمي الفتيل يصيب الحريق، وعندما يشعر أحد بذلك يصرخ فيقوم أهل الحي جميعا برجالهم ونسائهم، النِّساء يأتين بأواني الماء، ويناولون الرجال ليطفئوا الحريق، ولو لم يطفئوها لأكلتهم جميعاً، وفعلا في بعض القرى أحرقت عن آخرها، أحرقت كلها بسبب إهمال الأول، الذي لم يهب لإطفائها، رآها بعيدة عنه فاسْتَشْرَت حتى أتت القرية بكاملها، وقد تكون الرياح قوية فتنقل الحريق من مكان إلى مكان فتصعب السيطرة عليه. المعاصي والمنكرات أشبه بهذا الحريق، لو سكت عنه سيأكلك، لا بد أن يسارع الناس إلى إنكار المنكر.
سفينة المجتمع
الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبه طبقات المجتمع من المطيعين والعصاة، والأخيار والأشرار شبههم بركاب السفينة، فقال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ»، يعني من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وحدود الله يعني التجاوزات من المعاصي المخالفات وترك الطاعات، «وَالوَاقِعِ فِيهَا»، يعني الواقع في المعصية، مثل هؤلاء «كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ»، يعني اقترعوا على سفينة من يكون في الطابق العلوي ومن يكون في الطابق السفلي، «فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا»، ناس في الطابق العلوي، وناس في الطابق السفلي، «فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا»،بدل أن نؤذي الناس بطلوعنا ونزولنا ومرورنا عليهم نخرق خرقا في السفينة يدخل منه الماء فنُريح ونستريح، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً».
لأن الماء حين يدخل يغرق الطابقين العلوي والسفلي، فلو تركهم وقالوا لا شأن لنا بهم، هم أحرار في طابقهم، هلك الجميع، فهم ليسوا أحراراً في ذلك، فالمحنة مشتركة، والمصالح مشتركة، والأضرار مشتركة، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن تركوهم هلكوا جميعا»، هلك الجميع، هلك من هم في الطابق العلوي، ومن هم الطابق السفلي، «وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ»، ومنعوهم من هذا العبث، ومن هذه الرحمة الحمقاء، «نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعاً». مع أن الذين فعلوا ذلك فعلوه بحسن نية، يريدون أن لا يتعبوا من فوقهم بالطلوع والنزول، لكن حتى حسن النية هذا لا يشفع لهم، ولا ينبغي أن يترك من يعبث في المجتمع ولو بغرض شريف، فكيف إذا كان العبث بالمجتمع بارتكاب المنكرات وانتهاك الحرمات، وظلم الناس بعضهم لبعض، هذا لا يجوز أن يُسكت عليه بحال.
الفريضة الغائبة
ولذلك كان من الفرائض الأساسية في الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه فريضة غائبة في مجتمعات المسلمين، الله تعالى حينما فضل هذه الأمة على الأمم قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:110]، فقبل أن يفضل الأمة بالإيمان بالله، فضَّلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنها أمة صاحبة رسالة، فالأمة لا بد أن تأمر وتنهى، والفرد لا بد أن يأمر وينهى.
سبيل النجاة من الخسر
عندما نقرأ: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر: 1-3]، هل بهذا ننجوا من الخسر؟ لا، لا بد من: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]، ما معنى تواصوا بالحق؟ يعني كل واحد يوصي غيره بالحق، بالتمسك بالحق، والدفاع عن الحق، وأن لا يسكت عن الحق، يوصي غيره ويقبل الوصية من غيره، هذا معنى التواصي، والتواصي تفاعل ومشاركة في الفعل، فهو يوصِي ويوصَى، ليس هناك أحد أصغر من أن يوصِي، ولا أحد أكبر من أن يوصَى.
الصبر على الأذى
ولما كانت التوصية بالحق ستجلب الأذى للموصي والموصَى قال تعالى:{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، لا بد أن يوطن نفسه على الصبر، كما لقمان قال لابنه وهو يعظه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان:17]، اصبر على ما أصابك، ما دمت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا بد أن يصيبك البلاء، ولا بد أن تتعرض للإيذاء، فاصبر على ما أصابك، ولذلك قال: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، لا حق بغير صبر.
سبب حلول اللعنة والسخط
فالفرد عليه أن يأمر وينهى، والأمة عليها أن تأمر وتنهى، وإلا باءت بلعنة الله وسخطه، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} لماذا؟ قال: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]، كيف كان عصيانهم واعتداؤهم؟ قال: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]، كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر، كل واحد منهم يجامل صاحبه ويسكت عنه.
ولذلك جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أن: «أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْص على بَنِي إسْرَائِيلَ، كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فيقولُ: يا هذا اتَّقِ الله ودَعْ ما تَصْنَعُ»، كلمة يقولها وينتهي الأمر.
يقول النبي: «ولا يَمْنَعُهُ ذلك أنْ يَكون أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فلمَّا فَعَلُوا ذلك ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْض».
كيف تأمره وتنهاه ثم تؤاكله وتجالسه، إذا لم تستطع أن تزيل المنكر فعلى الأقل تزول أنت عن المنكر، تبتعد عن المنكر، لما فعلوا لعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام.
درجات تغيير المنكر
هناك درجات لتغيير المنكر، جاءت في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
«فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ»، هذا لكل ذي سلطان في سلطانه، في بيتك لا تسمح بالمنكر، زوجتك ترتكب المنكر وأنت في البيت! أو ابنك الصغير الذي لك مسؤولية عليه! لا يجوز هذا، لا يجوز أن تسمح بالمنكر في بيتك، كل ذي سلطان في سلطانه، في شركتك إذا كانت لك شركة لا تسمح للموظفين أن يرتكبوا الحرام فيها، أو إذا كنت واليا في ولاية فلا تسمح للمنكرات أن ترتكب، كل ذي سلطان في سلطانه عليه أن يغير المنكر بيده، يعني بالأمر، بالإلزام.
«فمن لم يستطع فبلسانه»، وهذا مثل العلماء، فالعلماء يغيرون بألسنتهم، يقولون للناس: هذا حلال وهذا حرام، هذا معروف وهذا منكر، هذا خير وهذا شر، ومعظم الناس يغيرون بلسانهم، لكن أحيانا حتى التغيير باللسان لا يستطيعه الإنسان، ففي هذه الحالة يكون التغيير بالقلب، «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».