الخط العربي أحد الهبات القرآنية للحضارة الإسلامية

alarab
باب الريان 17 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: عصام تليمة
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي الخط العربي ومما انفردت به الحضارة الإسلامية في الفنون: الخط العربي، وقد كان للعرب القدم الثابتة في هذا الفن، بل يكاد يكون هو فنهم الوحيد، الذي برعوا به براعة عظيمة، حتى أصبح صناع الكلمة -الشعراء والخطباء- هم ذوو المكانة في القبيلة وأصحاب الشأن. إنها العناية بجمال الكلمة المسموعة، التي أنتجت (فن البلاغة) فكان مؤشرا أوليا إلى مكامن الجمال في تلك اللوحات البيانية الخالدة. على أن الاهتمام بفن الكلمة المسموعة لم يكن قاصرا على العرب وحدهم، فقد شاركتهم في ذلك الأمم الأخرى، ولكن الذروة التي تربعوا فوقها لم يبلغها أحد. ونزل الوحي بالقرآن الكريم، كلام الله تعالى. وأنصتت (البلاغة) تستمع (الإعجاز). وتبوأت الكلمة -بهذا الوحي- مكانتها، قمة مرتبطة بالسماء، تعلو ولا يعلى عليها، وأضفت عليها هوية المصدر سربال القداسة، فشرفت بنسبتها إلى الذات الإلهية.. وخفضت لها الكلمة البشرية جناح الذل، معلنة عبوديتها وعجزها، في صمت خاشع، وخضوع متبتل. ولأول مرة في تاريخ العرب والعربية يدون كتاب. فقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم كُتابا يدونون ما ينزل من الآيات، فور نزولها. وجمع هذا الكتاب الكريم إثر وفاته صلى الله عليه وسلم، في عهد أبي بكر رضي الله عنه. وتم نسخه عددا من النسخ في عهد عثمان رضي الله عنه. وأتاح نزول القرآن بالعربية لهذه اللغة أنواعا من العناية لم تحلم بها لغة أخرى.. فكان من ذلك جمع اللغة وتدوينها، وضبط مفرداتها وتحديد معاني ألفاظها.. ثم كان ضبط إعرابها، الأمر الذي أدى بعد ذلك إلى وجود الإعجام والشكل. كل ذلك كان بدافع العناية بكتاب الله تعالى، والحفاظ عليه، وإيجاد الوسائل التي تجعله سهل المتناول.. قراءة وفهما.. وكان ذلك ابتغاء رضوان الله تعالى، ورجاء ثوابه. وكانت العناية بكتابته، واحدة من تلك الوسائل التي تسهل وصوله إلى أيدي الناس، كما كانت العناية بهذه الكتابة، وإيضاحها وبيان حروفها وإظهارها.. وسيلة من وسائل القراءة الصحيحة.. إنه العمل في سبيل إبلاغ هذه الدعوة للناس عن طريق العناية بكتابها. ومن هذا المنطلق أصبح تحسين الخط بغية العناية بالقرآن الكريم عملا يتقرب به إلى الله تعالى، أليس هو بعض وسائل الدعوة إليه. ومن كتابة القرآن الكريم تبدأ قصة الكلمة (المرئية) وتبدأ معها قصة فن (الخط العربي). إنه الفن الذي كان واحدا من عطاءات هذا الكتاب المقدس، فكان فنا مقدسا، لأن مادته الأصيلة -كانت وما زالت- الكلمة التي نزل بها الوحي. ولهذا كان فن الخط العربي فنا إسلاميا خالصا، فهو من صنع هذا الدين، وله ارتباطه الوثيق بكتابه الكريم، ولم يسبق للكلمة أن كانت فنا مرئيا في أمة من الأمم قبل نزول القرآن الكريم. لا شك أن لكل أمة من الأمم لغتها، ولكن هذه الكتابات ظلت في وظيفتها التعبيرية، باعتبارها رموزا منطقية لمعان يراد التعبير عنها، ولكن لم يحدث أن ارتفعت هذه الرموز لتصبح فنا جماليا، كما حدث للكلمة العربية بعد أن أضفى عليها القرآن الكريم رداء قداسته. وبالتدريج وخلال مدة وجيزة، استطاع الفنان المسلم أن يجعل للكلمة وظيفة أخرى مرئية إضافة إلى وظيفتها المسموعة، وما أن ولجت الكلمة هذا الميدان الجمالي حتى بدأ التطور يسير بها في خطوات حثيثة، واكبت خطوات فن الزخرفة، بل تقدمتها.. وكان بين الفنين تعاون وثيق. إن آيات القرآن الكريم قد ملأت على المسلمين حياتهم، فهي منهج حياتهم، بها قوام صلاتهم، وتلاوتها تقرب إلى خالقهم، وترتيلها نوع من العبادة، ومن لم يكن القرآن لحن حياته فليراجع صلته بالإسلام. من هذا الواقع المشدود إلى القرآن برزت قضية إمتاع العين بهذه القداسة مشاركة لها مع الآذان في متعتها بسماع تلك الآيات الكريمة. فزينت جدران المساجد بالآيات.. ومنها انتقلت إلى مجالس الناس.. وعم هذا النوع من الزينة، الأمر الذي تطلب زيادة عدد الخطاطين لتلبية الحاجة الملحة، وأصبحت سوق الخط رائجة.. وظهرت المنافسة، فتعددت الخطوط وكثرت أنواعها. أنواع الخطوط هذا الاهتمام بالخط، جعل نموه وتطوره يزداد، ما جعل أنواع الخطوط تتزايد، وتتنافس في جمالها ورونقها، وأهم أنواع الخطوط هي: - الخط الكوفي. - الخط النسخي. - خط الثلث. - الخط الأندلسي- المغربي. - خط الرقعة. - الخط الديواني. - خط التعليق (الفارسي). - خط الإجازة. وقد تفرع عن هذه الخطوط فروع أخرى، جعلت هذا الفن ثريا قادرا على العطاء، يحمل إمكانية التكيف، ليؤدي دوره في كل الأحوال والمناسبات فقد تفرع عن الكوفي مثلا: - الكوفي المورق. - الكوفي المزهر. - الكوفي المنحصر. - الكوفي المعشق، أو المظفر والموشح. خصائص وميزات الخط العربي وللحرف العربي عدة مميزات أساسية هي: الإيجاز الشديد، وذلك لقابليته للاتصال بعضه ببعض سواء أكان مكتوبا، أو مطبوعا. وكذلك تنوع الأشكال للحرف الواحد. وقابليته للاستمداد والتمطيط، هذا فضلا عن جماله ورشاقة حروفه، وتباين أشكاله وتعددها، ما يساعد الخطاط على اختيار شكل الحرف الذي يناسبه حسب المقام. 1 - الإيجاز أما ميزة الإيجاز في الخط العربي، فيمكن للقارئ الكريم أن يلاحظ بنفسه مدى إيجاز الحرف العربي الشديد من الجملة المكتوبة بالحرف العربي، وما يقابلها بالحرف اللاتيني وبالبنط نفسه: (وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم). هذا الإيجاز هو إيجاز الحرف العربي كتابة، أو طباعة، وهو غير إيجاز اللغة بلاغة، وغير إيجاز الشكل والإعراب، والعربية معروفة ببلاغتها في الإيجاز وجوامع الكلم. روى المستشرق (ريتر H. Ritter) أستاذ اللغة الشرقية في جامعة اسطنبول، وهو من المخضرمين الذين حاضروا قبل وبعد الحركة الكمالية، فقال: «إن الطلبة قبل الانقلاب كانوا يكتبون ما أتلو عليهم من محاضرات بسرعة فائقة، لأن الحرف العربي اختزالي بطبعه، أما اليوم فهم لا يفتأون يطلبون إعادة العبارات مرارا. وهم معذورون فيما يطلبون، لأن الكتابة اللاتينية لا اختزال فيها.. ثم أضاف: إن الكتابة العربية أسهل كتابات العالم وأوضحها، فمن العبث إجهاد النفس في ابتكار طريقة جديدة لتسهيل السهل، وتوضيح الواضح. 2 - قابليته للتمديد أما قابليته للتمديد والاستطالة فللحرف العربي من خصائصة المطاطية ما يناسب كل مقام ويتفق مع كل مسافة ومساحة، بحيث يمكن التحكم في كتابته حسب الأحوال، وهو في هذا يختلف عن حروف أخرى جامدة، وكأنها قدت من خشب تكتب كاملة سواء اتصلت، أو انفصلت، لا يتغير شكلها بتغير موقعها. 3 - تنوع أشكاله وأما تنوع أشكاله فهي ميزة تفوق فيها على غيره، فلكل صورة من صور الحرف موقع واستعمال تدعو إليه الحاجة، اختزالية كانت أم جمالية عند الكتابة، وبهذا نجد أن ما اعتبره الآخرون نقيصة هو في الحقيقة ميزة. وتميزت الحروف العربية على غيرها من الحروف بأن هناك حروفا متشابهة الرسم، بحيث يمكن اختزال صور هذه الرموز إلى تسعة عشر حرفا أو رمزا فقط، بدلا من ثمانية وعشرين حرفا، بمعنى أني إذا علمت الطفل صورة الباء فإنه يمكنه أن يكتب التاء والثاء بهذا الرمز الواحد نفسه، بتغيير طفيف في عدد ومواقع النقاط، وهذا يتكرر عدة مرات في الأبجدية، ما يجعل عدد الرموز التي يتعين عليه أن يتعلمها في الحقيقة تسعة عشر رمزا أساسيا، هي كل الأدوات التي يتعين عليه أن يتعلمها ليكتب ويقرأ هذه اللغة الفصيحة، وتتفتح له أبواب كنوزها وتراثها العريض، تسعة عشر رمزا أو رسما لأغنى وأفصح لغات العالم. 4 - الانسيابية ومن خصائص الحرف العربي: الانسيابية، هو حرف يقترب من الطبيعة في انسيابيته ورشاقة حروفه، وفي تكويناته اللانهائية، وفي ليونته، وطواعيته للكتابة الجميلة، ليس فقط للكتابة الموجزة بل والفائقة الجمال أيضا. 5 - الكثرة والثراء ومن أهم خصائص الخط العربي: الثراء، ويدل على ذلك كثرة أنواعه، فإذا كان الكوفي بأنواعه وزخارفه تعبيرا عن الحس الجمالي للشكل الهندسي، وتنوع الكوفي من بسيط إلى مورق، ومزهر، ومضفور، وهندسي، وتميز الأخير بأنواع كثيرة تخص كل مدينة، فهناك القيرواني، والقرطبي، والشامي، والموصلي، والنيسابوري. كما تميزت الدول الإسلامية على مر العصور بقسمات خاصة لخطها الكوفي الهندسي كالفاطمي، والأيوبي، والمملوكي، والجركسي إلى غير ذلك. وكان النسخي، والثلثي، والفارسي، والرقعي، والديواني الجلي، ولكل أنواع، وهناك أقلام منها: قلم العقد المنظوم، وقلم المنثور، وقلم المقترن، وقلم التعليق، وقلم التوقيع، وقلم جليل الثلث، وقلم المصاحف، وقلم المسلسل، وقلم الغبار، وقلم النسخ الفضاح، وقلم جليل المحقق، وقلم الريحان، وقلم الرقاع، وقلم الريشاني، وقلم اللؤلؤي، وقلم الحواشي، وقلم الأشعار.. إلخ من أنواع الخطوط والأقلام. وما ذكر بعض أنواع الخطوط، هي فقط للتدليل على تنوع هذا الخط، وعلى مدى خدمة المسلمين لهذا الحرف الشريف على مدار السنين، فتركوا لنا تراثا ضخما أثرى الحرف العربي شكلا وجمالا، وتحسينا وتنويعا، لخدمة الأغراض والأذواق كافة حتى وصلوا به إلى ذروة شامخة.