

اعتبر تقدير موقف صادر عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية أن التحركات السياسية المتبادلة بين لبنان وسوريا، وفي مقدمتها الزيارة الثانية لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى دمشق، تمثل فرصة مهمة لإعادة بناء العلاقات بين البلدين على أسس جديدة، بعد عقود من التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية التي طبعت العلاقة بين الجارتين.
ورأى التقرير أن الزيارة تتجاوز إطارها البروتوكولي، وتعكس إدراكاً متزايداً لدى القيادتين في بيروت ودمشق بأن استمرار القطيعة السياسية لم يعد خياراً عملياً في ظل التحديات التي تواجه البلدين، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الإقليمي.
وأشار إلى أن العلاقات السورية اللبنانية ظلت لعقود محكومة بتشابكات سياسية وأمنية معقدة، ولم تُدر بصورة كاملة عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل تأثرت بملفات النفوذ السياسي والأمني والاقتصادات الحدودية وشبكات التهريب، ما أدى إلى تراكم أزمات الثقة بين الجانبين.
وأكد التقرير أن إعادة تفعيل اللجان الفنية المشتركة، ومشاركة وزراء معنيين بملفات الاقتصاد والطاقة والتجارة والمعابر الحدودية، تعكس توجهاً نحو معالجة القضايا العملية التي تمس مصالح البلدين، إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على التعامل مع الملفات الخلافية المزمنة.
استمرار التحديات
وفي الجانب الأمني، حذر التقرير من استمرار التحديات المرتبطة بالحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 375 كيلومتراً، لافتاً إلى أن شبكات التهريب العابرة للحدود، وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر، وملف ترسيم الحدود، إضافة إلى قضية سلاح حزب الله، تشكل أبرز الملفات التي تتطلب تنسيقاً مباشراً بين الحكومتين.
وأكد أن ضبط الحدود والتعاون الأمني المؤسسي يشكلان المدخل الأساسي لبناء علاقة أكثر استقراراً، خاصة في ظل التداخلات الإقليمية والدولية التي تؤثر على الوضعين السوري واللبناني.
وفي الشق الاقتصادي، اعتبر التقرير أن المصالح المشتركة تمثل الدافع الأكثر إلحاحاً للتقارب الحالي. فلبنان يحتاج إلى سوريا بوصفها منفذه البري الرئيسي نحو الأسواق العربية، بينما تحتاج دمشق إلى الاستفادة من المرافئ والخبرات التجارية اللبنانية في مرحلة إعادة تنشيط الاقتصاد.
كما أشار إلى أن قطاع الطاقة يوفر فرصاً مهمة للتعاون، من خلال مشاريع نقل الغاز والكهرباء وإعادة إحياء شبكات الربط الإقليمي، بما يسهم في معالجة جزء من الأزمات الاقتصادية التي يعانيها البلدان.
ملفات حساسة
وفي ما يتعلق بملف اللاجئين السوريين، وصف التقرير القضية بأنها من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، في ظل استضافة لبنان أعداداً كبيرة من السوريين وما يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية واجتماعية وأمنية. وأكد أن معالجة هذا الملف تتطلب آلية واضحة للعودة الآمنة والتدريجية بالتنسيق مع الجهات الدولية المختصة.
وخلص التقرير إلى أن العلاقات السورية اللبنانية ما زالت تتحرك ضمن منطقة وسطى تجمع بين الحاجة المتبادلة للتعاون واستمرار الهواجس التاريخية، مشيراً إلى أن نجاح أي مسار جديد يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء علاقة مؤسساتية قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة.
ودعا إلى اعتماد خريطة طريق تشمل استكمال ترسيم الحدود، وتعزيز التنسيق الأمني عبر المؤسسات الرسمية، وتطوير التعاون الاقتصادي وفق قواعد شفافة، وتنظيم ملف اللاجئين، وتنسيق المواقف الدبلوماسية بما يحول دون تحول البلدين إلى ساحات للصراعات الإقليمية.
وأكد التقرير أن التحولات التي تشهدها المنطقة قد توفر نافذة زمنية محدودة أمام بيروت ودمشق لإعادة صياغة علاقاتهما، محذراً من أن إهدار هذه الفرصة قد يؤدي إلى عودة الأزمات القديمة بأشكال أكثر تعقيداً في المستقبل.