

أوضح فضيلة الشيخ د. محمد حسن المريخي خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن حال الدنيا، وهذه الأزمان، وطغيان المادة، والمنافع الشخصية، والمصالح الذاتية، وقلة الوازع الديني، والغرور بالمادة وغيرها، كل ذلك عباد الله أثر في حال الناس تأثيرا كثيرا وكبيرا، غير مفاهيمهم، وبدل نظرتهم، وانحرف بفكرهم وثقافاتهم، حتى عقيدتهم. فكان الإنسان عباد الله، محتاجا إلى من يعينه بعد الله تعالى على أمر دينه ودنياه، والنجاة من الفتن والمحن، ويسلمه من الشرور والبلاءات، وفي الحقيقة أن من أهم ما يحتاجه المخلص الصادق ليسلم، وليعبر هذا الزمان وهذه الظروف، صديقا صادقا مخلصا، يدله على الخير، ويبعده عن الفتن والشر، ويكون على الفطرة والدين الحنيف، يحب في الله، ويبغض في الله، ويزن الأمور بميزان الله، بهذا ومثله بعد إذن الله عز وجل تزين الحياة عباد الله، وتطيب، ويمكن أن يشعر الإنسان بخير الدنيا والآخرة، ويستعد لنعيم الأخرة عند الله عز وجل، وهذا المعنى عباد الله أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصح به الأمة، ولفت انتباه المسلمين إليه في حديثه المشهور المعروف، "إنما مثل الجليس الصالح"، الجليس الصالح، عباد الله، والصديق المخلص توفيق من الله تعالى، ومنة منه تبارك وتعالى الجليس الصالح يدل على الخير، وينهى عن الشر، وينصح بصدق وإخلاص يبني ويعمر ويصلح الأرض بعد فسادها، يذكر بالله ورسوله والبر والإحسان، ويصلح ذات البين، يصل الأرحام، ويبر الوالدين، ويقطع الله به دابر الشيطان، لا يترك خيرا إلا نصح به، ولا شرا إلا حذر منه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يحب الخير وأهله، ويكره الشر وأهله، ولا يأمر إلا بخير.
وأضاف الخطيب أن الجليس الصالح عاقل هادئ، ينظر بنور الله، يدرس الأمور قبل الإقدام عليها، يزن ما فيها من الخيرات والشرور، ويحسب للنتائج والعواقب، ينفع ولا يضر، يعاون ويساند ويؤيد، فكم من المقامات والمنازل والدرجات بلغها الموفقون بسبب مصاحبة الأخيار بعد إذن الله عز وجل، فكم من الغايات والأهداف، بلغها أصحابها بمجالسة الأخيار، ومصافات الأبرار، وكم من المكاسب والأرباح المعنوية والحسية، نالها أهلها لما صاحبوا الأخيار، واستشاروا الأتقياء من عباد الله عز وجل، وإن الدنيا عباد الله، تمتلئ بالخيرين المباركين بسبب جهد الجلساء الصالحين من عباد الله، الذين يبذلون أنفسهم لله عز وجل، نصحا للمسلمين وحبا للخير، وبغضا للشر.
وقال: إن الإنسان بحكم طبعه البشري يتأثر بجليسه ويكتسب من قرينه الأخلاق وإنما المرء توزن أخلاقه وتعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه كما قا لرسول الله صلى الله عليه وسلم "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" رواه أبو داود، وقال ابن مسعود رضي الله عنه "ما من شيء أدل على شيء من الصاحب على الصاحب" وحينئذ لا عجب أن يعتني الإسلام بشأن الصحبة والمجالسة أيما عناية ويليها بالغ العناية، حين وجه رسول الله الأمة إلى العناية باختيار الجلساء الصالحين واصطفاء الرفقاء المتقين وقال عليه الصلاة والسلام "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي"، رواه أبو داوود والترمذي بإسناد حسن، كما ضرب صلى الله عليه وسلم للأمة مثل الجليس الصالح، والجليس السوء بشيء محسوس ظاهر بين يدي الناس، يعرفونه بخيره وشره، فقال صلى الله عليه وسلم "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثا" رواه البخاري ومسلم. يقول ابن حجر رحمه الله تعالى تعليقا على الحديث فيه النهي عن مجالسة من يتأذى من مجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته، لذلك عباد الله من الحزم والرشاد، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، ألا يجالس المرء إلا من يرى في مجالسته ومآخاته النفع في أمر الدين والدنيا.
وأكد الشيخ محمد المريخي أن خير الأصحاب لصاحبه، وأنفع الجلساء لجليسه، من كان ذا بر وإحسان وتقوى ومروءة، وشيمة، ومكارم أخلاق ومحاسن وآداب، وجميل عوائد من صفاء السريرة، ونفس أبية وهمة عالية، وتكمل صفاته عباد الله، ويجل قدره حينما يكون من أهل العلم والأدب والفقه، والحكمة.
وأردف: والجليس الصالح، أصيل في كل حاله، أصيل في كل أحواله، في أخلاقه وطباعه، وشيمه، يعين على النائبة، ويؤمن من جانبه الغائلة، فمن وفق عباد الله لصحبة من هذه أخلاقه وشمائله وآدابه، فتلك سعادته، وتلك عاجل بشراه، وإمارة توفيقه، فليستمسك بغرزه، وليعض على نواجره، وليراعي له حقه وصحبته والتقدير والاحترام بالوفاء له، والصدق والعرفان لأخوته، وتوقيره وإجلاله ومؤانسته حال سروره ومواساته حال ألمه ومصابه، وإعانته عند ضوائقه، والتغاضي عن هفواته، والتغافل عن زلاته، إذ السلامة عباد الله من ذلك أمر متعذر في طباع البشر .
وذكر الخطيب أن شر الأصحاب من ضعفت ديانته، وأخلاقه، وخبثت سريرته، ولم تحمد سيرته، الذي لا هم له إلا تحقيق مآربه وشهواته، وأهوائه ونيل رغباته ومنافعه، وإن كان على حساب دينه ومروءته، ولربما يبلغ الأمر عند هؤلاء ألا يقيم للدين وزنا واعتبارا وما أكثرهم لا كثر الله سوادهم، فإن مؤاخات هذه العينات ضرب من الأنا، وسبيل من سبل الشقاء، لما يجلبونه من الشر والبلاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتثبيط الهمم، وهدم الأخلاق، ودفن المروءات، والتعود على البذاءات، وفحش الكلام، والجرأة على ارتكاب أنواع الفسق والفجور، والسير في سبيل الشيطان، وتضييع العمر والأوقات.
فكم جرت الجلسات المشبوهة مع جلساء الفساد من البلوى والمحن والفشل والخراب والتدمير للأنفس والأسر والأخلاق وكم هدمت من النفوس وحملت معها من المكر والخيانات، كم من بريء دخل هذه الجلسات المشبوهة دخلها طاهرا وخرج منها فاسدا قد أتى على الفساد من قاعه، وإن جلسات الفساد منتشرة وكثيرة ربانها جلساء السوء وروادها الغافلون المغرر بهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يكون دعاة على أبواب جهنم من أجبابهم إليها قذفوه فيها هم قوم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا ..." حديث صحيح.
وقال الخطيب: كثيرون عباد الله اليوم الذين يتحسرون ويتأسفون على ملازمة الفاسد في يوم من الأيام، وكثيرة هي الأسر التي تهدمت، وخر السقف على رؤوس أفرادها، بسبب انصراف ربها عنهم، وانشغاله وتفرغه لجلسات الشر والخراب، وأعني بربها والدهم أو القائم عليهم، وأكثر من هؤلاء الذين يدعون ويتحسبون على من كان سببا في فقدان النعم، والعافية الحسية والمعنوية ممن فقدوا أخلاقهم وأهليهم، وفارقوا وشردوا عن الصراط المستقيم.
ونوه الشيخ: ها هي نتائج مرافقة السيئين، محو الأخلاق، وقطع الأرحام، وخسارة الأهل والأصحاب، والحسرات والندامات، والانهيار في كل شيء، والفقر والجوع والفشل، والتأخر الرجولي والدراسي، والمجتمعي.
وقال: اعلموا أن كثيرا من الناس إنما حصل لهم الضلال، وجميع المفاسد بسبب رفقتهم بسبب رفيقه، ومن يصاحب ويجالس، وإنما جاءه الهدم المعنوي أولا، ثم الحسي بسبب الرضا بمجالسة السيئين والفاسدين الذين اتخذوا دين الله هزوا ولعبا وحسبوا أنما خلقهم الله عبثا يتهارجون في الشوارع عبيدا للشهوات والمحرمات، وما علموا أن خسارة الآخرة، يسبقها خسارة الدنيا، يقول الله تعالى "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون"، انشغلوا أو شغلهم الشيطان بالشهوات حتى أسلمتهم للأمراض، فأسلمتهم الأمراض للموت، ولقاء الله تعالى، وهم غافلون، فخرجوا من الدنيا غافلين، قد تعبدهم الشيطان، فأقبلوا على الله خاسرين، لا هم حصلوا الدنيا ولا استعدوا للآخرة.
ونوه الخطيب بقوله: لا تظنون أن خطر مصاحبة الفاسد مقصورة على الدنيا، بل تتعداها إلى الآخرة إلا أن يتفضل الله سبحانه، فها هو الناجي يوم القيامة بفضل الله يحمد الله على نعمة النجاة، يقول إني كان لي قرين يقول إنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما، أءنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" نعم هكذا تكون النتائج المؤسفة المخسرة التي لا عوض لها لمن أهمل وأرخص بنفسه وباعها للشيطان من الإنس والجن.
وأكد الشيخ د. محمد المريخي أن أكثر الناس عباد الله ليصدون عن سبيل الله، وأكثر الناس يحسبون أنهم خلقوا للشهوات والملذات يرفعون شعارات مزيفة باطلة، تدل على سفول العقول، وذهول الذهون، يقولون هذه الدنيا خلقنا لنسرح فيها ونمرح ونمتع أنفسنا بلا قيود أو حدود أو ضوابط هذا نذير لكم وتحذير من ربكم "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" فانصحوا أنفسكم وأهليكم وذرياتكم وإخوانكم وحذروهم من دعاة الفساد ومن مصاحبة أهل السوء وكونوا جريئين في تذكير من يعز عليكم لتنقذوه من النار والخسارة الدنيوية والأخروية واحفظوهم منهم وحولوا بينهم وبين أهل اللهو اللعب وأعينوهم على أنفسهم بذكر الله .