د. حميش يستجلي العلاقة بين التاريخي والتخييلي في الرواية

alarab
ثقافة وفنون 17 مايو 2014 , 12:00ص
الدوحة - عبدالغني بوضرة
استضاف الصالون الثقافي التابع لإدارة الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والفنون والتراث، المفكر والروائي بنسالم حميش، وزير الثقافة المغربي السابق. ورحب الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري، وزير الثقافة والفنون والتراث، بضيف الصالون الثقافي، مُسرّا للحضور أنه هو من اختار موضوع الندوة، وقال بتواضع المعهود: «الدكتور بنسالم حميش عندما كان وزيرا كان صديقي والآن هو أستاذي، اكتشفته عندما ترك الوزارة، وقرأت له «العلامة» و»مجنون الحكم» و»هذا الأندلسي» وهو واحد من أبرز من كتب الرواية التاريخية». وأضاف الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري، خلال الندوة التي حضرها سعادة السيد المكي كوان، سفير المملكة المغربية بالدوحة، وعدد من المهتمين، أن الفكرة التي كانت تسيطر علي، هو هذا الخيط الرفيع بين الرواية والتاريخ، ومن هنا دعاه الصالون الثقافي»، معتبرا الموضوع مهما». وفي ذات السياق أشاد وزير الثقافة والفنون والتراث بلغة حميش واصفا إياها بـ «المتميزة». وافتتح الروائي بنسالم حميش حديثه بشكره للوزير الدكتور الكواري على كلماته الطيبات التي تفضل بها وقال: لا أخفيكم أن الموضوع من وحيه واقتراحه، وأنه عادة ما يحسن أن يتكلم عنه النقاد»، منطلقا في تفكيك خيوط مداخلته التي وطّأت لها الدكتورة هدى النعيمي، بالاستشهاد بالآية القرآنية الكريمة: «إِنَّا نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ» وبالحديث النبوي الشريف «ما من شيء لم أره إلا رأيته في منامي هذا مما فيه الجنة والنار.».. واعتبر الدكتور حميش أن النص التراثي والتاريخي لا يفرق بينهما والعلاقة بين الروائي والتراث الذي يصلح أن يكون قاعدة انطلاق، وهي علاقة ضرورية ولازمة وملزمة، مشيراً إلى أن هناك روائيين يرون أن الحداثة هي محو كل ما هو ماض، ومن هنا يرى المحاضر أنها ستصبح مهزوزة ومنحولة لا مستقبل لها، ليسوق بعد ذلك رأيا آخر للذين يعتبرون أن الرواية ينبغي أن تتمحور حول المعيش. وقال بهذا الخصوص: لا أحد يمكن أن تكون له السيطرة على المعيش، وانطلاقا من هذه التصورات، الموهومة يتجهون لكتابة الهلوسات ويرتكزون على السيرة الذاتية». وجاءت محاضرة المفكر بنسالم حميش حبلى بالاستشهادات لروائيين من حضارات وأزمنة مختلفة، تنم عن مدى إحاطته وتمكنه من الموضوع، ومن ذلك استشهاده بنجيب محفوظ حينما أتى عليه وقت واعترف أن هذا النوع من الكتابة صعب وعصيّ وذلك بعد أن كتب ثلاثيته الفرعونية، ليلتجئ بعدها إلى «القاهرة اليوم»، مبرزا أن هناك شيئا ينقص، وهو التاريخ الفرعوني في ثلاثية محفوظ. وقال الدكتور بنسالم حميش: إن التاريخ عندنا رواية، والرواية هي الخبر وينقسم إلى قسمين. منه ما يتسم بالتسليم مثل الخلق والأمور المعَادية، وهناك ما يتعلق بالشهادة، ويعمل بمنهج علم الحديث (الإسناد). وعندما يضيق الإسناد، نكون أمام روايات خارقة للعادة. وأكد حميش، أن التحصيل التاريخي والثقافي يعد فرض عين على الروائي، ممثلا لذلك برائعة سلامبو لصاحبها جوستاف فلوبير وتدور أحداثها في قرطاج خلال القرن الثالث قبل الميلاد، وكيف أن فلوبير، أحاط نفسه بكل ما في هذه الفترة الزمنية، وكذلك الشأن عند بعض الكبار أمثال: أمبرتو إيكو في «اسم الوردة» وغيره كثير. وأثناء حديث الدكتور بنسالم حميش عن «التخييل»، أصّل له مثلما فعل مع «الرواية»، وساق في هذا الباب كتاب «التوهم» للإمام المحاسبي، الذي رضي عنه أحمد بن حنبل، وبه زخم من التخييل والاستيهامات، معرجا على قضية الحج العقلي عند الحلاج، وعند المتصوفة ورؤاهم المنامية ودلالاتها، ثم كتاب «تواريخ» لهيرودوت، الذي سمي بأبي التاريخ عند سيمورون، وبـ «الكذاب» عند آخرين، وماركو بولو الذي أطلق عليه بـ «المليوني كذبة»، بالإضافة إلى ابن بطوطة الذي كان بدوره يلجأ إلى التخييل عندما كان يكتب كتابه حتى لا يترك بياضات. وأشار صاحب «مجنون الحكم»، أن هناك روائيين كبار من قبيل أمبرتو إيكو وروايته السالفة الذكر وصاحبة مذكرة أدريان»، فضلا على أن فلوبير بدوره يحكي كيف كتب روايته، وينفق من أجل الحصول على وثائق ومستندات واتصاله بالأركيولوجيين، منوها أنه في «مجنون الحكم» سار على هدي هؤلاء، وأنه حدث نفسه أكثر من مرة كيف له أن يكتب عن هذه الشخصية الاستثنائية (الحاكم بأمر الله) والسؤال الذي بسطه أكثر من مرة: «كيف استطاع هذا المجنون الذي كان مصابا بما كان مصاب به «نيرون»، أن يحكم رغم هذا التناقض في الشخصية. ومن هنا شعر الروائي بنسالم حميش بالحاجة إلى التخييل، إذ وجد أن كل ما كتب عن الحاكم بأمر الله يشهّرون به، وينعتونه بأقذع الأوصال. ويرى الروائي حميش أن التخييل يتأتى عنه إبداع لوحات متداخلة وعالقة زمانيا ومكانيا، ومن هنا يحدث الشرخ مع بعض الأعلام مثل جرجي زيدان وباكتير وغيره. وفي ارتباط بالموضع، ذكر بنسالم حميش، أن البعض عاب عليه تخصيص حيز وافر لـ «أبوركوة» الذي سمى نفسه بـ «الثائر بأمر الله» وكاد أن يطيح بـ «الحاكم بأمر الله» لولا الخيانة من داخل صفه. وقال حميش، في هذا الصدد: إن التاريخ الرسمي يبرز المنتصرين ويغيّب المهزومين، ومن هنا يصبح التاريخ شحيحا عن المهزومين، ليختتم ضيف الصالون الثقافي بما افتتح به، بشكره لسعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري، الذي شرفه بقراءة ما كتبه، داعيا إلى التمييز بين الصالح والطالح، وتكريم المستحقين سواء في الجوائز أو غيرها. ولم تقلّ المناقشة في غناها عن المحاضرة، حيث كانت كل المداخلات في الصميم، وأغنت الموضوع، ومن ذلك، حينما اتفق وزير الثقافة والفنون والتراث مع المحاضر بأن جرجي زيدان أساء للتاريخ وحرّفه، باسطا السؤال: «ما المقياس الذي يجعل القارئ يفرق بين التخييل والتاريخ». وأوضح الروائي بنسالم حميش أن الاستشهادات ينبغي أن تكون بين مزدوجتين، وهو ما يقوم به في كتاباته، والتوثيق لها، منوها أن هذا الأمر هو من واجب النقاد الذي ينبغي أن يتطرقوا إليه، فضلا عن إشارته الذكية حينما أوضح أن الكتابة عن الواقع الراهن، يدخل ضمن الرواية التاريخية، إذ عندما يمر على عليها حين من الدهر، فستصبح مرجعا ووثيقة تاريخية تؤرخ للحقبة التي كتبت فيها وعنها. وكانت مسيرة اللقاء الأدبي، الدكتورة هدى النعيمي قد قدمت بين يدي الحضور ورقة عن الرواية التاريخية ومن برز فيها من الروائيين العالميين.