الشيخة موزا: البشرية بحاجة لمنظومة اجتماعية متكاملة لسياسات وبرامج الأسرة

alarab
قطر اليوم 17 أبريل 2014 , 12:00ص
الدوحة - العرب
افتتحت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع صباح أمس ، أعمال مؤتمر الدوحة الدولي للأسرة الذي ينعقد على مدار يومين تحت شعار « تمكين الأسر: طريق إلى التنمية» بمركز قطر الوطني للمؤتمرات. واعتبرت صاحبة السمو في كلمتها الافتتاحية أن المؤتمر مناسبة للقيام بمراجعة شجاعة لما تم إنجازه طوال عقدين على مستوى التشريعات والسياسات والتطبيقات ومستوى التغيرات في الواقع، منوهة أن الأمم المتحدة اختصرت هموم البشرية جمعاء، وأوجزت مفردات الحاجة الشاملة للتمكين في الأهداف الإنمائية للألفية التي تمحورت جميعها فعليا حول قضايا تمكين الأسرة، من تعليم وصحة وعمل ومساواة. وتابعت سموها: «ولكن ما يؤلمنا أن استعراض النوايا الطيبة والإيقاع العالي للغة الخطاب الإنساني التي سمعناها كثيرا في العالم، لا نجد لها تجسيدا بالأفعال على أرض الواقع بل ظلت أقوالا كرسوها بمزيد من الأقوال أو بقليل من الأفعال، ولا أدل على ذلك من الدعم الشحيح الذي قدمته الدول لصندوق الأمم المتحدة الائتماني للأسرة». وأضافت «أظنكم استمعتم إلى أصوات رصينة في العالم نبهت إلى أن التفكك الأسري ذو كلفة اقتصادية عالية، الأمر الذي يستدعي تدخل الدول لدعم الأسر وتعزيز الروابط الأسرية» مؤكدة أن البشرية أحوج ما تكون في الوقت الحالي إلى سياسات وبرامج عالمية ووطنية شاملة، تتوجه إلى قضايا الأسرة كمنظومة اجتماعية متكاملة ولا تجزئ الحلول». وقالت صاحبة السمو، في الجلسة الافتتاحية التي حضرها عدد من أصحاب السعادة الوزراء وكبار المسؤولين وضيوف المؤتمر من صانعي السياسات والخبراء والباحثين في مجال شؤون الأسرة، وممثلي المنظمات غير الحكومية والخبراء والأكاديميين : «إن قضايا الرجل والمرأة والشباب والطفل هي في حقيقتها قضية واحدة: قضية الأسرة بمختلف تحدياتها ومشاكلها.. تتطلب تمكين جميع أفراد الأسرة من أدوارهم، وتمكين الأسرة بهذا المعنى هو تهيئة الظروف للنهوض بالأدوار في أسرة متماسكة تصون وتتوارث قيم التماسك» مؤكدة أن «الدور الأكبر يقع على عاتق الدولة من خلال سياسات وبرامج تعمل على توفير التعليم والرعاية الصحية ومعالجة أسباب الفقر ودعم التوازن بين الحياة والعمل وإعلاء قيم التضامن والتواصل بين الأجيال». ونبهت سموها إلى أنه «لكل مجتمع خصوصية اجتماعية وثقافية، وأن لدى جميع بلدان العالم تحدياتها الخاصة في مجال قضايا الأسرة» الأمر الذي يعني «أن تطبيق السياسات والاستراتيجيات يقتضي كذلك خصوصية في آليات التنفيذ تراعي التمايزات القيمية بين البلدان». وأشارت سموها إلى أن قضايا الأسرة العربية والمجتمعات العربية تمر بمرحلة تاريخية حساسة تتهدد فيها هويتها وثقافتها ومستقبلها، منوهة إلى أن الأسرة هي نواة المجتمع ووحدته المصغرة والحاضنة التربوية للأجيال إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا تفككت تفكك. وقالت سموها: «لنا كعرب ومسلمين تراث ديني وثقافي واجتماعي يقدس العلاقة بين الآباء والأبناء، ويكرم القيم الحميدة التي تكرس الترابط والتكافل والتراحم بين أفراد الأسرة» مضيفة أنه «عبر الأزمان، احتكمت الأسرة العربية إلى قيم مرجعية رسخت من تماسكها وعززت التوارث التربوي بين الأجيال، وإلى زمن قريب، ظلت مرجعيات مختلفة تنظم حياة المجتمعات العربية وتضبط سلوك الأفراد، ومنها: السلطة الأخلاقية للدين، وسلطة الأسرة، وسلطة المنظومة القيمية للمجتمع، وسلطة القانون في سياقها العادل». وأوضحت سموها، أن الغزو الثقافي الذي اجتاح العالم كله بطوفان العولمة في العقدين الأخيرين عصف بالإنسان العربي، وأحدث خلخلة في منظومة القيم وانحسارا في الخصوصية الثقافية وتصدعا في الهوية، وما ترتب على ذلك من تراجع قيمي في الثوابت وميوعة في استشعار ومواجهة التحديات. وأردفت سموها : «لسنا ندعو إلى هوية نكوصية، ولكننا نريد انفتاحا على الآخر بهويتنا وليس بهويتهم» لافتة إلى أن محمولات الغزو الثقافي استهدفت صميم هوية الأسرة العربية ثقافتها ولغتها ودينها، فيما أدت وسائل الإعلام والثقافة الترفيهية ولا تزال، الدور الأكثر تأثيرا باعتبارها حاملا لمفردات وتأثيرات هذا الغزو الذي جرف بتياره الكثير من الشباب العرب. وأضافت صاحبة السمو : «وإننا لنتألم كثيرا ونحن نرى شبابا عربا يفقدون هويتهم، وتتجلى حالاتهم بمثابة جرس إنذار من أن يطغى ضياع الهوية على أجيال مقبلة بكاملها، بينما تنشغل دولنا العربية، عن واجباتها في مضمار البناء والتنمية الاجتماعية، بالخلافات السياسية البينية أو بالاحتراب الداخلي، وكما لا يحدث ربما في أي منطقة أخرى في العالم تستنزف ميزانيات الكثير من الدول العربية بالتسلح ومستلزمات الهاجس الأمني ومتطلبات الإعلام الدعائي، فكيف لحال الأسرة أن تصلح، إذا كانت أحوال الدولة على غير صلاح؟». وزادت سموها : «إنه لمن المفزع أن تمول أو تدعم بعض الدول العربية مئات القنوات الفضائية التي تشتغل على تسطيح العقل العربي، وإشاعة الأمية الثقافية والتلاعب بغرائز اليافعين، الأمر الذي ينذر برهانات خاسرة على المستقبل» منبهة أن « جزءا بسيطا من الأموال الهائلة التي تهدر في تمويل هذه المشاريع يكفي لتنفيذ الكثير من البرامج التنموية التي تعنى بتمكين الأسرة» و»أنه ما كان لمشاريع كهذه أن تحقق مبتغاها، لولا تراخي النخب العربية أو تنصلها أو غيابها عن النهوض بدورها الفكري والثقافي والإعلامي في التصدي لحيثيات الخراب والحفاظ على الموروث العربي الأصيل والقيم الثقافية الحية». وبينت سموها، أن التعامل الجامد مع الموروث الثقافي والقيمي، ينم عن تجاهل غير واع لسنن التطور ويشيع المفاهيم الخاطئة وانعكاساتها على القيم الاجتماعية والتربوية، قائلة: «إنه لكي نجعل لتراثنا بثقافته وقيمه حضورا حيويا في واقعنا المعاصر، يتعين علينا إعادة إنتاج هذا التراث بغية مواءمته مع روح العصر، ونحن بذلك لا نعني القطيعة مع الماضي، كما لا نقبل القفز على الحاضر، وإنما هي عملية تكييف ومواءمة للقيم مع الشروط الثقافية والاجتماعية للزمن الذي نعاصره». ودعت سموها الجيل الحالي من صناع القرار في البلدان العربية أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية في دعم تماسك الأسرة وتمكينها من الإسهام الفاعل في التنمية، قبل فوات الأوان، وسن تشريعات عادلة لحماية الشباب والطفل والمرأة وكبار السن، ووضع برامج تعليمية وثقافية وإعلامية شاملة لصون الهوية والحفاظ على الخصوصية الثقافية في وجدان الشباب، لافتة سموها إلى «أن ثمة وفرة في المؤسسات المعنية بهذا الشأن والمؤهلة لتكون حاضنة لمثل هذه البرامج التي تصنع التغيير». وشددت سموها على «ضرورة تكريس الإدراك دائما بأنه لن يمكن لهذه الأمة أن تنهض نحو مستقبل يليق بها إذا لم تحم قيمها الأسرية الأصيلة، وإذا لم يتمتع شبابها بالصلابة الأخلاقية ضد الانحرافات السلوكية وبالمناعة الثقافية ضد إغواءات منتجات الغزو الثقافي وإعلام تسطيح العقول». وأكدت سموها أن «الخبراء والباحثين في مجال شؤون الأسرة مطالبون أن يبادروا أصحاب القرار بالحقائق والأرقام ومقترحات الحلول، بقدر ما تتطلب المسؤولية من أصحاب القرار، سواء كانوا في الدول أو الهيئات الدولية، أن يبادروا بإرادة التغيير طبقا لخلاصات قراءة الواقع».