ثقافة وفنون
17 مارس 2013 , 12:00ص
دانة أحمد الصفر
خطوات متعثرة، زفرات نَفَس سريعة وقوية، عيون مرتعبة تلتفت يميناً وشمالاً، تمسك بإحدى يديها شالاً تغطي به جسدها المرتجف من برودة الجو القارصة، وبيدها الأخرى ترفع طرف ثوبها الرقيق الناعم، لتُظهِر أقدامها الحافية، وقد بللتها بركة كونها المطر، وجرحتها حجارة الطريق الذي لم تستطع رؤية نهايته، لأن الضباب اتخذه سريراً أمضى الليل بين أحضانه، وما زال غافياً فيه رغم شروق الشمس منذ ساعة، لكنه عنيد لا نية له بالانقشاع، كي يسمح لتلك المسكينة للوصول لمبتغاها، والحصول على ضالتها، أهي قطرات الندى، أم دموع عينيها التي كانت تسيل على خدها، تكاد أن تتوه عن طريق العودة، فقد ابتعدت عن منزلها كثيراً، ولكن لا عودة لها، قبل أن تجده وتعيده إلى قلبها، فلا حياة لها من دونه، ولا هناء عيش بلاه، ذكرياتها الجميلة كانت معه، ومستقبلها لن يكون إلا به، فهو لا يقدر بثمن، إذ يمكن أن تفديه بحياتها، سارت إلى أن وصلت إلى مفترق طريق، يؤدي بها إلى نهايتين مختلفتين، الأولى قرية تكاد تكون مهجورة، يسكنها عمال المناجم الذين يقضون لياليهم في التسكع بحاناته، وفي الطريق الأخرى غابة كبيرة لا يدخلها النور من شدة تشابك أغصانها الكثيفة، تختبئ خلفها طيور ودواب ووحوش، القرار صعب، والأصعب هو العودة خالية اليدين، تجر أذيال الخيبة، ملأت رئتيها بالكثير من الهواء النقي لتنطلق إلى أحدهما، فجأة لفت انتباهها عصفور صغير يحاول اصطياد دودة مختبئة في الطين، تثير غضبه وهي تطل عليه برأسها ثم ما أن تشعر باقترابه منها حتى تدخل في الحفرة من جديد، حاول العصفور المسكين مرات ومرات لكن دون جدوى، أحست الفتاة بأن اليأس بلا شك قد تسلل إليه، فكرت أن تساعده، وتنبش الأرض كي تخرج له الدودة اللعينة، لكنها خشيت أن يطير خوفاً منها، ظلت تراقبه عن بعد، بينما ظل هو واقفاً يراقب دودته من مكان لن تلاحظه، كانت متيقنة أن الصبر لن يفيده، بينما همت بالذهاب فما يشغلها أهم من عصفور ودودة، وإذا برأس الدودة بدأت بالظهور من جديد، بل وأخرجت جسدها الطري من تحت الأرض، وكأنها تحتفل بانتصارها على العصفور، في لحظة رمت نفسها في الهواء تحس بنشوة الانتصار، وإذا بمنقار العصفور يلقفها ولا يترك لها مجال لابتداع المزيد من الرقصات، برقت عيناه سعادة، وطار إلى السماء يحلق عالياً، ظلت الفتاة تفكر للحظات، أيعقل أن يكون العصفور أذكى من البشر، أم أن العواطف تسرق العقل منا أحياناً، فنعجز عن إيجاد حلول عقلانية لأبسط المشاكل، نعم إن ما سيوصلها إلى ضالتها هو الصبر والتروي، حتى لا تضيع هي معه باندفاعها نحو التهلكة للحصول عليه، جلست عند المفرق لساعة، ونسمات الصباح تهب عليها، أخيرا انقشع ذلك الضباب وتبدد، بانت القرية أكثر إشراقاً وأماناً، وكذلك الغابة عَكَسَ نور الشمس جمالها كلوحة من تصوير الخالق، ثم قامت من مكانها بأمل جديد، سارت في أحد الطريقين، وعادت وبيدها كنزها الثمين، سعيدة.. وتضحك كالأطفال، تشكر الله، وتشكر العصفور الذكي.
danaalsafar@gmail.com