عبدالسلام البسيوني: دراستي في الأزهر منحتني الانفتاح وتقبل الاختلاف

alarab
منوعات 17 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
من قرية مصرية في أعالي الدلتا لا يعكس اسمها جمال طبيعتها، أطل الشيخ والداعية عبد السلام البسيوني على العالم في أواسط القرن الماضي، درج في (الزفتى) آخذا منها أنموذجها في التعايش بين أقباطها ومسلميها. لعب الأزهري الصغير في فناء الكنيسة الواقعة على النيل ، وحضر قداسات فيها، على أن ذلك لم يخدش اعتزازه بدينه، وأخذ من ذلك الأنموذج واحدا من خلفياته في الانفتاح على الآخر وتفهمه، وفي دراسته الأكاديمية كان أيضا ما يوسع أفقه ويؤكد تسامح الإسلام لديه الذي يقبل الآخر ويحاوره. وفي وقت مبكر من حياته، كان يوسع مداركه في كل الفنون والعلوم، فقرأ للعقاد وطه حسين واحمد حسن الزيات وطيفا واسعا من الشعر العربي قديمه وحديثه، لينضم فيما بعد لقائمة الشعراء، كانت هذه القراءات سببا آخر من أسباب الإنفتاح وسعة الأفق والحماية من آفة الإنغلاق، شغف بالخط العربي ، صغيرا أيضا، واستهوته الفنون، وهي التي استخدمها فيما بعد في الدعوة إلى الله، في مركز الفنار حيث يعمل في وزارة الأوقاف القطرية. عايش في سبعينات القرن الماضي صعود الحركات الإسلامية ، لكن الداعية المنفتح جفل منها جميعا، وأنفت نفسه من مسلمين يختلفون فلا يفشون السلام على بعضهم ، ومن يومها أخذ على نفسه محاربة اللافتات التي يصنف الناس تحتها ويعادون بعضهم ، على أنه ظل محتفظا بوصل قريب من الجميع يسع المخالفين معهم، بروح سمحة، وأفق ممتد أخذه من روح الإسلام الذي وعاه على مقاعد الدرس ، ومن تربية كان فيها الأب الأمي قد حفظ القرآن كاملا. تقلب في مناصب عدة في الاعلام، وكان بوسعه أن يقبل فرصا كثيرة توسع باب الرزق لكنه آثر ما «اختاره الله» له داعية اليه على بصيرة، فمكث في وزارة الأوقاف القطرية أكثر من ثلاثين عاما. في رصيده زهاء مئة كتاب في الفقه والشريعة والأدب ، مختارا من الحقل الأخير الكتابة في الأدب الساخر،وفي كل جمعة يحتل مكانه الأثير على منبر مسجد أبي بكر الصديق بالدوحة ، يطوف بمستمعيه في حدائق التفسير،آخذا اياهم الى عوالم ايمانية فسيحة. يأخذ على دعاة فقر حصيلتهم المعرفية،وضيق أفق يرى أنه يتسع بالانفتاح ومعرفة لغات العالم،ويجتهد هو في موقعه، بتوظيف كل حقول الحياة للدعوة الى الله ، فالفن وحتى الرياضة يمكن أن تكون أدوات نافعة بيد الداعية الحصيف لايصال رسالته. والشيخ عبد السلام البسيوني من مواليد العام1953.درس بالأزهر ، وكان الأول على محافظة الغربية ، والعاشر على الجمهورية في الثانوية ، وتخرج من جامعة المدينة المنورة بامتياز . التحق بعد التخرج بجامعتي القاهرة ( دار العلوم ) والأزهر ( كلية الشريعة ) لنيل درجتي ماجستير في الدعوة والفقه والأصول ، لكن مجيئه لقطر حال دون مواصلته دراساته العليا. اختير خبيرًا بمجمع فقهاء الشريعة في واشنطن ( أميركا ) منذ إنشائه . وهوعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية منذ نشأتها . وعضو مؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في لندن . يعمل حاليا رئيس شعبة الإنتاج الدعوي بمركز قطر للتعريف بالإسلام ، وسابقًا : الموجه الشرعي والمسؤول الإعلامي بالمركز . يتقن الإنجليزية ، ويحاضر بها ، وله بها كتابات . العرب التقت البسيوني «عن قرب» وكان هذا الحوار:  حين تجيل النظر فيما مضى من أيام الطفولة الأولى ، ماالذي تذكره من ميعة الصبا هناك وأي أثر للمكان الأول عليك؟ - نشأت في أجمل بقعة في الدنيا طبيعة وشكلا، في مدينة تترامى على أطراف النيل، هناك في مدينة لا يسر اسمها كثيرا (زفتى) فتحت عيني على مشهد لا حدود للخضرة فيه. في زفتى المدينة/ القرية، لا أفق ولا حاجز تنتهي عنده الطبيعة الخضراء على امتداد النظر وعلى مساحة آلاف الكيلومترات. عشت بين الخضرة والماء، ولعل تلك الطبيعة المدهشة والساحرة هي بذرة التكوين الأولى لأكون بعد ذلك صبيا شغوفا بالرسم ويستهويني الخط العربي بكافة أشكاله، وبين الطبيعة الخلابة كان بيتنا يأخذ موقعه (برزخا) بين ديانتي البلد المسيحية والإسلام. القاطنون على يمين البيت الذي أطللت من شرفته على العالم نصارى، وعلى يساره المسلمون. في ذلك المكان الذي شهد نشأتي الأولى، بين ديانتين تتجاوران وتتزاوران، كان الجو تسوده الألفة والتعايش بين أهل الديانتين. في البواكير الأولى وعيت نفسي أزهريا، وحفظت القرآن قبل أن أتجاوز الثانية عشرة، تعلمت التعايش صغيرا. كنت أزهريا ومتدينا، وأدخل بيوت النصارى. ظل هذا الجو الحميم في العلاقة بين أهل الديانتين من المصريين، حتى أطلت السياسة البغيضة بعد عهد السادات برأسها، وبدأت زراعة الفتنة والتفرقة لإفساد تعايش دام قرونا، ولم يكن هناك أي نوع من أنواع الحساسيات بين الناس.. هذا أزهري معتد بإسلامه يرتاد مسجده، وهذا نصراني قبطي معتد بدينه يذهب إلى كنيسته. ساحة الكنيسة ملعب صبانا كان موقع الكنيسة على النيل، كنا نذهب صغارا إلى ساحتها الفسيحة النظيفة ونمارس ألعابنا. كنا نلعب الكرة، وحضرت عشرات القداسات فيها، وعرفت طقوسهم ووعيتها منذ عهد مبكر، وكل ذلك لم يكن لينقص اعتزازي بديني. كان الجو إذ ذاك خصبا على مستوى التعايش الديني. كان الناس «بشرا» من حيث السلوك والعفة والكرم، فلاحين يتعاملون بقيم رفيعة وعالية، إلا أن هذه القيم (للأسف مع ألاعيب السياسة فسدت).  إلى أي مدى أثرت هذه النشأة في تكوينك الانفتاحي ومسيرتك داعية فيما بعد؟ - البيئة التي أشرت إليها منحتني هذا الأفق المتسامح، لكن دراستي الأزهرية هي التي منحتني هذا الأفق المتعدد والمتسامح. دراستي الأكاديمية أعطتني مفهوما أصيلا عن الإسلام الفسيح الذي يقبل الآخر ويستوعبه، الدراسة علمتني أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) رسول رحمة للعالمين، ولا «يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، يمكنني أن أحشد عشرات الشواهد على هذا الإسلام الذي يقبل الآخر. درست ذلك مبكرا، أي أنني في طفولتي كنت أجمع الفكر المتسامح، إلى جانب البيئة المتسامحة التي نشأت فيها. تعلمت في الأزهر فكرة التقبل. وهنا دعني أقول لك إنني كنت حنفيا في بدايات دراستي في الأزهر، تعلمت وأنا الحنفي أن أدرس في القضية الواحدة خمسة آراء للإمام أبو حنيفة وتلامذته.. خمسة آراء في قضية واحدة لتلاميذ يختلفون مع إمامهم في حياته ولا يقول لهم: «لم خالفتموني؟»، تعلمت في إطار المذهب الواحد التعدد والاختلاف، قبل أن أطل على المذاهب الأخرى الشافعية والمالكية والحنبلية، ثم قرأت عن سفيان الثوري والبخاري، هذا درس أول تعلمته باكرا، ومع الأيام ازداد إيماني بفكر الإسلام القائم على الاختلاف والتعددية، وزاد ذلك بالانفتاح على الثقافات الأخرى. كتب ومعارف أولى  نبقى في إطار المدينة الصغيرة/ القرية، ماذا عن مراجع تكوينك الثقافي الأول؟ - في القرية /المدينة في الخمسينيات، لم تكن هناك مكتبات ولم يكن هناك مثقفون كبار أيضا، كان هناك علماء ولكن كان يباعد بيننا السن، (أنجبت المدينة علماء معروفين، مثل: د.مصطفى عمرو السيد أكبر عالم في علاج السرطانات، ومحمد الوكيل عبدالعظيم الذيب)، على أن الله رزقني بمكتبة، وبشكل غريب جدا كان لي صديق، أبوه كان ناظر مدرسة وكانت لديه مكتبة خاصة، وهو مشترك في سلاسل كتب دار المعارف، فكنت أستعير منه الكتب وكان الناظر وابنه كريمين لا يحجران لديهما كتابا، فبدأت من وقت مبكر أقرأ في كل الاتجاهات.. قرأت في وقت مبكر للعقاد وطه حسين وأحمد حسن الزيات، وقرأت الشعر بمختلف أنواعه، كانت هذه القراءات سببا من أسباب الانفتاح، إضافة إلى الدراسة التقليدية في السيرة والفقه، فزاوجت بين هذه القراءات والدراسة، وكان التكوين ثريا من جهة الاطلاع على هذه القراءات وما تمدني به، إلى جانب ما منحني إياه الأزهر. كان هناك شيء آخر هو الشغف الشخصي بالقراءة والإطلاع. وهنا أروي لك هذه الطرفة، وهي أنني عندما بدأت في شراء الكتب كنت في الثانية عشرة من عمري، وطلبت من أبي -رحمه الله -مالا لأشتري كتاب الجزء الأول من صحيح البخاري، المهم أنني اشتريت الكتاب ورآه معي فقال لي: ما هذا؟ قلت له: هذا كتاب، قال لي: كانت لدينا كتب كثيرة مثل هذا وكنا نشعل بها الفرن، فقلت له: الآن تدفع ثمن إحراقك للكتب. في بواكيري انشددت إلى الفنون وكنت خطاطا ورساما، كانت لدي عناية بالخط وبالرسم، وشبق كبير أيضا بالشعر العربي، حيث قرأت طيفا واسعا منه، وشغفت في وقت مبكر بنزار قباني والشعر المعاصر، وكنت أكتب الشعر، ولي دواوين شعرية. قرأت في الرواية لنجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف إدريس وغيرهم، وقرأت في الإعدادية لطه حسين والعقاد، وفي هذه المرحلة كنت قد انتهيت من قراءة هؤلاء الرواد الكبار مع حفظ القرآن طبعا، لكن أهم ما يمكن الإشارة إليه في مرحلة التكوين هم الأساتذة الذين كانوا آباءنا، وكانت لهم بصمات محفورة في نفوسنا ولا يمكن أن أنساهم، كانت المحاسبة مستمرة. كثير منهم ماتوا، وما زلت أصل بعضهم ممن هم أحياء وشجعونا كثيرا. بقي هذا الأمر إلى الثانوية التي عاهدت فيها نفسي أن أكون الأول في مصر. نسيت الاتفاق قبل الامتحان بشهرين، ولم يحرمني الله الفضل، حيث لم أكن الأول لكنني كنت بين العشرة الأوائل على مصر كلها، والأول على المحافظة. دراسة الشريعة في المدينة هذا الأمر أثر على مسيرتي بعد ذلك وغير حياتي تغييرا كاملا، فأنا كنت متجها لدراسة اللغات ودخلت قسم الترجمة الفورية «وأبى الله أن أستمر في هذا المجال» وحولني إلى دراسة الشريعة التي لم تكن من هواجسي في ذلك الوقت، لكن الله أبى إلا أن أكون داعية، فدرست في السعودية كأحد المبتعثين، فكانت المنحة في المدينة المنورة، وكان الخير الذي أراده الله لي في المدينة، وقد استفدت من اهتماماتي السابقة في الفن والتاريخ والعلوم الشرعية والانفتاح على التيارات الأخرى، وكذلك قراءاتي في الوجودية والشيوعية. أزهري فقط  نشأت في فترة تتماوج فيها التيارات لكنك لم تنتمِ إلى أحدها.. - بقيت في الأزهر طالبا أزهريا فقط، وما عرفت بالتيارات الإسلامية إلا بعد العام 78. بدأت أعرف التيارات بمجملها من أعنفها إلى أهدئها، ومصر فعلا كانت تموج في هذه الفترة بها وجميعها حاولت استقطابي، ولكن حدث أمر جعلني أرفض اللافتات نهائيا وأكره هذه التصنيفات: كنت أصلي في أحد المساجد وأفشيت السلام، لكن أحدا لم يرد علي.. رجعت في صلاة المغرب وألقيت درسا وقلت فيه: إن اللافتة التي تجعل مسلما لا يسلم على أخيه وهو يصلي معه في نفس المسجد لافتة ملعونة، وأعدكم أنني سأعيش حياتي كلها أحارب اللافتات. ولا أزال حتى الآن وفيا لعهدي أتعامل مع المسلمين بتياراتهم كافة سواسية، مع كراهيتي للتصنيفات لأنها تحجر واسعا وفيها «إقصاء لئيم»، لا يجوز معها للمسلم الداعية أن يتصف بهذه الصفة الإقصائية. وفي زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم تكن هذه التصنيفات. كنت أميل على الصعيد الفكري للسلفية بحكم دراستي في المدينة، ولكن سمّها «السلفية المنفتحة». بين دراستي في الأزهر والمدينة كونت خلطة منفتحة تفهم وتقدر وتقبل الاختلاف، وهذه هي المعادلة الصعبة، ودائما أقول إنه ما لم تنفتح ذهنيا على المشايخ والمدارس الأخرى فلن تكون داعية على بصيرة؛ ولنأخذ البخاري مثالا، فقد درس على ألف وثمانين شيخا قبل أن يصبح إماما. كنت أخطب في مساجد أنصار السنة لكن كان عندي هذا اليقين والانفتاح الذي يجعلني أتعامل مع جميع التيارات وكل الاتجاهات، ولأن الإسلام ليس حكرا على أية لافتة ولا يجوز أن أتعامل معه وفق لافتة وأدع باقي المسلمين. وتعلمت في حياتي باكرا أن أخاطب الشيوعيين، والوجوديين، ومن أخالفهم في الفكر والمعتقد. ضيقو أفق  الإسلاميون.. كيف كانوا يتعاملون معك؟ وكيف كانوا يتقبلونك؟ - كانوا ضيقي الأفق. كان أكثر الشباب الإسلامي في ذلك الوقت قليل العلم والخبرة، كنت أسبق منهم بشكل ما. ظللت أمينا لمنهجي في الانفتاح على الآخر وتقبله، أحدث الناس بما يعرفونه، وهذا ما استفدت منه في دعوتي إلى الله، بمعنى أن أستخدم اللغة المناسبة لكل من أخاطبه، فاللغة التي يخاطب بها الملحد غير تلك التي تخاطب بها المرأة، وأنا أقول إن الشيخ الذي جلس إلى شيخين وثلاثة لا يكفيه ذلك لأن يكون داعية، وإنما يحتاج إلى أن يجلس إلى ثلاثمائة شيخ ليصفو الذهن وتستنير البصيرة، ومن مآخذي على الإسلاميين أن مواردهم الثقافية شحيحة ويجلس أحدهم إلى شيخين أو ثلاثة فـ «يتمشيخ» ويقول: أنا بلغت الذروة.. هذا لا يكفي. يجب أن تقرأ في كل شيء وأن تتنوع مواهبك ومداركك الثقافية. في منهج الدعاة  ثمة دعاة أخذوا صيتا واسعا، كيف تقيم تجربتهم؟ ثم ألم يستوقفك أحدهم؟ - كنت محظوظا بأنني تعاملت مع كبار علماء الدنيا أثناء انتقالي بين المدينة والدوحة وعملي في الإعلام، فكنت أحاور كبار العلماء.. حاورتهم وعرفتهم منهم من هو كبير جدا ومن هو بالونة اشتهر بقدر الله عز وجل لأمر يريده، منهم العظيم المليء ومنهم البسيط، فالله أكرمني بالتعرف على هؤلاء. هناك محطات وعلامات في تاريخ الدعاة، فأنا أعتبر الشيخ عبدالحميد كشك محطة خاصة، والشيخ الشعراوي كذلك رحمه الله محطة كبيرة أيضا من محطات الدعوة، وإبراهيم عزت، والشيخ يوسف القرضاوي، وهنا أريد أن أفرق بين الداعية وبين الأستاذ الجامعي الذي يقوم بدور الخطابة أحيانا، هذا لا يوضع في خانة الدعاة، وظيفته مدرس ومعلم ومحلل، وهناك معلم حرفته الدعوة، وهناك قسم آخر من الناس الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا الصنف كما الأستاذ أقل من أن يكون من الدعاة. وهنا أنا لا أريد أن أذيب الفارق بين هؤلاء.. الأستاذ الأكاديمي يمكن أن يقول شيئا صحيحا، لكنه لا يصلح أن يقال أمام الناس، فيمكن أن يحدث أمر ليس جيدا، ذلك أنه ليس كل ما هو صحيح يقال أمام الجمع، وما يقال في مجلس العلم لا يقال أمام العموم، وتصريحٌ وقول في غير مكانه أحيانا يحدث فتنة. الداعية يعرف ما يقال ولمن وكيف، هو لا يقول إلا حقا، لكنه يتخير ويتبسط في حديثه مع من يجب أن يتبسط معهم، ويحجم ويتحفظ مع من لا يجب أن يتبسط معهم.  هناك أفق في تحولات الدعاة.. اختلف مفهوم الدعوة، وأصبح لدينا دعاة فضائيون، ما تقييمك لمشهد الدعاة؟ - الراحل كشك رحمه الله كان مناسبا لزمانه، وكان فضائية لوحده، حين كنت أدرس في المدينة المنورة، رأيت طلابا من أنحاء العالم يطلبون أشرطته، عبدالحميد كشك داعية كبير بذاته، وهناك دعاة كبرتهم الفضائيات.  تحدثت عن «بالونات».. ما البالونات التي صادفتها؟ - لا أستطيع أن أسمي أسماء ولكن صادفت أساتذة جامعيين لا يعرفون غير المادة التي يدرسونها والرسالة التي قدموها، ولا قراءة لهم ولا علم عندهم.. تحدثه في موضوع غير تخصصه فيتلجلج ويضطرب ويتعتع، وهناك رجل معه بكالوريوس وعلم نفسّه وتعلم وأصبح كبيرا في علمه ومعارفه، لكن البالونات كثيرة، وللأسف الفضائيات صنعت من هذه البالونات شيئا، فكثير يفتون وهم ليسوا أهلا لذلك، ولغتهم هالكة. نحن نشكوا من أن الدعاة لم يحسنوا بعد استخدام الإعلام المعاصر. الشعوب تريد الإسلام  كيف تقيم صعود الإسلاميين بعد «ثورات الربيع العربي»؟ - الشعوب قالت كلمة، وهي أنها تحتاج إلى الإسلام، لأنها متدينة بطبعها، ومسلمة بحقيقتها، وعملية غسل الدماغ الطويلة وزرع التغريب لم تجدِ نفعا، وبمجرد ارتفاع القمع عن الناس اختاروا الإسلام. ثمة مثقفون متلونون حكموا الإعلام طويلا، وأسهموا في تزييف وعي الناس، وأنا كنت شاهدا على هذه النماذج. أنيس منصور واحد من هذه النماذج، كان ملكيا مع فاروق وناصريا مع جمال عبدالناصر وساداتيا مع أنور السادات. هو رجل لكل العصور.. لاعب سيرك بامتياز. الشعراء والمثقفون والإعلاميون كانوا يهاجمون أميركا، ثم تأمركو. والإعلام أحيانا يلعب لعبة غير عادلة للأسف، الآن الشعوب تطلب الإسلام، وحين رفعت القبضة عن الإسلاميين وعن الناس اتجهوا للإسلاميين. خيرة الله  لو تمنيت ما كنت تريد أن تكونه ماذا تتمنى الآن؟ - لو استقبلت من أمري ما استدبرت لاخترت خيرة الله، فالله هو الذي اختارني، فكيف أختار على ما اختاره الله لي؟ والآن لو كنت في سلك القضاة لكنت ربما من قضاة التزوير أو الأحكام العسكرية. الله أراد لي أن أكون داعية له وأنا سعيد بخيرة الله لي: «ومن أحسن ممن دعا إلى الله»..  في يومك بالفنار ما الذي تفعله؟ - أستمتع بوجودي في قطر، وهذا من منة الله علي، وأنا أيضاً أعمل في وزارة الأوقاف قريبا من ثلاثين سنة ولا أريد غيرها، وكنت أستطيع أن أعمل في الإعلام، لكن لا أريد لذلك بديلا، فمنة من الله أن يجعلك في موقع طاعة، وفي مكان عمل كله لله.  من أين تلتقط أفكارك لخطبة الجمعة في مسجدك أبي بكر الصديق؟ - أنا لا ألتقط أفكارا أو أبحث عنها، أنا أفكاري موجودة لخمسين سنة قادمة، أتعامل مع القرآن وأخطب على معجمه بالترتيب الأبجدي، وأنا منذ أربعة عشر عاما أخطب أبجديا ولا أزال في ثلاثة أحرف، وأفسر فيها منذ أربعة عشر عاما، وفي الواقع أنا لا أتعب في خطبتي، وأربط الآيات بالواقع، وأعيش مع القرآن والسنة وظلالهما في الواقع.  ما الكتاب الذي تفيء إليه إذا ما حشرج صدرك بعد كتاب الله؟ - أنا رجل لغوي، وأعشق علم التفسير، ومن أروع ما أقرأ في حياتي من الفتوحات كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله. أعشق كتب علي طنطاوي والرافعي.  تحب سيد قطب أديبا ومفسرا، فهل تحبه مفكرا أيضا؟ - أحبه شاعرا ومفكرا، هناك معطى مهم: لا بد أن نختلف وأن يكون لي رأي، لا يمكن أن أطابق الشيخ القرضاوي ولا ابن باز قيمة الأخلاق في التنوع. عندنا تنوع.. أنا أخالف سيد قطب وأحبه وأقبله وأترحم عليه، فهو ليس معصوما. أنا رجل لغوي وأقول إن القرن العشرين أنجب فصحاء سيد قطب أحدهم، مصطفى صادق الرافعي منهم أيضا، والشيخ محمد الغزالي أحدهم، والشيخ مصطفى صبري.. هؤلاء فصحاء تقرأ لهم فتطرب.  أين أنت من الموسيقى؟ - دعني لا أجيب عن هذا، ولكني كتبت الكثير من الأناشيد.  إذاً دعني أسألك عن خفقان قلبك.. - هذا سؤال لا يجيب عليه مثلي، ولو أردت لحدثتك عن حب أئمة ومشايخ وما انتهينا، أنا تزوجت طالبا وأنا على مقاعد الدرس.  ماذا عن تجربتك مع المتصوفة؟ - تجربتي مع المتصوفة رديئة وواقعهم رديء، سرت معهم صغيرا ولمدة ستة أشهر، ثم فارقتهم غير نادم، حضرت الموالد ورأيت وشهدت وعرفت، وأنا عندما تحدثت عن واقعهم فلأنني عرفت، وكتبت كتابا كبيرا في العقائد الشعبية ومنها كلامهم. رأيت سيرتهم مع الظلمة، كما قلت أيضا مشاهداتي في القبور والأضرحة مؤسفة جدا، رأيت رقصا وإيماء في المسجد لا يقبله عقل وخرافات كذلك.. رأيت سلوكيات غير مريحة، فارقتهم وقلت: هؤلاء ليس على ما علمت في الأزهر، وسلوكهم السياسي لم يرضني.