القرة داغي: من استطاع منكم مساعدة إخواننا في سوريا فليفعل
محليات
17 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - العرب
دعا فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القرة داغي, الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, إلى مساندة مسلمي سوريا, واستحث همَّة المسلمين قائلا: من استطاع منكم مساندتهم فليفعل حتى ينصرهم الله تعالى نصراً عزيزا، وربط بين تلك المساندة الواجبة ومسؤولية الكلمة التي نطق بها كثير من قادة العرب وقادة الإسلام والمسلمين حول قضية سوريا، قائلا: قد سمعنا كلاما كثيرا في تركيا وفي بلاد العرب أمام ما يراق من الدماء الزكية الطاهرة في كل يوم، بل في كل لحظة, والاغتصاب المنظم, والتعذيب المنظم, وحتى يصل الاغتصاب إلى القصر والقاصرات التي يندى لها جبين الإنسانية، وتهتز لها القلوب، وتقشعر لها الجلود، فأين مسؤولية الكلمة بحماية الشعب, وأين مسؤولية قيادات الأمة العربية والإسلامية, ولا نتكلم عن قادة العالم الذين يبحثون عن مصالحهم، وإنما عن قادة العرب والمسلمين، أين مسؤوليتهم؟ وتحسر فضيلته على مرور عام على الثورة بقوله: قد مضت سنة على الثورة السورية المباركة، ثورة ضد الظلم فقط، وضد الطغيان، ثورة للحرية، ولكن لم تُسعف إلا بكلمات، وهذه الكلمات لم يقم أصحابها برعايتها ولم يفوا بواجبهم نحو إخوانهم في هذا البلد العزيز، في بلاد الشام التي بارك الله سبحانه وتعالى فيها, ودعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله بارك في شامنا اللهم بارك في يمننا» وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستبشر بها خيرا، وهي من أهم قلاع الإسلام والمسلمين على مر التاريخ الإسلامي، والنظام له دهاء خطير في مسألة التأخير ويستغلها لمصالحه, فعمله البارحة مع الجامعة العربية، واليوم مع كوفي عنان، وكل هذا ويزداد النظام في الفتك بشعبه, وهو يراهن على قتل من يستطيع أن يقتله، وقد فعلوا ذلك في «بابا عمرو» فدمروا البلد وقتلوا من قتل من الصغار والكبار، وهكذا يريدون أن يفعلوا, وأن يمشطوا كل مدينة ثارت ضدهم إلى أن يقضوا على شعبهم، ومعهم دول تساعدهم من باب الطائفية وهي ليست قضية طائفية، وإنما قضية ظالم ومظلوم، وقضية الحق. جاء ذلك في خطبة الجمعة أمس بجامع السيدة عائشة رضي الله عنها بفريق كليب.
آفات اللسان
وكان فضيلته قد بدأ خطبته قائلا: ما زلنا نحن ندور حول أهمية المسؤولية، ونتحدث في هذه الخطبة عن مسؤولية الكلمة، عن مسؤولية اللسان، هذه المسؤولية إذا روعيت فسوف يترتب عليها بالتأكيد سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة بإذن الله سبحانه وتعالى، وإذا لم تراع هذه المسؤولية فإن الإنسان سيكون في شقاء في الدنيا وشقاء أكبر وخزي أعظم يوم القيامة. فاللسان مفتاح للخير، وهو أيضاً مفتاح للشر، وقد بين علماؤنا رحمهم الله عن هذه المسؤولية أن هناك عشرين آفة من آفات اللسان، وكل آفة تكفي لأن تجعل الإنسان شقياً في الدنيا والآخرة.
ونحن نتحدث ضمن هذه الآفات، وضمن هذه المسؤولية عما يقول الإنسان من حيث الصدق والكذب، ومسؤولية اللسان في العهود والمواثيق والعقود، ومسؤولية اللسان في قضية الأمانات وحفظ الأسرار، هذه القضايا الأساسية هي في غاية الأهمية، ترتبط بها سعادة الإنسان وراحة الضمير في الدنيا وراحة القلب وطمأنينته، بالإضافة إلى نعيم الآخرة، وتخفيف الحساب، بل يكون الإنسان في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
حرية ولكن
وأضاف أن من أهم المسؤوليات أن تدرك أن كل ما تتلفظ به أنت مسؤول عنه، فالله سبحانه وتعالى أعطاك الحرية في أن تتحدث بلسانك كما شئت، وكيفما شئت، وفي أي مكان شئت، هذه الحرية العظيمة التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان لا بد أن تكون وراءها مسؤولية، ويقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا)، فالإنسان يُسأل عن كل ما آتاه الله من اللسان ومن القلب والسمع والبصر وبقية الأعضاء، وأهم شكر لله سبحانه وتعالى كما قال علماؤنا أن تستعمل النعمة في طاعته، وما القول بالشكر إلا جزء من أداء الشكر، أما الشكر الحقيقي فهو أن تستعمل هذه النعمة التي منحها الله إليك, أن تستعملها في طاعة ومرضاته وفي خدمة الإنسانية والإنسان... وتأتي الأوامر الإلهية في الكتاب والسنة فتركز على هذه الجوانب، حتى يكون هذا اللسان سليما، ليكون الجسد بعد ذلك سليما، لتكون بقية الأعضاء بمنأى عن كل ما يترتب عليه من المشاكل والآثار، وكم من كلمة يستسهلها صاحبها فتؤدي إلى فتنة، أو يجرح بها مشاعر أخيه، تؤدي إلى عذاب أليم، ونكال في الآخرة، وكما ورد في الحديث الصحيح «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً» أي قد يترتب عليها عدم دخول الجنة لسبعين سنة، أو يبقى في النار ويزداد بكلمة واحدة سبعين سنة, حسب تأثير هذه الكلمات في المجتمع وفي مشاعر الآخرين مما يترتب عليها من الأضرار أو معصية الله سبحانه وتعالى.
الصدق والمسؤولية
ورأى فضيلته أن من مسؤولية الكلام أن تكون صادقا مع أخيك، وقد نفى النبي عن المسلم أن يكون كذابا، قد يرتكب أي منكر، ولكن المسلم لا يمكن أن يكون كذاباً إن كان مؤمنا حقيقيا ويخاف الله سبحانه وتعالى، ولا يوجد في أي دين ولا أي نظام عقوبة أشد للكاذبين مثل هذا الدين العظيم، ولكن مع الأسف لا نجد أثر هذه الشدة على معظم الناس في كلماتهم، بل ربما يقولون دون أن يولوا العناية بأن الله سبحانه وتعالى يحاسبهم على الكذب، وأنه ليس هناك كذب أبيض أو كذب أسود، فكل أنواع الكذب في السواد, كما ورد في الحديث الصحيح «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» وحينما يكتب عند الله بهذا الوصف حينئذ يسود قلبه، ويسود وجهه، ويكون حينئذ من المبعدين عن رحمة الله سبحانه وتعالى في الدنيا وكذلك في الآخرة.
الموعد مسؤولية
واعتبر الموعد من مسؤولية الكلام أيضاً حينما يعد الإنسان بموعد، وإن كلمة إن شاء الله لا تبرر لك أن تخالف الموعد، ولكن مع الأسف تستعمل هذه الكلمة حتى لا يكون الإنسان ملتزما بكلماته، وهذا غير صحيح، بل فيه إساءة إلى هذه الكلمة، التي تقال من باب التبرك، ومن باب إسناد الأمر إلى الله، وليس من باب التعليق وتبرير مخالفة وعدك، وقد رأينا البعض من غير المسلمين حينما تقول إن شاء الله، يقول لك: لا تقل إن شاء الله، أستغفر الله من هذه الكلمات، من هذه القدوة السيئة، أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نكون قدوة حسنة للمؤمنين، وقدوة حسنة كذلك للكافرين، ولا نكون فتنة (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وذلك حينما تعطي صورة غير صحيحة، صورة وقدوة سيئة لغير المسلمين، بينما المفروض أن يكون المسلم أكثر صدقا وأكثر حفاظا على الوعود والعهود لأمرين أساسيين، الأمر الأول: أن الناس إذا عرفوا منك الصدق احترموك وصدقوك، وإذا عرفوا منك الحفاظ على العهود والوعود والعقود احترموك وتعاملوا معك، ونحن نرى كيف يُحترم الإنجليزي لوفائه بوعوده وعهده، ولكن إذا ذكرت وعود المسلمين وعهودهم فهذا يعني الفوضى، وهذا يعني عدم المصداقية، وهذا يعني التهرب من المسؤولية.
شرف العهود
ومن التاريخ قال فضيلته: كانت عهود المسلمين في الأندلس عنوانا للشرف، عنوانا للأمانة والمصداقية والشفافية، وقد رأيت وثيقة لذلك العهد أن غير المسلمين حينما يتعاقدون كانوا يشترطون أن تكون عقودهم فيما بينهم مثل عقود المسلمين، فأصبح بيع المسلم عنوانا للوفاء والمصداقية والشفافية، وعلى عكس ما نتعامل به اليوم، وقد التقيت بأحد كبار المفكرين الذين أسلموا في رابطة العالم الإسلامي قال: كنت أتصور أن المسلمين أصدق الأمم، وأكثر الأمم التزاما بالوعود والعهود، وأكثر الناس نظافة وطهارة، ولكن بعد تجوالي في البلاد الإسلامية شكرت الله أنني أسلمت قبل أن أرى أحوال المسلمين، فلم أر الصدق إلا من قلة، ولم أر محافظة على العهود إلا من قلة، والمفروض أن يكون المسلمون أكثر التزاما لمصالحهم الدنيوية، وثانيا لإيمانهم باليوم الآخر وإيمانهم بوقوفهم أمام الله سبحانه وتعالى».
وتابع: أيها الإخوة أصبحت مخالفة الوعود والعهود في أمتنا الإسلامية يضرب بها المثل في عدم الوفاء، وهذه تكون فتنة لغير المسلمين, ومن هنا نتحمل المسؤولية، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم حينما وصف المنافقين في حديث متفق عليه: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً, ومن كانت فيه خَصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمِنَ خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجر» فهذه هي خصال المنافقين ووصفهم الله تعالى أن مصيرهم في الدرك الأسفل من النار.
العقود مسؤولية
واختتم خطبته مشيراً إلى المحافظة على العقود, والعقود بكل موادها، قال: والعقد لا يقصد الذي بينك وبين الحكومة فقط، وإنما أيضاً بينك وبين الآخرين، سواء كان هذا العقد مكتوباً أو ليس مكتوبا، ومن هنا تشمل هذه العقود العلاقة بينك وبين حكومتك في الوظيفة كيف تحترمها، وكيف تؤدي واجبك بمصداقية، وقد أعجبني ما رأيت من قول للشافعي رحمه الله, وقد توفي في 204 للهجرة, وسُئل عن عمل أجير خاص -أي الموظف الحكومي باصطلاح اليوم- إذا صلى الظهر وهو في عمله ثم تذكر أنه صلاها من دون وضوء فأعاد الوضوء والصلاة واستغرق منه وقتاً؟ فقال الشافعي: «عليه أن يعيد الفرض فهذا حق الله وعليه أن يعيد الوقت لصاحب الوقت لأنه من حق العباد» أي يجب أن تعوض الوقت الذي صرفته وإلا دخل الحرام في مالك بقدر هذا الوقت، وإن لم نفعل فلا عجب أن تقل البركة في أموالنا لأننا لا نعطي حقوق وقت العباد.