سوق التوابل والبهارات بـ «واقف».. كنوز لنكهة الطعام وصيدليات من وحي الطبيعة
تحقيقات
17 يناير 2013 , 12:00ص
الدوحة - رانيا غانم
الرحلة إلى سوق واقف وأجوائه التراثية الشرقية والعربية الأصيلة لا تكتمل إلا بزيارة سوق البهارات أو حتى المرور في أزقته، فالرائحة العبقة التي تختلط فيها رائحة الأعشاب بالتوابل والبخور تجربة لا يضاهيها إلا الوقوف للاطلاع على أنواعه المختلفة، وإشباع العين من ألوانها الجميلة الجذابة، فما تشاهده أمامك ليس فقط كنوز تعطي للطعام نكهته ولذته المميزة، لكنها أيضا صيدليات طبيعية تمد الجسم بالصحة والعافية وتقيه من الكثير من الأمراض.
فالبهارات عالم مبهر حيكت حوله الأساطير، وكان قاسما مشتركا في غالبية حضارات الشرق القديمة، بل هو أيضا سببا لاحتلال بلدانه ولمجازر بحق أهله وسكانه، ولا يخفى أيضا كونها سببا لاكتشاف عالم جديد لم يكن معروفا لسكان العالم القديم.
تتصدر الهند العالم في إنتاج البهارات بنصيب %86 من الإنتاج العالمي حسب إحصاءات حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو».بإنتاج يصل إلى مليون و600 ألف طن، تليها الصين بنسبة %5، وبنجلاديش بنسبة %3، ثم باكستان %2، ونيبال بنسبة %1، بينما لا يزيد نصيب باقي دول العالم المنتجة للبهارات مجتمعة عن %3 من الإنتاج العالمي.
وفي كتاب «التوابل.. التاريخ الكوني» الذي صدر مؤخرا في أبوظبي للمؤلف فريد كزارا، وترجمة إيزميرالدا حميدان، واستعرضته «الإمارات اليوم» عرض مسار التوابل عبر التاريخ بدءا من العصور القديمة، فالعصور الوسطى مروراً بعصر الاكتشافات وانتهاءً بالقرن الـ?20، ويشرح الكتاب دور الحضارات والدول في حركة التوابل من الشرق إلى الغرب، وأثر كل منها في انتشار التوابل وتجارتها والحملات العسكرية التي ترافقت مع اكتشاف مناطق جديدة لزراعتها، فيتحدث عن أسمائها وأنواعها وأصولها ومدى غرابتها وارتفاع قيمتها، ثم يستعرض لنا التوابل الرئيسية التي ستشكل محور هذا الكتاب وهي: القرفة والقرنفل وجوزة الطيب والفلفل والفلفل الحار، حيث كانت هذه التوابل محور الأساطير التي نسجت حول التوابل بشكل عام.
عَبَرت التوابل من شرق آسيا إلى أوروبا، مخترقة المنطقة العربية وحاملة معها الرخاء والازدهار لكل من عمل في هذه التجارة من مختلف الأعراق والأديان.
وبعد انتهاء الحروب الصليبية فضل الغرب البحث عن أماكن زراعة التوابل بدلاً من انتظار العرب والفرس ليزودوه بها، وهكذا بدأ عصر الاكتشافات، حيث سيرت كل دولة حملاتها بحثاً عن أماكن زراعة التوابل ونشأت المنافسة بين الهولنديين والإنجليز والإسبان والبرتغاليين على طريق التوابل وتسارعت الاكتشافات، فالجميع يسعى للوصول إليها واحتكار تجارتها.
وفي سبيل تحقيق هذه الرغبة ارتكبت مذابح بحق الشعوب الأصلية في الجزر التي تنتج التوابل، وتم احتلالها بالكامل أو إخضاع سكانها للهيمنة الغربية، ونشط القراصنة في سرقة السفن التجارية المحملة بالتوابل التي غرق الكثير منها بسبب الحمولة الزائدة، واختلفت الثقافات وتصارعت على أرض التوابل وطريقها ولعب الجميع دون استثناء، من أوروبيين وعرب ومسلمين وهنود وصينيين وغيرهم، دوراً ما في انتقال التوابل وما رافقها من مآس وازدهار، فقد نشأت شركات جديدة وتحولت لتصبح إمبراطوريات تجارية بسبب التوابل واستعبد البشر ليعملوا في زراعة التوابل وحصادها، وانتقلت التوابل من الشرق إلى الغرب وأصبح لها المكان الأثير في قلوب الجميع.
ولا تتوقف رحلة البهارات عند كتب التاريخ فقط، لكنه الآن جزء مهم ومشارك من المنظومة الصحية والدوائية في العالم، شاركت في العصر الحديث بقوة، ودخلت إلى مجال الصناعة، صحيح لم تعد قيمة البهارات المادية وأسعارها تقارن بالذهب كما كانت في القدم حسبما تقول كتب التاريخ التي وضعتها في منزلة المعدن النفيس كهدايا وطعام للملوك والسلاطين فقط، لكنها لا زالت تحتفظ بقيمتها كنكهات لا يمكن الاستغناء عنها وصيدليات طبيعية في كل بيت، وأن انخفضت أسعارها، وأصبحت في متناول الجميع وضمن طعامهم ولا تتوقف على الملوك فقط.
عمر كامل وسط البهارات
نعود مرة أخرى إلى الدوحة وتحديدا إلى «سوق واقف» لنتعرف على أنواع التوابل والبهارات به من خلال أبوالحسن الجعفري الذي يعمل في هذا المجال منذ 45 عاما من رحلة عمره البالغة 62 سنة «أعمل في مجال التوابل والبهارات منذ سنوات عديدة، ونشأت بينا علاقة وطيدة، أشعر بالرضا الكبير عن عملي هذا، وأعرف الكثير من أسراره»، وعن طبيعة الإقبال على بضائعه هنا في السوق القطرية وفي سوق واقف على سبيل التحديد يوضح لنا الجعفري أن «القهوة بأنواعها والهيل والبهارات المشكلة، فضلا عن الأعشاب العطرية المختلفة والمتعددة الاستخدامات، لها سوق كبيرة، كما يقبل المستهلكون على الخضراوات المجففة مثل ورق الحلبة والزعتر والشبت والبقدونس والجلجلان، وفضلا عن البخور والزعفران».
ولأن الإقبال الأكثر في السوق يكون على القهوة والهيل باعتبارهما أساس المشروب الشعبي الأول والأثير للضيافة العربية والقطرية سألنا الجعفري عن أفضل أنواع القهوة وأهمها، فيوضح أن «القهوة الكيني والهندي هي الأكثر مبيعا لكن اليمني هي أفضل الأنواع على الإطلاق إن وجدت، أما الهيل فالنوع الجيد منه هو القادم من جواتيمالا».
وقال: إنه برغم أن القهوة المطحونة موجودة في كل المتاجر وعليها إقبال غير قليل إلا أن الكثير من الأسر القطرية تفضل طحن وتجهيز القهوة في البيت.
وعن أسعار البن قال: «يصل الكيلو من البن الكيني إلى حوالي 40 ريالا واليمني 30 ريالا، أما الهندي فسعرها حوالي 25 ريالا، وبالنسبة للهيل، فكانت سعر الكيلو 130 ريالا للجواتيمالي، الآن نزل إلى 110 ريالات، للحبة الطويلة، وهي الأفضل وبداخلها حبوب كاملة، أما الهيل ذو الحبة الصغيرة فلا تكون بجودة الهيل كبير الحبة». ولا يستخدم الهيل في القهوة فقط والطعام ضمن البهارات المختلفة مطحونا أو بشكل صحيح خاصة في المرق، لكنه أيضا يدخل في صنع أنواع عديدة من الحلويات الخليجية والعربية، التي يعرفها المطبخ العربي.
سر الخلطة
ويعطينا خبير البهارات سر ونسب مجموعة التوابل التي تستخدم لإنتاج مجموعة البهارات (المكس) المطلوبة بشدة داخل السوق «نسوي داخل السوق مجموعة البهارات المشكلة التي تستخدم في غالبية الطعام القطري، وهذا البهار الذي نقوم بعمله داخل متجرنا هنا يتكون من 18 نوعا من التوابل المختلفة، فالكمية التي نصنعها تتكون من كيلو من الكمون، 3 كيلوجرامات من البهار الأسود، كيلو من الزنجبيل، نصف كيلو الشومر، 2 كيلو من الدرسين، والقرفة، والثوم، 7 كيلوجرامات من الكزبرة، 2 كيلو من الهيل، ربع كيلو من جوزة الطيب، ربع كيلو من الكمون الأسود، ونصف كيلو من المسمار، نصف كيلو النجمة، ونصف كيلو ينسون، 2 كيلو كركم، كيلو فلفل أحمر ونصف كيلو من الهيل الأخضر، ويتم خلطهم جميعا بنسب محددة وتطحن جميعا في ماكينات خاصة خارج السوق للحصول على النكهة المميزة التي نريدها، وكلها تنتج 25 كيلوجراما من البهار، ويباع الكيلو منها بـ35 ريالا».
وحسب الجعفري يوضع هذا البهار على الكبسة، البرياني، المكبوس، الدجاج، اللحم، ويصلح لكل أنواع الطعام، فهو يشمل 18 نوعا من البهارات التي تدخل في طهي كل أنواع الطعام.
من أين تأتون بالبهارات وعن البلدان التي يأتي منه الجعفري ببضاعته يقول «نأتي بالبهارات من بلدان عدة أهمها إيران والهند وباكستان، والأردن وسوريا، ومختلف البلدان، ولكل بلد سعر خاص بمنتجاته حسب نوعه وجودته».
وأوضح أن أسعار البهارات تتفاوت من فترة لأخرى طلوعا ونزولا حسب أسعار استيرادها من دولها، «والتاجر الذي يأتي بها هو من يحدد هذا السعر، وأنا كبائع تجزئة أزيد على كل كيلو ريال أو ريال ونصف، أو ريالين، كربح وأبيعها بهذا الثمن».
ويعود أبوالحسن ليستعرض لنا أنواع البهارات في متجره وأهمها الزعفران «أفضل أنواعه البوشالي (أبو شالي) وهو إيراني، وهناك نوع مشابه اسمه «أدمان» والكثير من الأسماء، وأغلى شيء هو البوشالي، العلبة 10 جرامات منه تباع بـ80 ريالاً، الجرام 8 بريالات، وهناك زعفران الجرام منه بـ4 ريالات».
زعفران الدوحة أصلي
سألنا البائع كيف يمكن للمشتري العادي التعرف على نوع الزعفران الجيد، فأوضح أن البائع الموثوق فيه هو أفضل من يدل الزبون على الزعفران الجيد، لأنه يعرف أنواعه جيدا بحكم الخبرة، أما المشتري فلا يمكنه بسهولة التعرف على أنواع الزعفران وجودتها، ولكن ماذا عن غش الزعفران الذي نسمع عنه أحيانا يقول: «بالطبع هناك غش كبير في هذا المجال، وهناك درجة ثانية تباع على أنها درجة أولى، لكن هنا في الدوحة لا يوجد غش ولا توجد أنواع مغشوشة منها، ربما في البلدان العربية الأخرى، لكنه لا يدخل قطر إلا الأنواع الجيدة فعلا منها».
أما البخور فهناك أنواع عدة منها «جاوي أحمر، جاوي أبيض، جاوي أسود، شبه، وهناك البخور المكس، وأنواع عديدة مختلفة، والقطريون يفضلون البخور الجاوي واللبان، وأيضاً الميكس عليه إقبال من كثيرين».
كنوز علي بابا
علي بابا «سوق واقف» ربما يكون الأحدث سنا في العمل في مجال البهارات مقارنة بغيره من التجار بالسوق، حيث دخل هذا المجال منذ ستة أعوام فقط، إلا أن علاقة سحرية ربطت بينه وبين هذه التجارة العبقة، ومغارته مملوءة هو الآخر بالجواهر المختلفة، لكنها هذه المرة ليست من الأحجار الكريمة، ولكن من أنواع البهارات المختلفة التي كانت في يوم ما من عمر البشرية أنفس من مجوهرات قصة «علي بابا والأربعين حرامي».
وفي جولة مع كنوز علي بابا سوق واقف يستعرض لنا البائع أحد بضائعه، وهي البهارات المسماة بـ «البحريني»، هي أهم خليط موجود في متجره، والذي يصنعه متجره بنفسه باعتبار هذا البهار «أكثر شيء يمشي في الدوحة»، ويوضح أنه يوضع على أكلات خاصة، سواء لسكان قطر أو للقادمين من خارجها الذين يقصدون أزقة البهارات بسوق واقف لشراء البهارات والخلطات المختلفة منها، حيث يحمل الكثيرون هذه البهارات إلى بلدان عربية كلبنان وسوريا والأردن بكميات كبيرة.
وأوضح أن «البذار البحريني» يتكون من 24 نوعا من البهارات المختلفة بنسب ومقادير محددة «وهذا الخليط هو صاحب الإقبال الأعلى من الزبائن، بعده يكون شراء البهارات كل نوع على حدة، كالكمون والبهار الأسود والمسمار والهيل وغيره»، موضحا أنه يحمل اسم «البحريني» لكنه يتم صنعه في الدوحة ولا علاقة له بمملكة البحرين سوى في الاسم.
وتعد الهند هي أكثر البلدان التي يحصل منها علي بابا على بضاعته، «فهي الأولى في العالم في زراعة وتصدير البهارات بأنواعها المختلفة، والكمون هو الأكثر طلبا، يليه الكزبرة الفلفل الحار، خاصة للهنود الذين يطلبون إلى جانبه التوابل الخاصة بالتندور والبرياني».
وعن كيفية شراء البهارات وتفضيلاتها بالنسبة للجنسيات المختلفة أوضح أن القطريين يفضلون شراء البهارات على شكل حبوب صحيحة، ويأخذونها للبيت حيث يتم غسلها وتحميصها ثم طحنها بالماكينة «تعرف السيدة القطرية تماما مقادير ومكونات الخلطات التي تريدها لأطعمتها المختلفة، أما الأجانب خاصة من العرب والهنود فيقبلون أكثر على المطحون».
الهيل أنواع
وأوضح أن الهيل يعد من البهارات ذات الإقبال العالي في السوق القطرية، وأفضل أنواعه الهيل القادم من أميركا الجنوبية (جواتيمالا) والهندي، وهما الأكثر رواجا، وتتراوح أسعاره من 100 ريال لرقم واحد، و90 ريالا للهيل رقم 2، و80 ريالا للهيل رقم 3.
أما القهوة فمنها الكولومبي، الهندي، والفيتنامي، والقهوة العربي، وهناك أنواع أخرى لكن لا توجد لدينا في المتجر.
«الزعفران» كذلك يعد من أنواع البهارات الأثيرة في البيت القطري، ويوضح علي بابا أن كل الأنواع الموجود في السوق القطرية جيدة للغاية، ودرجة أولى، وأرجع اختلاف أسعارها لاختلاف شركات التعبئة، ولفروق طفيفة للغاية بين الأنواع تبعا لاختلاف أنواعها، وقال: إن القطريين من كثرة استخدامهم لها يشترونها بالكيلو، فهناك من يطلب كيلو أو نصف أو ربع، والبعض يأتي من السعودية لشرائها نظرا لجودتها في السوق القطرية وعدم وجود أنواع مغشوشة منها. ويواصل علي بابا تعريفنا على باقي عطارته ومنها القرفة العيدان أو لحاء خشب القرفة، موضحا أنه أكثر طلبا من القرفة المطحونة، وقال: إنها تأتي من الصين وإندونيسيا «لكن القرفة الصيني عليها إقبال أكثر لأنها حارة أكثر وغنية بالطعم والرائحة عن غيرها».
الأعشاب كالزعتر والبابونج وغيرها تعد إضافة مهمة للطعام، ويأتي الزعتر من إيران، والبري أفضل أنواعه، سعر الكيلو منه حوالي 55 ريالا.