الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
05:01 ص بتوقيت الدوحة

عائلة خالد الحمر.. رحلة اصطياد التفوّق في «التغريبة البريطانية»

حسن المحمدي - علي العفيفي

الجمعة 16 أكتوبر 2020
الحمر: دور كبير للدولة في دعم المبتعثين

4 دكتوراة و4 جوائز تميّز علمي حصيلة الأبناء الذين اعتلوا منصات التتويج بجامعات بريطانية عريقة

الوالد: تفرّغت 19 عاماً من أجل تعليم أبنائي.. و«كراتشي البريطانية» قلّلت الشعور بالغربة

منافسة على الدكتوراة بين مريم وجاسم.. والأخير يحصد شهادتين في هندسة الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات في سنة واحدة

الأبناء يروون رحلة «السباق العائلي» نحو النجاح في كبرى الجامعات الإنجليزية

إذا أردت توصيف هذه العائلة فقل إنها ستكون علامة فارقة في دنيا التعليم والتفوق بالدولة، وإذا شئت الدقة فيمكنك القول إنها ستبقى نبراساً وطريق نور أمام الباحثين عن الارتقاء بأنفسهم، ومن ثَم المساهمة في نهضة الوطن.
إن التعليم هو أقصر طريق لنهضة الأمم، وهو ما آمنت به عائلة خالد جاسم الحمر، فكانت الحصيلة المشرّفة والمشرقة حصول أبناء الرجل على 4 شهادات دكتوراة و4 جوائز في التميّز العلمي، وخوض مشوار طويل انتهى بصعودهم جميعاً منصات التتويج بجامعات بريطانية عريقة.

منذ النسخة الأولى لجائرة التميز كان هذا الفريق من الأشقاء المتفوقين
حاضراً ضمن الفائزين عبر الابنة الكبرى مريم التي مهّدت الطريق للتحول الكبير في حياة العائلة، بالانتقال من قطر نحو بريطانيا من أجل التعليم.
«خطوة بخطوة» نهْج اتّبعه الوالد خالد الحمر -صاحب الـ 60 عاماً- في «الاستثمار في أولاده»، ورسم مستقبل جديد لهم، وهم: مريم وعائشة وناصر وجاسم وعلي وأحمد ويوسف، حينما قرر الانتقال إلى بريطانيا عام 2000، ليقضي 19 عاماً من عمره من أجل تعليم أبنائه، ليعود إلى قطر بعدما حصل نجله الصغير يوسف على شهادة الدكتوراة.
وسط مجلسه المزيّن بشهادات من جامعات بريطانية كبرى تنوّعت بين البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، وبصور فوتوغرافية لتكريمات ضمن جائزة التميز العلمي، استضافنا الوالد خالد الحمر في أول لقاءات «عائلة العرب» التي نهدف من خلالها إلى تسليط الأضواء على «عائلات» تستحق عن جدارة لقب «قدوة»، وتعكس حقيقة «قطر الجديدة»، بقعة الضوء المشعّة تعليماً وتطوراً في المنطقة والمحيط الإقليمي، ولتقدّم العائلة خبراتها إلى المجتمع، فنرى تكرار قصص نجاح شبيهة كلها تصبّ في صالح رقي ورفعة شأن الوطن.
يروي السيد خالد رحلته في تكريس سنوات طويلة من عمره للوقوف إلى جانب أبنائه في رحلتهم الدراسية، والصعوبات والتحديات التي واجهها، وكيف غرس شغف التفوق في أنفسهم.
البداية من «كراتشي» البريطانية!
بوجه بشوش، وبساطة في الأسلوب، يروي خالد جاسم الحمر -مواليد عام 1960- رحلته مع أولاده وبناته: «ابنتي مريم هي الأساس في تغيير مساري في الانتقال بتعليم الأبناء والبنات من قطر إلى بريطانيا في عام 2000، فقد كانت من المتميزات في الدفعة الأولى بمدرسة البيان العلمية، وحصلت على درجات كبيرة، واختارت الذهاب إلى المملكة المتحدة لاستكمال تعليمها، وكان ابني جاسم قد أنهى المرحلة الإعدادية، بينما كان يوسف صغيراً ولم يدخل المدرسة بعد».
لم يخطط الوالد -الذي التحق بالسلك العسكري في 1976- للانتقال إلى بريطانيا، ويوضح: «في لحظة من اللحظات وجدت نفسي على مفترق طرق، حيث كانت مريم أنهت الثانوية العامة، وآنذاك تم إلغاء مرافقة محرم مع المبتعثة، فآثرت الذهاب معها إلى بريطانيا، وقررت إكمال تعليم أبنائي هناك».

ينفعون ولا يضرون
وبحكمة وحرص، صار الوالد خالد رفيقاً لأبنائه، فكان يلازمهم إلى مدارسهم وجامعاتهم، ويتعرف على أصدقائهم ليتأكّد أنهم «ينفعون ولا يضرون»، كما كان حريصاً على إبعادهم عن السهر وقيادة السيارة حتى دخول الجامعة، ويحثّهم على الاهتمام بدراستهم ودعمهم، حتى أصبحوا يدركون أهمية ما هم فيه.
على غرار أهل السياسة فقد اتّبع الوالد سياسة «الخطوة خطوة» لإقناع باقي أبنائه باستكمال دراساتهم العليا من البكالوريوس إلى الماجستير إلى الدكتوراة، فالتشجيع على التفوق كان وسيلته إلى تذليل جميع العقبات وتوفير الإمكانيات، من أجل اجتياز كل مرحلة دراسية، فكان ينتقل من مدينة إلى أخرى للالتحاق بجامعة يرغبون في الدراسة بها.
يواصل: «كنت أحثّ أبنائي على أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، لذلك كنت أقول لابني ناصر أكمل دراستك فقط في الدبلوم من أجل الالتحاق بوزارة الداخلية، ثم بعدها أشجّعه على استكمال دراسته لعام آخر، وأستمر معهم بهذا الأسلوب حتى ينهوا دراساتهم العليا».
جميع الأبناء -بحسب الوالد- درسوا تخصصاً واحداً، وهو تكنولوجيا المعلومات، ما عدا مريم درست هندسة الاتصالات، وكانت الأولى على دفعتها، وتعمل حالياً مستشاراً في وزارة الخارجية، وأيضاً حصل يوسف وجاسم على الدكتوراة، وأحمد الماجستير، بينما ناصر وعلي بسبب عملهما في وزارة الداخلية لم يستطيعا إكمال دراساتهما العليا، لكن لديهما شغف التعلّم من جديد.
وعن الصعوبات التي واجهته، يحكي الأب أنها كانت موجودة في العام الأول حيث «لم تحصل ابنتي مريم على منحة للابتعاث إلى بريطانيا، وتكفّلت أنا بها وأيضاً تكاليف مدارس الأبناء»، ويستطرد: لكن بعد ذلك تلقوا جميعاً منح ابتعاث من الدولة لاستكمال تعليمهم، والأكثر من ذلك أن أبنائي مريم وجاسم ويوسف حصلوا على إعفاء من تكاليف الجامعة في إحدى السنوات نظراً لتفوقهم، وأرسلت لنا وزارة التعليم خطابات شكر، وأهدت تلك الأموال لهم كتكريم منها».

منافسة شريفة
كان الأبناء حريصين على دراستهم حتى أصبحت هناك «منافسة في السباق نحو العلم بين مريم وجاسم اللذين تُوّجا بجائزة التميز العلمي بعد حصولهما على شهادة الدكتوراة من جامعة لفبرا العريقة التي تعدّ من أكبر الجامعات، وتحتل المرتبة السادسة في بريطانيا».
يواصل الأب: «ابني جاسم كانت لديه رغبة في التفوق بمسيرته التعليمية، حيث نال من جامعته شهادتين، واحدة في الهندسة والأخرى في العلوم في العام نفسه، وقد حصل على جائزة التميز العلمي، بعدما نال الدكتوراة، وكذلك ابني يوسف الذي حصل على الدكتوراة، لكنه لم يرشّح نفسه إلى جائزة التميز».
لم يُهمل الوالد الجانب الترفيهي في حياة أبنائه، إلى جانب الاهتمام بالتعليم؛ إذ كان حريصاً بشكل شبه يومي على اصطحابهم إلى جولات في أنحاء بريطانيا بين المدن القديمة والحديثة للتعرّف على تاريخها.
«المشوار كان صعباً، لكن الاستثمار في الأبناء مهم جداً، وكان هناك كثير من الآباء يريدون تكرار تجربتي، وبالفعل سهّلت لهم الأمور في بريطانيا من أجل تعليم أبنائهم، لكن بعد 6 أشهر تركوا أولادهم وعادوا إلى قطر حتى الذين تقاعدوا من أجل التواجد مع أبنائهم في بريطانيا لم يستطيعوا الاستمرار، مما أدى إلى خسارتهم وظيفتهم وخسارة فرصة أفضل لتعليم أبنائهم».
هكذا يلخّص الحمر رحلة «التغريبة البريطانية» التي امتدت سنوات طويلة، لكنه يؤكد أنه لم يشعر بالغربة طيلة هذه السنوات التي قضاها مع أبنائه خلال رحلتهم الدراسية، خاصة أنه اعتاد على السفر منذ عام 1976 بعد حصوله على منحة عسكرية للدراسة في فرنسا، كم أنه كان على معرفة سابقة بأعضاء هيئة التدريس في جامعة برادفورد.
ويصف السيد الحمر المنطقة التي عاش بها في مدينة برادفورد بأنها شبيهة بمدينة كراتشي؛ إذ كان أغلب الجيران من الباكستانيين: «لقد كانت جيرتهم رائعة، فلم نرَ ما يخدش الحياء، حيث كان مجتمعاً محافظاً، كما أنه خلال شهر رمضان كنا نشعر بأجواء قطرية مصرية من الزينة والفوانيس».
عند هذا الحد انتهت عائلة الحمر من رواية حكايتها في دنيا «العلم والنور»، لكن المؤكد أن هناك الكثير من حكايات عائلات أخرى، ستحلّ ضيفة علينا تباعاً في «عائلة العرب».

الابن الأكبر: آلام الظهر سبب دراستي بجامعة برادفورد

عندما سافر الوالد خالد الحمر وباقي الأولاد، ظل الابن الأكبر ناصر في الدوحة على رأس عمله بوزارة الداخلية التي التحق بها بعد الانتهاء من مرحلة الثانوية، وحرص على استكمال دراسته من خلال بعثة كمرشح ضابط في كلية دبي، ولكن لم يحظَ بفرصته بسبب مشاكل صحية في الظهر.
يقول ناصر: «بعدها حاولت التقديم في جامعة قطر أو كلية شمال الأطلسي التي فتحت أبوابها آنذاك في 2002، لكن الوالد طلب مني الذهاب إلى بريطانيا لإجراء الفحوصات الطبية للاطمئنان على مشاكل الظهر، ونصحني بالاستقالة من وظيفتي، وإكمال دراستي في بريطانيا، وبالفعل درست في جامعة برادفورد، وحصلت على بكالوريوس في تخصص تكنولوجيا المعلومات، وبعدها عدت إلى عملي في وزارة الداخلية لسمعتي الطيبة هناك».
وعن دور الأسرة، أكد أن «الوالد والوالدة كان لهما دور كبير، حيث كانا يحثان إخوتي على التفوق وليس النجاح، وكان هناك تحدٍّ كبير وهو التفوق والتنافس على المراكز الأولى»، ويستكمل: «الوالد كان حريصاً على متابعتنا مع مدير المدرسة أو الجامعة، والتأكد من مرافقتنا للأصدقاء الجيدين الذين يفيدون ولا يضرون».

علي: أسعى لاستكمال دراساتي العليا في جامعة أبردين
السعي نحو التعلم ما زال عالقاً في أذهان الابن علي -30 عاماً- الذي يعمل على استكمال دراساته العليا بالتوازي مع وظيفته في وزارة الداخلية.
ويروي علي رحلته هو الآخر إلى بريطانيا: «أنهيت الصف السادس في الدوحة، وانتقلت مع الوالد إلى حيث إخوتي في أوروبا، حيث بدأت المرحلة الإعدادية هناك، ومعها واجهت صعوبة في التحدث باللغة الإنجليزية، وقامت المدرسة بتطويرنا في هذا الجانب».
وبعد انتهاء المرحلتين الإعدادية والثانوية -يتابع علي- حصلت على منحة دراسية من وزارة التعليم العالي للدراسة في جامعة برادفورد البريطانية، ولكن بعد سنة قطعت دراستي، بعد الحصول على منحة من وزارة الداخلية، ورجعت إلى الدوحة بالفعل وتزوّجت، وبعد 6 أشهر من عودتي تم ابتعاثي إلى بريطانيا مجدداً، وهذه المرة أنا وزوجتي، وحصلت على بكالوريوس في تكنولوجيا المعلومات من جامعة برادفورد، وتقدّمت أكثر من مرة لاستكمال الدراسة في الماجستير، لكن لم أحصل على موافقة عليه.
ويضيف: «ما زلت أفكر في إكمال الدراسات العليا في جامعة أبردين بالدوحة مع صديق لي».

قصة جاسم.. والدراسة في جامعتين في آن واحد
بشهادة الوالد والإخوة، امتلأت حياة جاسم -البالغ من العمر 35 عاماً- بالعزيمة والسعي الدؤوب نحو التفوق، وتوّج هذا الإصرار بشهادة الدكتوراة من جامعة لفبرا، والتكريم بجائزة التميز العلمي مرتين.
ويتحدث جاسم عن دراسته في بريطانيا التي بدأها من المرحلة الثانوية: «بعد الانتهاء من تلك المرحلة التعليمية رغبت في دراسة برمجة التطبيقات في جامعة برادفورد، وأثناء الدراسة حصلت على فرصة للدراسة في جامعة أخرى بتخصص هندسة الكمبيوتر، وكنت أدرس بالجامعتين في آن واحد».
وبعدها -يضيف جاسم- أكملت دراسة الماجستير في هندسة الشبكات في تخصص «أمن الشبكات» من جامعة لفبرا، بعدها واصلت دراستي في شهادة الدكتوراة حول الحكومة الإلكترونية في تخصص «التسويق الإلكتروني»، وخلال 3 سنوات حصلت على الدكتوراة، وبعدها عدت إلى قطر.
ورأى أن الانتقال من قطر إلى بريطانيا كان «تحدياً كبيراً لي، واستمتعت به كثيراً من حيث نمط الحياة والدراسة، حيث كانت الجامعة تتعامل مع الطالب على أنه شخصية كبيرة ومسؤولة، فقد كانوا يزرعون في داخل الطلاب أنهم جاءوا إلى الجامعة باختيارهم، وأننا لسنا مجبرين على الدراسة، الأمر الذي جعل الاستمرار في التعليم الجامعي قرارك الشخصي، وتحوّل إلى تحدٍّ لدراسة التخصص الذي أرغب فيه».
ويرغب جاسم في تطبيق النظام التعليمي في بريطانيا بشكل أكبر في قطر، بأن يكون الطالب غير مجبر على الدراسة والحضور أو الذهاب للمحاضرة بقراره الشخصي. واعتبر أن التعليم في الدولة بدأ يسير في مواكبة النظام التعليمي في الخارج، وأنه يلمس ذلك في تعليم أولاده.
افتقد جاسم أشياء كثيرة عند انتقاله إلى بريطانيا، يوضح: «خسرت أصدقائي القدامى في قطر بسبب سفري، وبعد عودتي للدوحة لم تعد تربطني بهم الصداقة القوية التي كانت في الماضي»، ثم يستطرد: لكن لديّ الكثير من الأصدقاء من مختلف الجنسيات في بريطانيا، وهي ميزة غير موجودة هنا في قطر».
ويرى أن أكثر الفوائد من تجربته الدراسية، تتمثل في اكتسابه شخصية أكثر نظامية، ومعرفة واسعة بثقافات وعادات وتقاليد مختلفة، لم يكن ليعلم عنها شيئاً إذا استمرت دراسته في الدوحة.

يوسف.. أصغر قطري حاصل على الدكتوراة

لم يكن الابن الأصغر يوسف (25 عاماً) يعلم أن حياته ستتحوّل إلى سباق في مضمار العلم مع إخوته من أجل التفوق وحصد أعلى الشهادات، فقد بذل والده جهداً كبيراً ليكون من المتفوقين، ولم تخب جهوده في ذلك، فقد حصل ابنه على شهادة الدكتوراة في تخصص الجرائم الإلكترونية في عمر الـ 24 عاماً، ليصبح أصغر قطري ينال تلك المرتبة العلمية.
ويحكي يوسف بداية رحلته الدراسية: «ذهبت إلى بريطانيا في الخامسة من عمري، وقتها دخلت المرحلة الابتدائية حتى أنهيت المرحلة الثانوية في عمر 15 سنة؛ إذ إنني دمجت عدة سنوات دراسية في عام واحد، وتمت الموافقة على قبولي في الجامعة في هذا السن».
أكمل يوسف دراسته في جامعة برادفورد، وحصل على بكالوريوس تكنولوجيا المعلومات، بعدها أكمل الماجستير في جامعة لفبرا، ثم أنهى الدكتوراة في تخصص الجرائم الإلكترونية في جامعة ليفربول، ليكون -كما سبق وأوضح- أصغر قطري يحصل على الدكتوراة، وحول اختياره هذا التخصص، يقول: «تخصص إخوتي في مجال تكنولوجيا المعلومات دفعني للاقتداء بهم، وزاد شغفي تجاه الجرائم الإلكترونية بعد الاختراقات لوكالة الأنباء القطرية وجريدة العرب».
يوسف كان يحلم بالانضمام إلى الكلية العسكرية في الدوحة بعد انتهاء دراسته المدرسية في 2011، وهنا يضيف: «بالفعل قدمت أوراقي لكن الوالد نصحني بإكمال دراستي في بريطانيا مع إخوتي، واقتنعت بوجهة نظره، وبدأ بعدها والدي يدفعني خطوة خطوة نحو الاستمرار في الدراسات العليا».
وعن طموحاته، فإنه يسعى حالياً لاستكمال دراسته في مرحلة ما بعد الدكتوراة، والعمل على الأبحاث، وليس التدريس بالجامعات، إضافة إلى الحصول على وظيفة.
 

_
_
  • الظهر

    11:18 ص
...