الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
04:34 ص بتوقيت الدوحة

الزواج المبكر.. بين القبول والرفض

منال عباس

الجمعة 16 أكتوبر 2020

زواج الفتاة في عمر مبكر ظاهرة ما زالت تثير الجدل في المجتمع بين مؤيد ومعارض للفكرة بين الأسر والعائلات، وفي الوقت الذي يشهد مجتمعنا فيه تزايداً في حالات زواج الفتيات دون سن العشرين، يعتقد البعض أنه من الأفضل أن تتزوج الفتاة بعد هذا السن في ظل المسؤوليات الكبيرة التي تنتظرها، وأن الزواج المبكر قد يعيق الزوجة عن إكمال دراستها، وبالتالي لا تساعدها الظروف على فهم متطلبات الحياة الزوجية ومسوؤليات الأسرة.
وتعكس إحصائيات جهاز التخطيط والإحصاء لعام 2019 -على سبيل المثال- تقبلاً في المجتمع لزواج البنات في سن مبكر، وبالأرقام فقد بلغت عقود الزواج حسب حالة الزوجة وفئة عمرها 377 عقداً تحت سن العشرين، كما تظهر الإحصائيات انخفاضاً في حالات الطلاق وسط هذه الفئة العمرية، التي لم تتجاوز 31 حالة حسب شهادات الطلاق التي صدرت العام الماضي، وبينت مدة الحياة الزواجية وفئة عمر الزوجة لجميع الجنسيات.
وترصد «العرب» في هذا التحقيق آراء عدد من المواطنات والمختصين حول هذه الظاهرة.

«ليس هناك سن محدد للزواج»، هذا ما تراه الإعلامية منيرة البلوشي، وتقول: في ظل متغيرات العصر الحالي فمن الأفضل أن تتزوج الفتاة بعد إنهاء دراستها، سواء كانت الثانوية أو الجامعية، وذلك لضمان قدرتها على الدخول في هذه التجربة المهمة في حياتها وامتلاكها المهارات التي تعينها على الحياة الزوجية ومسؤولياتها.
وتضيف: وجهات نظر الفتيات والأسر تختلف حول سن الزواج، فمنها من تفضل أن يتم زواج الفتاة بعد الدراسة الثانوية، بينما يرى آخرون أن تتزوج الفتاة بعد إكمال الحياة الجامعية، بل وبعد الانخراط في الحياة العملية.
تنوّه منيرة البلوشي بأن هناك تحديات كبيرة تواجه الزواج، من بينها المادية، ونظرة الفتاة تجاه الزواج.
وأشارت إلى المشاريع التي ينفذها مركز «وفاق» لتأهيل المقبلين على الزواج، وتوعيتهم بأن هذه العلاقة المقدسة ليست مجرد عقد بين الزوجين، أو احتفالات وأفراح، بل مسؤولية لبناء كيان أسري يُعتمد عليه كأساس لأجيال المستقبل، كما تعزز هذه البرامج المفاهيم التي تحارب الوصول لمرحلة الطلاق الذي ترتفع نسبته في المجتمع، بسبب المفاهيم المغلوطة حول مؤسسة الزواج في هذا العصر الذي يشهد تأخّراً في سن الزواج، على عكس ما كان يحدث في الماضي.
 وشددت البلوشي على أهمية توفر الثقافة الاجتماعية والأسرية، لتلافي أية انعكاسات سلبية تحدث في حال الزواج المبكر للفتيات الذي يواجه تحديات، تتمثل في عدم فهم طبيعة الحياة بعد الزواج، وبالتالي فمن الأفضل أن تتقدم الفتاة في العمر قليلاً لتكون أكثر وعياً واستعداداً للدخول في المؤسسة الزواجية.
 
مخاطر مستقبلية
من جانبها، تقف فاطمة البحراني بحزم ضد الزواج تحت سن العشرين، «وذلك لما له من مخاطر مستقبلية»، وأشارت إلى تغيير العصر الذي تبعه تغيير كثير من المفاهيم بالقول: في الماضي كانت الفتاة تتزوج في سن صغير جداً بحكم العادات والتقاليد، كما لم تكن لها اهتمامات للعمل، أو الوصول لأعلى مستويات التعليم، على عكس ما يحدث حالياً من تغييرات جعلت للفتاة طموحات واسعة تحتم عليها عدم التفكير في الزواج في وقت مبكر، بينما تركز على إكمال تعليمها، والالتحاق بالعمل من أجل تحقيق طموحاتها.
وعن تجربتها، قالت فاطمة البحراني: لقد تزوجت في عمر 23 سنة، بعد أن أكملت دراستي الجامعية، وكنت أرفض إكمال زواجي قبل إنهاء دراستي.
وأشارت إلى أن معظم الفتيات حالياً يرغبن في إكمال دراستهن قبل الزواج، على أن تواصل بعد الزواج إنجاز خططها المستقبلية الأخرى، ومنهن من يشترطن قبل الزواج موافقة الزوج للاستمرار في العمل والدراسات العليا.
وترى أن فتيات هذا الزمن من الصعب عليهن تحمل المسؤولية، وبعضهن من يعتبر الزواج «فستاناً أبيض» ومهرجاناً، دون التفكير لما بعد هذه المرحلة، وشددت على أهمية اتفاق الزوجين على جميع النقاط قبل الزواج، بما في ذلك موضوع الإنجاب، وقالت البحراني: إن الزواج في عمر مبكر في هذا الزمن صعب جداً.

 تحقيق الأحلام 
«القرار في البداية كان صعباً بالنسبة لي ولوالدتي التي كانت ترفض بشدة زواجي المبكر إلا أن والدي كان مصراً على إتمام الزواج من منطلق «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».. وبالفعل فقد تم الزواج على أمل إكمال دراستي، إلا أن ظروف الحمل والولادة منعتني من تحقيق حلمي».. هكذا لخصت مريم عبداللطيف، وهي أم لطفلين تجربة زواجها في عمر 19 سنة.
وأضافت أنه في سنة أولى زواج نشبت كثير من الخلافات بينها وبين زوجها، بسبب رغبتها في مواصلة تعليمها، لكنها سرعان ما استسلمت للواقع بعد الدخول في مرحلة جديدة من حياتها، حيث كان حملها الأول.


الاستشارية النفسية د. ميرفت سعيد: 10 أسباب تؤدي إلى طلاق الفتيات الصغيرات 

رصدت الدكتورة مرفت سعيد استشاري نفسي وأسري بمركز «وفاق» الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق بين فئة المتزوجات تحت سن العشرين، والتي تختلف حسب إفادتها من مجتمع إلى آخر.
 وأوضحت لـ «العرب» أن العمر عامل مهم في الزواج، فإذا كان فارق السن متقارباً قد يؤدي إلى وقوف الزوجين في الخلاف على صغائر الأمور، على عكس إذا كان فارق السن أكبر، بالإضافة إلى الخبرة لدى الزوجين. وشددت على أهمية تراكم التجارب الحياتية والتي تكفل للشخص الإدراك الواعي لمقتضيات الظروف، ومستوى الذكاء الذي يمثل متغيراً مهماً للزوجين، باعتبار أن إدراك كل منهما لهذا العامل مهم في التوافق الزوجي، ونوهت إلى أن طبيعة عمل الزوجين تعتبر من الأسباب أيضاً، بالإضافة إلى مستوى الدخل بالنسبة للزوجة، موضحة أن المستوى الاقتصادي لها قبل الزواج قد يشكّل لها عائقاً بعد الزواج؛ نظراً لتلبية احتياجات تكون بالنسبة لها ضرورية وبالنسبة للزوج فهي كماليات.
وأضافت د. ميرفت: من أسباب الطلاق المبكر سوء الاختيار، والزواج القائم على الشكل الخارجي والبعيد كل البعد عن الأخلاق والدين نهايته إلى الفشل، وبمعنى آخر تبدلت أسس اختيار الشريك في هذا الوقت، وأصبحت أسس هشة جداً، وأصبح يتم النظر إلى الشكل أو المستوى المادي والاجتماعي فقط، وهذه أسس واهية جداً في الاختيار.
 وأشارت إلى أن العلاقة مع الأصدقاء في مقتبل العمر هي علاقة مهمة ومرتبطة بالمراحل العمرية، فرؤيتهم والتقابل معهم ضرورة لديهم، وعند الزواج لا بد أن تتغير الأولويات، فالبيت من الأولويات وتتأخر أولوية الأصدقاء ولكن لا تستبدل، ومن يحكم جميع ما سبق هو نضج الطرفين.
 واعتبرت أن علاقة الأصدقاء مهمة شريطة أن تكون في مكانها الصحيح بإعطاء كل ذي حق حقه بدون الإخلال بأولوية أحدهما على الآخر، فضلاً عن الخبرات السلبية السابقة، والمقصود بها تلقي الطرفين خبرات عن الزواج أو الطلاق شكّلت لديه معتقدات وأفكاراً غير عقلانية، وبالتالي التعجيل بالطلاق .
ونوهت بطبيعة العلاقة مع الأهل، والتي تعد من الأسباب الرئيسية للطلاق المبكر، وترى أن تدخل الأهل عند حدوث خلاف بين الزوجين قد يضخم الخلافات، حيث كل طرف يقف ويساند الطرف الذي يخصه، وبالتالي يحدث التعسف وعدم التنازل.
 وقالت: ما نحث به الأسرة على الوقوف مع الأبناء، لا سيما في السنة الأولى من الزواج؛ لأنَّها بمثابة سنة التكيف للزواج.
 وتحدثت الدكتورة ميرفت عن مستوى التدين، موضحة أن جهل بعض الشباب بحكمة الخالق من تشريع الزواج والطلاق جعلهم يفرطون في الأخذ بما ورد في باب الطلاق، بالإضافة إلى أن العادات الشخصية والتنشئة الأسرية تعني ممارسات وعادات كان يقوم بها الطرفان قبل الزواج، واستمرا بها بعد الزواج أيضاً من الإشكاليات التي نلاحظها في الأزواج المطلقين في السنة الأولى طريقة التنشئة التي عاشوها في بيوتهم، حيث إنَّ كثيراً منهم يملك صفة اللامبالاة والإهمال والاتكالية، وعدم تقديس الحياة الزوجية، والتوقعات من الزواج تكون مرتفعة، ويُصدَم الطرفان بالواقع، وفي الغالب أغلب الفتيات يتأثرن بالصورة الإعلامية المثالية. ونوهت بخطورة الشريك الثالث الذي تتمثل في علاقة الزوجين بالإنترنت، الذي أصبح من المشاكل المصاحبة للطلاق؛ لأنه معه ظهرت الخيانات والشكوك والتجسس والتمسك الشديد بالخصوصية؛ لرغبة كل واحد بالانفراد بالشريك الثالث «الإنترنت»، فضلاً على ما يقدمه الإنترنت من أفكار وآراء تؤثر على أفكار ومعتقدات هؤلاء الشباب.
وحول العمر المناسب للزواج في ظل المتغيّرات التي يشهدها العصر، ترى الدكتورة مرفت سعيد أن السن المناسب للزواج يتحدد بناء على النضج في كل من العناصر السابقة، وأن هذا النضج يسمح لكل طرف بفهم واعتبار ظروف الطرف الآخر، ويتكيف معها، فالزواج ليس فرض إرادة، ولكن تكامل بين الإرادات المختلفة .
 وتابعت: إذا أدركنا هذا الفهم والوعي لن نجد سبيلاً لوجود هذه المشكلات أو حتى تفاعلها مع بعضها البعض، وبالتالي البعد عن شبح الطلاق المبكر، ونحمي فتياتنا وشبابنا من سوء التوافق الأسري بشكل عام.

نورة المناعي: أشجع الزواج المبكر 
« رائع جداً».. بهذا التعبير وصفت الاستشارية الأسرية نورة المناعي، الزواج المبكر، واستطردت: لكن هذا الوصف مرتبط باكتمال الظروف وضمانات نجاح التجربة.
 وترى أنه ليس هناك مشكلة، ويمكن للفتاة إكمال دراستها الجامعية بعد الزواج باتفاق مسبق مع الزوج، وأوضحت أن الفتاة منذ عمر الـ 12 سنة أصبحت مكلفة وقابلة للزواج، ويكون لديها الاستعداد للإنجاب في عمر الـ 13-14 سنة .
 وأضافت لـ «العرب» أن للفتاة نضجاً اجتماعياً أكثر من الشاب في العمر نفسه من حيث الانضباط والسلوكيات والعقلانية والانتماء للعائلة والقرب من الأم، الأمر الذي يساعد في تأهيلها للزواج، وبالتالي تعتقد أنه لا مانع من الزواج المبكر، منوهة بتجارب الأمهات والجدات الناجحة في الزواج المبكر، سيما وأن سنوات الإخصاب ستكون أطول.
 ومن خلال الخبرة في مجال الإرشاد الأسري، تشجّع نورة المناعي الزواج المبكر وفقاً للضوابط والتفاهمات التي يجب أن يتفق عليها الطرفان.

«وفاق»: السن القانوني للزواج في الدولة 18 سنة
تؤكد أسماء الأنصاري الاختصاصية الاجتماعية بمركز الاستشارات العائلية «وفاق» لـ «العرب» أن المركز يقدم إرشاداً وتوعية لكافة فئات المتزوجين (سن الثامنة عشر فما فوق)؛ لأن الحياة الزوجية تتطلب فهم الزوجين أسس الزواج، منوهة بأن هذه الأسس والمهارات ثابتة لجميع المتزوجين في مختلف الأعمار.
 وأضافت أن مركز «وفاق» يوفر خدمات توعوية عن متطلبات الحياة الزوجية لعملاء المركز وللمجتمع، من خلال جلسات إرشادية فردية يطلبها العملاء، سواء كانوا مقبلين على الزواج أو حديثي الزواج، والتوعية المجتمعية التي تتمثل في تقديم ورش ومحاضرات حول أسس اختيار شريك الحياة.
وأشارت إلى برنامج المقبلين على الزواج الذي يقدم مرتين في السنة لعاقدي القران، ويشمل محاور متعددة المجالات في الحياة الزوجية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والصحية والشرعية، وبرنامج حديثي الزواج، فضلاً عن المشاركة المجتمعية مع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة.
وحول الحالات التي ترد للمركز لمتزوجات تحت سن العشرين، أوضحت أسماء الأنصاري أن السن القانوني للزواج في الدولة 18 سنة، وبالتالي فمن الطبيعي أن ترد للمركز حالات لمتزوجات تحت العشرين فما فوق، لافتة إلى أن مركز «وفاق» يستقبل ويقدم خدماته لجميع الحالات الزواجية، ولكافة فئات المجتمع.
 وأوضحت أن هذه الحالات جميعها تندرج تحت فئتين الأولى تحتاج إلى خدمات إرشادية لتفهّم العلاقة الزوجية، وكيفية احتواء الخلافات، والتعرف على المهارات التي يحتاجونها في التعامل (مثل عاقدي القران قبل الزواج أو حديثي الزواج)، أما الفئة الثانية فهي التي تعاني من بعض تحديات الحياة الزوجية، وقد يكون أحد الأسباب هو عدم وعي الأهل بضرورة توعية أبنائها للحياة الزوجية المقبلين عليها، ومدى تحملهم المسؤولية.


مريم المالكي: النضج العقلي والعاطفي أساس نجاح الزواج
السيدة مريم المالكي -المستشار الاجتماعي بمركز الحماية والتأهيل الاجتماعي «أمان»- تشير بداية إلى أن الأسرة مؤسسة اجتماعية متكاملة تقوم على مبدأ التكافؤ بين الزوجين، مما يتطلب ذلك أن يكون هناك توافقاً فيما بينهم في الأبعاد الاجتماعية والثقافية والأسرية والاقتصادية أيضاً.
وقالت المالكي لـ «العرب»: لا شك أن السن المناسب للزواج هو بداية العشرين، ولكن لا يعني أن الزواج قبل هذا العمر يُكتَب له الفشل دائماً، والأسس التي تحكم الزواج وتعتمد على مدى نضج الطرفين؛ النضج العقلي والعاطفي.
وأضافت: يمكن القول إن السن المناسب للزواج هو الذي تتوازن فيه العناصر الداخلية والخارجية بين الطرفين ليتحقق النجاح .
ونوهت بأن الفشل في الزواج قد لا يكون فقط بسبب السن، ولكن هناك عوامل أخرى تحكم هذه العلاقة، من بينها قلة الخبرة لكل منهما، والمسؤولية المبكرة وعدم تهيئتهما لذلك، وعدم النضج أو الاستقرار العاطفي بين الزوجين، كما أن العوامل الخارجية الأخرى لها تأثير على الاستقرار الأسري؛ منها التدخلات المباشرة وغير المباشرة لأسرة الزوجين، والانفتاح الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي.
 

_
_
  • الظهر

    11:18 ص
...