يفضح جرائمهم وكُرّم في «البندقية».. «نازا» فيلم يؤرق مضاجع الاحتلال الإسرائيلي

alarab
المزيد 16 سبتمبر 2026 , 01:23ص
محمد عابد

يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي يستطيع أن يحتمل كثيراً من الأشياء، إلا أن تنظر إليه الكاميرا طويلاً. فحين يكون النقد قادماً من الخارج يمكن مهاجمته باعتباره دعاية معادية، أما حين يأتي من مخرجين إسرائيليين، وبشهادات من داخل المؤسسة العسكرية، ويفوز بجائزة في مهرجان البندقية، فالمشهد يصبح أكثر إزعاجاً للاحتلال ويؤرق مضاجعهم.
هذا ما حدث مع الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا»، للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل تسور، الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، بعد عرض حظي باستقبال دولي لافت وبتصفيق لمدة 25 دقيقة متواصلة ليفوق فيلم هند رجب الذي صفق له مدة 24 دقيقة.  لكن الفيلم قوبل بهجوم شرس في إسرائيل حيث لا مجال للشعارات المرفوعة دائما بأن حرية الإبداع متاحة حسب السردية الإسرائيلية، لكن الحقيقة غير ذلك عندما تنقد سلطة الاحتلال وجيشها من الداخل. 
الفيلم، الذي استغرق إنجازه نحو ثلاثة أعوام، يستند إلى مقابلات مع 24 جندياً وضابطاً إسرائيلياً في الجيش وأجهزة الاستخبارات، تحدثوا مع إخفاء هوياتهم عن آليات الاستهداف والقصف في غزة واستخدام أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويقدم الفيلم رواية تقول إن قتل المدنيين لم يكن دائماً نتيجة جانبية غير مقصودة، وإنما ارتبط، وفق شهادات المصادر، بمنظومة أوسع لاتخاذ قرارات القصف. وينفي الجيش الإسرائيلي هذه الاتهامات، ويشكك في هوية المصادر وإمكان التحقق من شهاداتها، كما يرفض اتهام إسرائيل باستهداف المدنيين عمداً.
حتى هنا يمكن أن يكون الأمر مجرد خلاف سياسي وفني حول فيلم وثائقي. لكن وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار قرر أن يجعل القصة أكثر إثارة. فقد دعا إلى التحقيق في كيفية حصول المخرجين على المواد السرية، وطرح احتمال أن يكون نشرها قد شكّل «مساعدة للعدو» في زمن الحرب، كما دعا إلى سحب جنسيتهما، واصفاً ما فعلاه بالخيانة.
أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فوصف الفيلم بأنه «تحريض صادم»، وربط ظهوره بما سماه التحريض المعادي للسامية، معتبراً أن صدور مثل هذا الخطاب من مواطنين إسرائيليين أمر لا يمكن التسامح معه.
وهنا تبدو المفارقة واضحة: الفيلم لم يُحاكم أولاً على مستواه الفني، ولا حتى على صحة كل ما يورده، بل أصبح مخرجاه هما القضية. كأن المشكلة ليست في الرد على الفيلم، وإنما في أن صاحبيه تجرآ على صناعة فيلم يضع الرواية الرسمية تحت الاختبار.
«جنين.. جنين»
وليست هذه المواجهة لفيلم «نازا» سابقة وحيدة؛ فقد واجه فيلم «جنين، جنين» للمخرج الفلسطيني الإسرائيلي محمد بكري معركة طويلة مع سلطات الاحتلال بسبب تناوله الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين عام 2002. مُنع الفيلم من العرض، قبل أن تلغي المحكمة العليا لدى الاحتلال الحظر في مرحلة سابقة، في واحدة من أبرز قضايا الصراع بين الرقابة وحرية التعبير. ثم جاء «لا أرض أخرى»، الذي شارك في إخراجه أبراهام نفسه، وفاز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025. ليهاجمه زوهار، معتبراً أن الفيلم يصور إسرائيل بوصفها دولة محتلة وعنيفة، ودعا إلى عدم توفير منصات حكومية لعرضه.
أما فيلم «البحر»، الذي يتناول قصة طفل فلسطيني يحاول الوصول إلى البحر، فقد تحول بدوره إلى مواجهة سياسية بعدما فاز بجائزة «أوفير» الإسرائيلية، وأصبح ممثل إسرائيل في سباق الأوسكار. ورد زوهار بإعلان سحب التمويل الحكومي من جوائز «أوفير»، متهماً الفيلم بتقديم صورة مسيئة للجنود وبطرح رسالة مؤيدة للفلسطينيين.
هذه الحدث تغيب عنه أصوات دعاة الحريات عندما يكشف فيلم سوءتهم فتغيب الحريات والحقوق لصناعه حتى وإن كانوا يقدمون سردية من وجهة نظرهم قد تكون غير مكتملة ولا تعرض الحقيقة كاملة لأن الحقيقة كاملة شاهدها العالم عبر الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي.
إننا هنا لا يهمنا أن يكون في إسرائيل حرية أو لا، لكن الأحداث تكشف الأكاذيب المتوالية في السردية الإسرائيلية بداية من الداخل فكيف يثق العالم في سرديتهم حيال الفلسطينيين، وأطفالهم، ونسائهم، ومؤسساتهم التعليمية، والثقافية. وآخر ذلك ما أبرزه مؤتمر» الطفولة الفلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي.. رصد الانتهاكات التعليمية والثقافية وتعزيز آليات الحماية والصمود»، الذي أقامته على مدى يومين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «ألكسو» واختتم أمس الثلاثاء في تونس، بالشراكة مع اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم. حيث أكد أمجد برهم وزير التربية والتعليم العالي الفلسطيني، تعرض أكثر من 90% من مدارس قطاع غزة للهدم، واستشهاد نحو 20 ألفًا من طلبة المدارس والجامعات، ونزوح أكثر من 23 ألف تلميذ وتلميذة و4500 طالب وطالبة خارج القطاع، هذا قطاع واحد فقط فما بالنا بالصحة وكافة القطاعات.
 لقد قوبل الفيلم الإسرائيلي «نازا» بترحيب واسع في الأوساط الثقافية العربية، لكن برزت أصوات تعترض على ما يكشفه الفيلم بقدر ما تطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: لماذا تحتاج الرواية الفلسطينية، بعد كل ما قدمته من شهادات وصور وأفلام، إلى ختم إسرائيلي حتى تصبح أكثر قابلية للتصديق؟!
والحق أننا لسنا بحاجة إلى ما هو معلوم بالضرورة وموثق عالميا في كل مكان لكن عندما تكون الشهادات من صانعي أفلام إسرائيليين ومن جنود جيش الاحتلال، تكون الأهمية في دعم السردية الفلسطينية والعربية عالميا لإبراز الوجه الدموي القبيح للاحتلال الإسرائيلي.