

الحيرة ليست ضعفًا بل بداية لاكتشاف المسار المناسب
القرار المهني الناجح يوازن بين الشغف وسوق العمل
اختيار التخصص يبدأ بالحوار لا بالضغط
ندعو الأسر إلى تحويل الحيرة لحوار مثمر لـ «اختيار التخصص»
أكد السيد حمد علي البدر، أخصائي أول التطوير المهني بمركز قطر للتطوير المهني، أن اختيار التخصص الجامعي لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر ضغط على الأبناء، بل إلى رحلة حوار واستكشاف يقودها الوالدان بهدوء ووعي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الطلبة لا يفتقرون إلى الطموح بقدر حاجتهم إلى معلومات أوضح، وتجارب عملية، ومساحة آمنة تساعدهم على فهم اهتماماتهم وقدراتهم قبل اتخاذ القرار. وأوضح، في حوار مع «العرب»، أن دور الأسرة لا يتمثل في اختيار التخصص نيابة عن الأبناء، وإنما في مساعدتهم على تحويل الحيرة إلى خطوات منظمة، من خلال طرح الأسئلة الصحيحة، والابتعاد عن المقارنات والضغوط، وتحقيق التوازن بين الشغف والقدرات واحتياجات سوق العمل. كما شدد على أهمية الاستعانة بالإرشاد المهني المتخصص عند الحاجة، مؤكدًا أن بناء القرار المهني السليم يبدأ بالحوار، ويتعزز بالمعرفة والتجربة والدعم العلمي المنظم.
◆ في البداية نود التعرف على كيفية مساعدة الأبناء على اختيار التخصص؟
¶ يشكل الفراغ الذي يختبره الطلبة في فصل الصيف مساحة مواتية للتفكّر فيما ينتظرهم بعد الدراسة، فتكثر فيه الأسئلة ويتفاقم فيه القلق من المستقبل. أما بالنسبة لأولياء الأمور، فيحمل هذا الوقت نوعًا آخر من الضغوطات؛ إذ تتزاحم الأسئلة لدى أبنائهم حول اختيار التخصص والجامعة، وتتوالى خطط الابتعاث ومواعيد التقديم، وتنهمر عليهم أسئلة الأقارب عن مستقبل أبنائهم. وفي اللحظة التي يشعر فيها الأب والأم بأنهما جاهزان وفي جعبتهما النصائح المناسبة، قد تأتي الإجابة من الابن أو الابنة ببساطة: «لا أعرف أصلًا ماذا أريد أن أدرس».
لا بدّ أن وقع هذه الجملة على الوالدين يكون صعبًا. ومهما رغبا بالمساعدة، قد لا يعرفان من أين يبدآن. ناهيكم عن أن كثرة الأسئلة والاستفسارات قد تتحول لدى الأبناء إلى ضغط نفسي وزيادة في الحيرة يترجمها أولياء الأمور على أنها إهمال ولا مبالاة. وبين الرغبة في حماية مستقبل أبنائهم، واحترام ميولهم المهنية، ومراعاة الفرص المتاحة أمامهم، قد يشعر أولياء الأمور أنهم لا يملكون الأدوات الكافية للتعامل مع هكذا موقف.
لكن تيقّن الطالب مما يريد دراسته لا يعني بالضرورة أنه مهمل أو يفتقد إلى الطموح، فقد يكون لا يحتاج أكثر من مساحة أهدأ للتفكير، أو معلومات أوضح، أو تجربة تقرّبه من الواقع المهني الذي ينتظره، والأهم من ذاك كله: من يساعده على ترتيب أفكاره بعيدًا عن التوتر والضغوطات. ودور الوالدين هنا ليس أن يمتلكا كل الإجابات، بل أن يساعدا أبناءهما على تحويل الحيرة إلى طريق أوضح وخطوات أكثر تنظيمًا.
◆ ما أهمية طمأنة الأبناء، وهل يمكن أن يضغط أولياء الأمور على الأبناء؟
¶ يمارس الوالدان الضغط غير المقصود أحيانًا بدافع المحبة والخوف على مستقبل أبنائهما. فهما لا يريدان لهم إلا تعليمًا جيدًا، وفرصًا تنافسية، ومسارًا يفتح أمامهم أبواب النجاح. لكن النوايا الطيبة لا تكفي لوحدها؛ فحين يتحول القلق لدى الطالب إلى ضغط نفسي، قد يدفعه ذلك للانغلاق على نفسه، أو التقوقع للدفاع عن موقفه بدل أن يفكر فيه عقلانيًا.
إن استخدام عبارات من قبيل: «يجب أن تقرر الآن»، أو «كن مثل ابن عمك الذي يعرف ماذا يريد منذ زمن طويل»، أو «هذا التخصص لا مستقبل له»، قد يغلق باب الحوار قبل أن يبدأ. لذا ينبغي استخدام تعابير أهدأ تكون أجزى وأفيد مثل: «لا بأس إن لم تكن تعرف ماذا تريد بعد، لكن علينا أن نأخذ الأمر بجدية ونستكشفه معًا».
فالمطلوب هنا من الوالدين عدم الاستخفاف بحيرة الابن، وعدم تضخيمها في الوقت نفسه، بل أن يحولا الحيرة من مصدر توتر إلى نقطة انطلاق لحوار مثمر ومنظم.
◆ ما الأسئلة الصحيحة الواجب على الوالدين أن يوجهانها للأبناء؟
¶ غالبًا ما يبدأ الوالدان بالسؤال الأصعب: «ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟» وهو سؤال كبير قد يوحي للطالب بأنه مطالَب فورًا بإجابة نهائية تحدد مسار حياته كلها. من الأفضل البدء بأسئلة أصغر، مثل الاستفسار عن اهتماماته:
• ما المواد التي تستمتع بدراستها حتى عندما تكون صعبة؟
• ما الموضوعات التي تقرأ عنها أو تشاهد محتوى حولها من تلقاء نفسك؟
• ما نوع المسائل والمشاكل التي تحب معالجتها والتفكير بحلها؟
ومن هنا يمكن الانتقال إلى بحث نقاط القوة لدى الطالب:
• في أي المجالات الدراسية يستعين بك زملاؤك عادة؟
• هل تفضّل العمل مع الناس، أم الأفكار، أم الأرقام، أم التقنيات الحديثة، أم المهام الميدانية؟
• ما نوع المشاريع المدرسية التي تشعرك بأنك قادر ومتمكن؟
ولا تقل القيم المهنية أهمية عن مناقشة الاهتمامات والقدرات، ويتعين على الأهل معرفة هل يبحث الطالب عن الاستقرار المهني أم مجال ليبدع فيه؟ أم يفضّل الدخل الجيد؟ أو مساعدة الآخرين؟ هل يبحث عن أدوار قيادية أم يفضل العمل باستقلالية؟ وما بيئة العمل التي قد تناسبه؟ وأي نمط حياة يتخيله لحياته المهنية مستقبلًا؟
هذا النوع من الأسئلة لا يولّد إجابات حاسمة، لكنه يساعد الطالب على أن يفهم نفسه بوضوح أكبر، وينقل الحوار من سؤال المكانة الاجتماعية أو الراتب إلى سؤال الملاءمة الحقيقية بين الطالب والمسار الذي يفكر فيه.
وللعائلات التي تبحث عن نقطة بداية لحوارهم هذا، يمكنكم دومًا مطالعة مجلة «دليلك المهني» التي يصدرها مركز قطر للتطوير المهني، والتي تشكّل موردًا مفيدًا يعرّف الطلبة وأولياء الأمور على موضوعات مهنية متنوعة، واتجاهات سوق العمل، ومهارات المستقبل. كما تستعرض المجلة تجارب حقيقية لمختصين من مجالات مهنية متنوعة، والتحديات التي واجهتهم وكيف التحقوا بمجالهم أصلًا. قراءة هذه المواد ومناقشتها مع الأبناء قد تحوّل الحديث من نقاش مشحون إلى رحلة استكشاف مشتركة.
◆ هل من طريقة بسيطة للوصول لهذه الأهداف؟
¶ قد يحتاج الوالدان أحيانًا إلى طريقة بسيطة تنظّم الحوار وتمنعه من التحول إلى جدل لا طائل منه. ومن الأساليب المفيدة في هذا السياق منهجية الإصغاء الفعّال المعروفة بـ (LISTEN)، والمستمدة من مبادئ الاستماع والتفاعل المستخدمة في علوم الإرشاد والتدريب والتواصل الداعم لخلق بيئة أكثر ترحابًا بتبادل الأفكار. هذه المنهجية ليست اختبارًا أو أداة تقييم رسمية، بل أداة عملية لإدارة الحوارات الصعبة:
اصغ إلى ابنك قبل أن تنصحه، وامنحه فرصة ليتحدث أولًا دون مقاطعة لتفهم موقفه بشكل أفضل.
اطرح الأسئلة الصحيحة لتحدّد جوهر الحيرة والقلق.
اربط الخيوط ببعضها، وساعد ابنك على الربط بين اهتماماته ونقاط قوته والخيارات المتاحة أمامه.
ترجم المشاعر والأفكار إلى خيارات واقعية. حوّل العبارات العامة مثل «الاستقرار» أو «مساعدة الآخرين»، إلى مسارات دراسية ومهنية واضحة.
تعاطف معه، وتفهّم ثقل القرار وطمأنه إلى أنه ليس مطالبًا بمعرفة كل شيء دفعة واحدة.
اتفقا على الخطوة التالية فقط ولا تبحثا عن «إجابة نهائية». اتفقا على خطوة عملية واحدة مثل قراءة «دليلك المهني» سويًا، أو الحديث مع مختص، أو حجز جلسة إرشادية في برنامج «الدليلة».
◆ هل يجب أن تكون القرارات المهنية مبنية على الشغف فحسب؟
¶ يخشى بعض أولياء الأمور أن يقود اتباع الميول الشخصية والشغف أبناءهم إلى مسارات مهنية محدودة الفرص، بينما يخشى آخرون أن يؤدي اختيار التخصصات الآمنة البعيدة عن اهتمامات أبنائهم إلى فقدانهم الحافز مع مضي الوقت؛ والتخوفان صحيحان إلى حد كبير. القرار المهني الصائب لا يقوم على الشغف فحسب، ولا على متطلبات سوق العمل الحالية وحدها، بل يحتاج إلى الموازنة بين الاهتمام، والقدرة، والقيم، والأداء الأكاديمي، واحتياجات سوق العمل، وفرص النمو مستقبلًا.
ولتحقيق ذلك، يجب على الوالدين أن يتساءلا: ما المهارات التي يبنيها هذا التخصص؟ وما القطاعات الاقتصادية التي تتطلب هذه المهارات؟ وما المسارات المهنية أو الدراسات العليا التي يمكن أن يفتح هذا التخصص أبوابها؟ وما الخبرات العملية التي يحتاجها الطالب إلى جانب دراسته ليكون أكثر جاهزية وتنافسية للالتحاق بها؟
وتزداد أهمية هذا التوازن في الاقتصادات المتقدمة كالاقتصاد القطري المتنوع والذي تحتاج جهود التنمية الوطنية فيه إلى شباب لا يملكون مؤهلات نظرية فقط، بل يتمتعون أيضًا بالمرونة، والدافع، والقدرة على المساهمة الفعالة في مجالات متغيرة ومتجددة.
◆ ما الأدوات التي يجب على ولي الأمر الاستعانة بها للمساعدة في اختيار التخصص بشكل صحيح؟
¶ إن الإرشاد المهني العملي تخصصٌ له أهله، وليس مطلوبًا من أولياء الأمور أن يعرفوا كل شيء عنه أو أن يجيبوا عن كل سؤال حوله. وفي بعض الأحيان، تكون الخطوة الأنجع هي الاستعانة بمرشد مهني مؤهل، قادر على تقديم مساحة محايدة، وأدوات إرشاد علمية، وخطوات منظمة تساعد الطالب على فهم نفسه وخياراته. ويجب الاستعانة بالمختصين خصوصًا عندما يشعر الطالب بأنه عالق تمامًا، أو عندما تتكرر النقاشات العائلية دون نتيجة ملموسة، أو عندما يختار الطالب تخصصه إرضاءً للآخرين لا عن قناعة منه، أو عندما تبدو هناك فجوة ملحوظة بين ميوله وقدراته وخياراته الأكاديمية.
ويقدم برنامج «الدليلة» من مركز قطر للتطوير المهني جلسات إرشاد مهني فردية يقودها مختصون مؤهلون يساعدون الطلبة على فهم اهتماماتهم، ونقاط قوتهم، وخياراتهم، والخطوات الأنسب لهم. وبالنسبة لأولياء الأمور، يمكن أن تمنحهم هذه الخدمة قدرًا أكبر من الطمأنينة إلى أن القرار يُبنى بطريقة جادة ومدروسة. أما للطالب، فهي توفر مساحة آمنة للتفكير دون شعور بالضغط أو الاستعجال.
وفي النهاية، لا يتمثل دور الوالدين في الاختيار بدلًا من أبنائهم، بل في مساعدتهم على بلورة خياراتهم بقدر أكبر من الشفافية والوعي. فعندما يقول الشاب: «لا أعرف»، قد لا تكون أفضل استجابة هي تقديم جواب جاهز، بل فتح أبواب الحوار واتخاذ خطوة عملية ترشده في الاتجاه الصحيح.
ولكل عائلة في قطر تبحث عن معلومات موثوقة ودعم منظم، وأدوات عملية تساعد أبناءها على بناء خياراتهم بثقة، سنبقى في مركز قطر للتطوير المهني شريكًا حاضرًا لمرافقتكم في هذه الرحلة.