سعد الخرجي رئيس برامج «قطر للتطوير المهني» في حوار لـ العرب : حضور المواطن ضعيف بقطاع الضيافة ووفرة في ريادة الأعمال السياحية

alarab
حوارات 16 أغسطس 2022 , 12:05ص
حامد سليمان

الدولة تتبنى سياسات فاعلة لتشجيع الاستثمارات الوطنية في السياحة 
الوجود القطري يغني تجربة أي زائر بأن يتعرف بشكل أفضل على قطر أرضًا وشعبًا
«مضياف قطر» للتدريب السياحي دليل على مدى اهتمام الدولة بهذا القطاع المهم
توقعات بوصول قطاع السياحة إلى 12 % من الناتج المحلي في2030 
انخراط المواطنين مهنيين ومستثمرين ومستفيدين في التحضير لاستضافة المونديال وسيلة وهدف في آن واحد

أكد السيد سعد عبدالله الخرجي - رئيس قسم البرامج والخدمات المهنية بمركز قطر للتطوير المهني أن قطاع الضيافة لا يزال يشهد حضورا مهنيا ضعيفا للمواطنين القطريين، فيما يشهد حضور المواطنين في قطاع السياحة تزايد باضطراد، مرجعا ذلك إلى وفرة الاستثمارات المحلية ونمو لريادة الأعمال في مجال السياحة، وفاعلية السياسات التي تبنتها قطر في تشجيع القطريين على استثمار جهودهم في المهن المتنوعة التي يقدمها قطاع السياحة.
وقال الخرجي في حوار لـ «العرب» أن تنمية العنصر الوطني الدافع الأهم لاستضافة الأحداث العالمية مثل كأس العالم 2022، مشددا على أهمية قطاع السياحة الذي يسهم بحوالي 8% من الناتج القومي الإجمالي، والمتوقع وصوله إلى 12% بحلول عام 2030، لافتا إلى أهمية انخراط المواطنين القطريين كمهنيين ومستثمرين ومستفيدين في كامل مسار التحضير لاستضافة كأس العالم وسيلة وهدفا في آن واحد، وأن وجود القطريين يغني تجربة أي زائر بأن يتعرف بشكل أفضل على قطر أرضا وشعبا.. وإلى نص الحوار..

= ما تقييمك لمشاركة المواطنين في قطاعات السياحة والضيافة؟
بداية، لنعطي تقييما موضوعيا لمشاركة مواطنينا، يتعين علينا الفصل نظريا بين قطاع الضيافة وقطاع السياحة كجزء مستقل ضمن قطاع الضيافة. 
فعلى الرغم من أن قطاع الضيافة ككل، وتحديدا على المستوى الخدمي، لا يزال يشهد حضورا ضعيفا للمواطنين القطريين يقتصر على بعض الوظائف الإدارية والإدارية العليا والعلاقات العامة وما شابهها، فإن قطاع السياحة، والقطاعات المتصلة به والداعمة له تظهر صورة مغايرة تماما. فحضور المواطنين في قطاع السياحة أكبر نسبيا ومتزايد باطراد، وذو طبيعة مرنة أكثر حيث يشغلون مواقع إدارية وتشغيلية، بالإضافة إلى أن هناك وفرة في الاستثمارات المحلية ونمو لريادة الأعمال في مجال السياحة، وكل ذلك يدل بوضوح على فاعلية السياسات التي تبنتها دولة قطر عبر قطر للسياحة من جهة، وصناع القرار في القطاعات الداعمة والشريكة للقطاع السياحي كالمالي والمصرفي والتكنولوجيا والموارد البشرية وغيرها، في تشجيع القطريين على استثمار جهودهم في المهن المتنوعة التي يقدمها هذا القطاع. ولذلك أرى شخصيا أننا نسير بخطى واثقة في الطريق الصحيح، وأعول على الإرث الذي بنيناه، وسيرسخه كأس العالم، في الحفاظ على هذه البوصلة. 
= مع استضافة قطر لأحداث عالمية خاصة ونحن مقبلون على كأس العالم.. ما أهمية مشاركة العنصر الوطني في هذه القطاعات؟
بلا شك، يمكن اعتبار تنمية العنصر الوطني الدافع الأهم لاستضافة هذه الأحداث، وذلك لعدة أسباب: أولها، أن السعي لتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 يتطلب بادئ ذي بدء تنمية العامل البشري المحلي، لتمكين التحول من الاقتصاد المعتمد على الطاقة إلى الاقتصاد المجتمعي القائم على المعرفة والخبرة، وهو اقتصاد مستدام أساسه الإنسان المنتج، خصوصا في قطاع يسهم بحوالي 8% من الناتج القومي الإجمالي، والمتوقع وصوله إلى 12% بحلول عام 2030 وهي نسبة لا يستهان بها في اقتصاد بحجم اقتصاد دولة قطر. ولذلك، فإن انخراط المواطنين القطريين كمهنيين ومستثمرين ومستفيدين في كامل مسار التحضير لاستضافة كأس العالم مثالا، كان وسيلة وهدفا في آن واحد. فوجودهم يغني تجربة أي زائر بأن يتعرف بشكل أفضل على قطر أرضا وشعبا، ما يخدم تثبيت مكانة قطر كملتقى مضياف للسياحة والثقافة والرياضة. كما أن إشراكهم في هذه العملية يعني استفادتهم من الخبرات الموظفة في التحضير للفعالية، وتغيير منظورهم عن أهمية أو مستقبل بعض المهن الأساسية في هذا النوع من العمل.
وأخيرا، فإن تحقيق الاستدامة في مجالات البيئة والتنمية المجتمعية والشخصية، يتطلب من العاملين أن يكونوا مؤمنين بضرورة الحفاظ على الأرض والبيئة للأجيال القادمة، ومن أكثر حرصا على الأرض من أهلها؟
=  من الملاحظ قلة الكوادر الوطنية في الفنادق، وهي من عناصر الجذب السياحي، فما الأسباب وراء تراجع هذه المشاركة؟
يمكن إرجاع هذه الظاهرة لعدة عوامل تتعلق بطبيعة هذا القطاع الحديث والنامي، وعوامل مالية معيشية، وأخرى قيمية اجتماعية: 
فأولا، هذا القطاع لا يزال في طور النمو على المستوى الدولي وليس فقط في قطر، وإن كان نموه المتسارع في قطر أمرا حديثا نسبيا. وينتج عن حداثة هذا الحقل أن يكون بحاجة لخبرات مثبتة عوضا عن الناشئة، وتكون في هذه المرحلة الخبرات المستوردة ذات أهمية كبيرة في نقل المعرفة وتأصيلها داخل الدولة. بالإضافة لذلك، فكأي مجال جديد، المجال الفندقي مليء بالتحديات، ومتغير باستمرار، الأمر الذي يساهم في جعله مشوقا وممتعا للبعض، ومرهقا للبعض الآخر. ومن نتائج حداثته أيضا أن تغلب على أعمال هذا الحقل انطباعات غير دقيقة، نظرا لقلة مشتغليه بين المواطنين، ما قد يعزز التعقيدات المجتمعية التي سأتحدث عنها تاليا.
وبالنسبة للعوامل المالية المعيشية، فإن الطبيعة التنافسية العالية لهذا النوع من الخدمات السياحية في قطاع الضيافة بشكل عام، يجعل من الصعب بعض الشيء على مشغلي الفنادق تقديم رواتب وحوافز مادية ذات قدرة تنافسية بين بقية فرص العمل والمهن المتاحة للمواطن القطري، ويضاف لذلك ساعات العمل المفتوحة، وضرورة المتابعة المستمرة خصوصا في مواسم السياحة. وكما يجب النظر لأي مهنة على أنها فرصة للتطور الشخصي وليس فقط كسب المال، إلا أن الجانب المادي من أي مهنة لا يمكن إهماله بالطبع.
وأخيرا، لا تزال صورة بعض هذه الأعمال مبهمة بالنسبة للمجتمع القطري كما أسلفنا، ويغلب عليها طابع التشكيك أو التقليل. ومع أن هذه الظاهرة في تراجعٍ مستمر خصوصا مع زيادة عدد المواطنين الذين يخوضون غمار عالم السياحة، إلا أن آثارها في إبطاء دخول الشباب، وخاصة الشابات إلى هذا القطاع، سواء تعليما، أو ممارسة، لا تزال جلية. 
= كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تنهض بالمشاركة الوطنية في هذه القطاعات؟
إن اهتمام مؤسسات الدولة في صحة ونمو هذه القطاعات بشكل عام جلي تماما عبر السنوات الأخيرة، ويظهر ذلك من خلال فتح دولة قطر الباب للسياحة الدولية بإسقاطها شرط التأشيرة عن أكثر من 90 دولة حول العالم، والكفاءة التي تمت فيها إدارة أزمة كوفيد-19 التي كان أثرها مدمرا للسياحة على مستوى العالم، بينما كانت سرعة التعافي من آثارها في قطر قياسية فعلا. وهذا يدلنا على أن الدولة تعي تماما، وتتبنى الأثر الإيجابي لهذه القطاعات وتعتمد عليها في تنويع مصادر الإنتاج في الدولة، والنتيجة الطبيعية لذلك هي الرغبة في زيادة المشاركة الوطنية فيهم. ولخدمة هذا الغرض نجد العديد من المبادرات التي أطلقتها قطر للسياحة من أجل تدريب وتأهيل المواطنين القطريين للعمل في مجال السياحة من خلال الدورات التدريبية مثل برنامج تدريب وترخيص المرشدين السياحيين، إلى جانب تقديم الورشات والفعاليات التي تستهدف تعريف المواطنين بأهمية هذه الأعمال وفوائدها وكيفية الولوج إلى هذا العالم. ولعل برنامج «مضياف قطر» للتدريب السياحي الذي تم إطلاقه حديثا دليل آخر على مدى اهتمام الدولة بهذا القطاع المهم، حيث من المنتظر أن يرفع هذا البرنامج من كفاءة جميع العاملين بهذا المجال ويعزز من تجربة الزائر مرسخا مكانة قطر كوجهة سياحية رائدة. 
إضافة إلى هذه المبادرات، نجد أن صناع القرار يحسنون قراءة واستثمار الروح الريادية للمستثمرين القطريين، فتقدم جهات عديدة فرصا استثمارية، وتمويلا للمشاريع الصغيرة، وبرامج حضانة أعمال للمشاريع الناشئة والمتوسطة في كل القطاعات، ولا سيما السياحة، كبرنامج حاضنة قطر للأعمال السياحية التي أطلقتها قطر للسياحة بالتعاون مع بنك قطر للتنمية وحاضنة قطر للأعمال. 
كما استفاد قطاع السياحة على مدار العقدين الماضيين من الشراكة بين الفيصل القابضة وجامعة ستندن التي أسهمت في تخريج العديد من المبدعين الذين يتبوؤون الآن مناصبا مفصلية في قطاعي السياحة والضيافة. والآن مع تأسيس كلية الريان الجامعية الدولية بالشراكة مع جامعة داربي البريطانية العريقة، لا زال أمام الطلاب في دولة قطر فرصة ثمينة لبناء مسيرة مهنية في القطاعين، فالتعليم الأكاديمي في أي مجال يمنح أفضلية تنافسية للشخص الطموح. إن زيادة سعة التعليم الأكاديمي لعلوم السياحة عبر إنشاء مراكز أو معاهد تخصصية فيها يعد من أفضل السبل لتغيير المنظور المجتمعي السلبي عن دراستها والعمل بها.
 شخصيا أرى في التوجه نحو تطوير ودعم ريادة الأعمال في مجال السياحة حلا أنجع على المستوى الاستراتيجي ريثما يتم تدارك المشكلات البنيوية المتعلقة بجاذبية حقل العمل هذا للمواطنين القطريين، وحتى يتم بناء منظومة أكاديمية متكاملة تلبي احتياجات السوق للكفاءات القطرية، خصوصا في ظل سياسات التقطير التي تفتح الباب على مصراعيه لشبابنا في هذا المجال وغيره.
= وكيف يمكن تشجيع الشباب القطري من خلال مركز قطر للتطوير المهني على الانخراط في هذه المجالات؟
نؤمن في مركز قطر للتطوير المهني بأن التشجيع على العمل في قطاع السياحة والضيافة هو نموذج تتمثل فيه رسالة المركز، من حيث إنه مثال عن قطاع جديد، يحتاج إلى تعريف الشباب القطري به، وتقديمه بالطريقة الأدق والأمثل كخيار متاح أمام أي مهتم يبحث عن مهنته المستقبلية، أو عن تطوير قدراته واكتساب خبرات يتطلبها هذا المجال. 
كما نحرص على استمرار التنسيق والتعاون مع شركائنا من مختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية لتحقيق هذا الهدف، وباتخاذ رؤية قطر الوطنية 2030 خارطة لطريقنا.