الأزمة الكورية.. ابتعدت عن النقطة الحرجة

alarab
حول العالم 16 أغسطس 2017 , 03:05م
الدوحة - قنا
شهدت الساعات الأخيرة بوادر تهدئة نزعت فتيل التوتر من الأزمة الكورية التي حبست أنفاس العالم في الأسبوع الماضي، بعد أن بلغت التهديدات ذروتها بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بتبادل القصف بالأسلحة النووية..وكانت جزيرة غوام الأمريكية الواقعة في المحيط الهادي الهدف الرئيسي للتهديدات الصادرة عن بيونغ يانغ لدرجة أن المراقبين بدأوا بالتساؤل عما إذا كان العالم على أعتاب الحرب العالمية الثالثة.

وقد اعتادت الأسرة الدولية على التهديدات شبه اليومية التي تصدرها كوريا الشمالية بين الحين والآخر والإنذارات التي لا تسفر عن عمل فعلي، ففي الأيام الماضية أطلقت بيونغ يانغ تهديدات باستهداف جزيرة غوام، ما دفع واشنطن لتحذير الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون من أن أي خطوة من هذا النوع ستؤدي إلى حرب سترد فيها الولايات المتحدة بقوة على أي تحرك عسكري قد يقوم به.

لكن الساعات الأخيرة شهدت تغيرا في المواقف ولغة تميل للتهدئة والدبلوماسية، وأولى مؤشرات التهدئة صدرت عن كوريا الشمالية التي قالت "إن زعيمها كيم جونج أون، جمّد حتى إشعار آخر خطة إطلاق صواريخ قرب جزيرة غوام"، وكان يفترض أن تنفذ الخطة منتصف الشهر الحالي بواسطة صواريخ من طراز "هواسونغ 12".

وبدا كيم وكأنه يفتح نافذة للحوار مع واشنطن، حيث قال "إنه سيراقب أفعال الولايات المتحدة لفترة أطول قبل أن يتخذ قرارًا"، ونقل تقرير للوكالة الرسمية في كوريا الشمالية عن كيم قوله: "ينبغي للولايات المتحدة، التي كانت أول من جلب العديد من العتاد النووي الاستراتيجي بالقرب منا، أن تتخذ القرار الصائب وتظهر من خلال الأفعال إن كانت ترغب في تهدئة التوتر في شبه الجزيرة الكورية ومنع وقوع اشتباك عسكري خطير"، وذلك في تلميح ضمني إلى ضرورة تراجعها عن المناورات العسكرية السنوية المشتركة التي تجريها قواتها مع نظيرتها الكورية الجنوبية والمقررة هذه السنة بدءاً من 21 الشهر الجاري.

ويذكر أن كوريا الشمالية تعتبر المناورات تدريباً استفزازياً على اجتياح أراضيها، لكن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تصران على أن مناوراتهما المشتركة محض دفاعية، ولا يمكن الربط بينها وبين البرنامج الصاروخي الكوري الشمالي الذي تقولان إنه ينتهك مجموعة قرارات للأمم المتحدة.

وفي رد إيجابي أكد ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي أن بلاده سوف تستمر في بذل الجهود لإجراء حوار مع كوريا الشمالية، لافتا إلى إمكانية حدوث تحول جديد في الأزمة الحالية في شبه الجزيرة الكورية، قائلا إن واشنطن لا تزال مهتمة بالسعي إلى طريق تقود إلى حوار مع بيونغ يانغ، بعد تراجعها عن استهداف غوام، لكنه شدد على أن هذا الأمر رهن بالرئيس الكوري الشمالي.

وفي مقال مشترك نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، الأمريكية أكد وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان أن لا مصلحة للولايات المتحدة بتغيير نظام بيونغ يانغ، وأن واشنطن لا تسعى إلى حجة لنشر قوات أمريكية شمال المنطقة المنزوعة السلاح أو إلحاق أذى بالشعب الكوري الشمالي.

ودعا الوزيران الصين، أكبر حلفاء كوريا الشمالية وشركائها التجاريين، إلى الاستفادة مما وصفاه فرصة لا مثيل لها لإثبات مدى تأثيرها في بيونغ يانغ، وقالا "إن على بكين إذا أرادت أداء دور أكثر فاعلية في حفظ السلام والاستقرار الإقليميين، وهو ما يصب في مصلحة الجميع ولا سيما المصالح الصينية، فإن عليها اتخاذ قرار بممارسة دبلوماسيتها الحاسمة ونفوذها الاقتصادي على كوريا الشمالية".

وردت بكين بأن أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية باتت عند منعطف من أجل استئناف مفاوضات السلام، وأعربت عن الأمل بأن تساهم كل الأطراف، عبر الأقوال والأفعال، في إخماد نار الأزمات الحالية بدلاً من صبّ الزيت على النار.

وفي إطار التصريحات الإيجابية، قال الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي "إن أي عمل عسكري لن يحصل في شبه الجزيرة الكورية من دون موافقة بلاده"، مشدداً على أن حكومته ستمنع الحرب بكل الوسائل، وحث كوريا الشمالية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، معتبراً أن المفاوضات هي هدف العقوبات المفروضة عليها، وفي اتصال هاتفي، اتفق رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن أولويتهما فيما يتعلق بكوريا الشمالية هي بذل كل ما في وسعهما لمنعها من مواصلة إطلاق صواريخ.

وكانت كوريا الشمالية قد طرحت سابقا وقف تجاربها النووية والصاروخية مقابل إلغاء المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية المشتركة، في مقايضة سوقت لها بكين وقوبلت بالرفض من قبل واشنطن وسول.

ويرى محللون أن كيم جونغ أون يسعى إلى مقايضة مشابهة هذه المرة، عبر تهديده بإطلاق صواريخ باتجاه جزيرة غوام، وقالوا "إن ما حدث كان دعوة مباشرة لإجراء محادثات بشأن وضع قيود متبادلة حول المناورات، وتجارب إطلاق الصواريخ"، واعتبر المحللون أن الرئيس كيم يسعى إلى خفض التصعيد بتجميده خطة غوام، على الأقل في الوقت الراهن، وقالوا "إن العالم لم يخرج من الأزمة بعد، وعلى الطرفين اتخاذ خطوات لخفض التصعيد بالقول والفعل، كما يجب تفعيل الدبلوماسية".

وكان التوتر قد تصاعد في شبه الجزيرة الكورية بعد إجراء بيونغ يانغ تجربتي إطلاق صاروخين بالستيين عابرين للقارات الشهر الماضي، أعلنت أنهما تضعان أراضي الولايات المتحدة في مرمى نيرانها، وتوعد الرئيس الأمريكي نظام بيونغ يانغ بنار وغضب لم يشهد العالم لهما مثيلا، ردا على التجربتين الصاروخيتين، فيما واجهت بيونغ يانغ التهديد الأمريكي بخطة إطلاق صواريخ في المياه المحيطة بغوام.

المسؤولون في غوام سارعوا إلى إبداء سعادتهم بالتهدئة التي تلوح في الأفق، ورحبوا بقرار كوريا الشمالية بتأجيل خطة إطلاق الصواريخ قرب جزيرتهم، وكان هذا التأجيل خبرا سارا لكل سكان الجزيرة التي شهدت في الأيام الماضية توترا شديدا، وترقبا لهجوم صاروخي محتمل.

وقلل وزير الداخلية في الجزيرة، جورج تشارفوروس، من أهمية تقارير تفيد بأن بيونغ يانغ نقلت صاروخا لوضعه على منصة إطلاق،معتبرا أن الأمر مجرد استعراض قوة احتفالا بيوم تحرير كوريا الشمالية الذي صادف يوم أمس.

يذكر أن جزيرة غوام تقع على بعد نحو 3200 كيلومتر من عاصمة كوريا الشمالية، وتكتسب أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة على الرغم من بعدها عن أراضيها الرئيسية جغرافيا، حيث تستخدم القوات الأمريكية نحو ثلثي الجزيرة كقاعدة عسكرية لها، وتضم قاعدة أندرسن الجوية التي بنيت عام 1944 عندما كانت الولايات المتحدة تستعد لإرسال قاذفات إلى اليابان خلال الحرب العالمية الثانية.

وتضم القاعدة سربا لمروحيات تابعة للبحرية الأمريكية وقاذفات للقوات الجوية، فضلا عن مدرجين ومخزن كبير للوقود والذخائر، كما تحتضن الجزيرة أيضا قاعدة "غوام" البحرية التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1898، وتضم هذه القاعدة ميناء لأربع غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية وسفينتين لدعم الغواصات وتزويدها بالإمدادات، كما تضم درعا متطورة مضادة للصواريخ، هي منظومة "ثاد" القادرة على تدمير الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والصواريخ في مرحلة تحليقها النهائية، وينتشر في الجزيرة 7 آلاف عسكري معظمهم من البحارة والطيارين، فيما يعتزم الجيش الأمريكي نقل الآلاف من عناصره المنتشرين في أوكيناوا جنوبي اليابان إلى جزيرة غوام.

ويرى كثير من المراقبين أنه على الرغم من خطورة الأزمة الكورية وسخونة الكلمات التي استخدمت في ذروة تهديداتها إلا أن من المرجح أن تبقى الأمور تحت السيطرة رغم وصولها للخطوط الحمراء، لأن كلا الطرفين يملك ما يمكن وصفه بأنه رادع كاف للطرف الآخر، كما أن كل طرف يملك ما يدفع كثيرا من دول العالم إلى التحرك الفوري واتخاذ مواقف عملية حاسمة قبل أن تتطور الأزمة وتنحدر نحو معركة مدمرة، تضر بالكرة الأرضية وكل من يعيش عليها، ويضيف المراقبون أنه على الرغم من أن الاستعدادات على الأرض تقول إن كلا الطرفين يتحسب لاحتمالات أن يقدم الآخر على خطوة عنيفة مفاجئة، ويعمل على أن يكون جاهزا لها، فإن الأزمة الكورية تجاوزت النقطة الحرجة وتقترب ببطء على ما يبدو من الانتقال إلى طاولة المفاوضات.

م . م