كل إنسان عمل خيراً أو شراً قليلاً أو كثيراً سيريه الله إياه يوم القيامة
باب الريان
16 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ}
وما أمر هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، أي أن الله تعالى أمرهم بالعبادة الخالصة لله، لا العبادة التي فيها شرك مع الله ، ولا العبادة التي فيها رياء للناس؛ لأن المطلوب عمل خالص لوجه الله، لا يراد به أحد سواه، مائلين عن منهج الشرك والانحراف عن سنن الإخلاص، وأن يقيموا مع ذلك الصلاة إقامة مستوية لا يشوبها أي لون من الشرك صغُر أو كبر، وأن يؤدوا زكاة أموالهم لوجه الله تعالى، وذلك دين الرسالة القيمة، التي أنزل الله بها كتبه وبعث بها رسله، وقامت عليها بينته.
وهذا كقوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إليه أَنَّهُ لَا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]. ولهذا قال: {حُنَفَاءَ}أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد، لأن الحنف هو الميل، كقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36].
{وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}: وهي أشرف عبادات البدن.
{وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ}: وهي العبادة المالية التي تحسن إلى الفقراء والمحتاجين.
{وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ}: وسواء فسرنا (الْقَيِّمَةِ) بالملة، أم الأمة، فالمعنى: ذلك دين الملة القائمة العادلة، أو دين الأمة المستقيمة المعتدلة.
{إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ (6) إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)}:
يخبر تعالى عن مآل الفجار، من أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة؛ أنهم يوم القيامة: {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين، لا يحولون عنها ولا يزولون {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ} أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها. ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار – الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم- بأنهم خير البرية.
وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة؛ لقوله:{أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ}.
ثم قال تعالى:{جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة. {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} أي بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ.
{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم.
{وَرَضُوا عَنْهُ} فيما منحهم من الفضل العميم.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه.
وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة استوى عليه. إلا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «رجل في ثلة من غنمه، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. إلا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى. قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به».
سورة الزلزلة
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}
السورة مكية، وتسمى سورة الزلزلة.
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا}
هذه السورة من السور التي تبدأ بكلمة (إذا)، كما رأينا ذلك في سورة التكوير والانفطار والانشقاق، وقبل ذلك في سورة الواقعة والمنافقون، وكما سيأتي بعد ذلك في سورة النصر.
ومن المعلوم في علم النحو أنَّ (إنْ) تستعمل في المحتمل والمشكوك في وقوعه، أما (إذا) فلا تستعمل إلا فيما يتحقق وقوعه. ولذلك استعملها هنا ولم يستعمل (إن).
كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم: متى الساعة، كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ} [الأعراف:187]، {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب:63].
ولكن لا مانع أن ينبئهم بعض علاماتها التي تسبق وقوعها وتمهد لها، فكأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيين وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته وأماراته.
والزلزال – بكسر الزاي- المصدر، و- بالفتح - الاسم. مثل الوسواس -بكسر الواو-: المصدر. وبالفتح: الاسم، فهو اسم للشيطان، الذي يوسوس اليك.
ومعنى زلزلت: حركت حركة شديدة، يعبر عنها أحيانا باسم (الرج) كما قال تعالى: {إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا} [الواقعة:4]، وقد قال تعالى في وصف هذه الزلزلة، في أول سورة الحج: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1].
وما المراد من هذه الزلزلة؟ قال مجاهد: المراد من هذه الزلزلة: النفخة الأولى كقوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات:6]، أي تزلزل في النفخة الأولى، ثم تزلزل ثانيا فتخرج موتاها، وهي الأثقال. وقال آخرون : هذه الزلزلة هي الثانية، بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية.
ومعنى {زِلْزَالَهَا} أي: القدر اللائق بها في الحكمة ، كقول: أكرم التقي إكرامه وأهان الفاسق إهانته ، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة.
وكذلك يمكن أن يراد {زِلْزَالَهَا} كله، وجميع ما هو ممكن منه. والمعنى: أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل.
{وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا}
أثقالها: جمع ثقل، وهو ما يثقل على الأرض حمله مثل: متاع البيت وغيره. قال تعالى في الأنعام: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ} [النحل:7]، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. قالوا: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، ولهذا سمي الجن والإنس بالثقلين؛ لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا في بطنها، ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها.
وقيل: المراد من هذه الزلزلة: الزلزلة الأولى يقول: أخرجت الأرض أثقالها، يعني: الكنوز. فيمتلىء ظهر الأرض ذهبًا ولا أحد يلتفت إليه ، وهو الذي كانوا يتقاتلون من أجل شيء منه. ومن قال: المراد من هذه الزلزلة الثانية، وهي بعد القيامة. قال: تخرج الأثقال، يعني الموتى من بطنها أحياء، كالأم تلده حيًّا. وكما قال تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [القمر:7].
وهناك معنى آخر لإخراج الأثقال: أي: أن الأرض تكشف أسرارها ومخبآتها، فيومئذ لا يعرف أحد كيف يواري سوءاته، كما قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:22]. {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ اليَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [مريم:38].
{وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا}
وهنا يقول الإنسان ما لهذه الأرض، تزلزل هذه الزلزلة الشديدة، وتتحرك هذه الحركة الهائلة، وتلفظ ما في بطنها، وذلك إما عند النفخة الأولى، حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدقائق، أو عند النفخة الثانية، حين تلفظ ما فيها من الأموات.
وهذا شأن الإنسان عامة، فهو كما وصفه القرآن الكريم كنود ظلوم جهول، من شأنه الغفلة والجهالة، يقول: مالها! وهو ليس بسؤال بل هو للتعجب ، لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان. ولانطق بها لسان ، ولهذا قال الحسن: إنه للكافر والفاجر معًا.
وإنما قال الإنسان: ما لها؟ على غير المواجهة؛ لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه ، كأنه يقول : يا نفس، ما للأرض تفعل ذلك؟ أنت السبب يا نفس، فلولا معاصيك ومظالمك، ما صارت الأرض كذلك!
وهذا كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1]، وقوله: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق:4-5].
وروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة مرفوعا: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي. ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» .
قال ابن كثير: وقوله: {وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا} أي: استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها، أي: تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله ما قد أعد لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم القت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات، وبرزوا لله الواحد القهار .
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}
في هذا اليوم تحدث الأرض الخلق بأخبارها، وتخبرهم بما عندها، وما تضمره من أسرارها، فيومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله، فكأن الأرض حدثته بذلك، كقولك: الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة. والمقصود: كأن الأرض تشكو من الطغاة والعصاة عليها، وتشكر من أطاع الله وأدى حقه على ظهرها. فتقول: إن فلانا أقام الصلاة وأدى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وفلانا فرط في ذلك وسرق وزنى وجار وطغى، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار.
وقد ورد أن سيدنا عليا رضي الله عنه: إذا فرغ بيت المال بأدائه الحقوق، صلى فيه ركعتين ويقول: لتشهدن أني ملأتك بحق، وفرغتك بحق. وقد يقال: إن لفظ التحديث يفيد الاستئناس، وهناك لا استئناس، فما وجه هذا اللفظ؟ والجواب: أن الأرض كأنها تبث شكواها، إلى أولياء الله وملائكته والمؤمنين به سبحانه.
{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}
تحدثهم الأرض بأن ربك الذي يربيك ويرقيك، وهو الله تبارك وتعالى، أوحى إليه بما أوحى، والوحي والإيحاء هو الإعلام بخفاء. وأنشدوا للعجاج :
أوحى لها القرار فاستقرت
وإنما أوحى لها بما أوحي، لتشتفي الأرض من العصاة والطغاة.
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُم}
الصدور ضد الورود. فالوارد: الجائي، والصادر: المنصرف، وأشتاتا: متفرقين.
{لِّيُرَوْا أَعْمَـالَهُمْ}: أي: ليريهم الله أعمالهم، أي: ليشاهدوها كما عملوها، فتكون حجة بالغة عليهم، {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14].
وما قاله بعض المفسرين أنهم يرون جزاء الأعمال، أو صحائف الأعمال، أو الجنة والنار، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء، لأنه جزاء وفاق، فكأنه نفس العمل، بل المجاز في ذلك أدخل من الحقيقة.
وهذا كله إخراج للكلام عن حقيقته، وعن ظاهره، وبدون داع إلى ذلك، فالأولى إبقاء الكلام على الحقيقة لا على المجاز، إذ لا دليل على مشروعية تحويل الكلام من الحقيقة إلى المجاز. وسنعود إلى هذا الموضوع في سورة القارعة.
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}
مثقال ذرة من خير: أدنى ما يقاس من الخير، قال تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16]. وقال في سورة الأنبياء: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47].
فإن كان المثقال أدق وأصغر: مثقال الذرة، أو مثقال حبة الخردل، سيأتي بها الله، ويحاسب عليها، ولا يضيع عنده شيء. وقال ابن عباس: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها، فكل واحد مما لزق بها من التراب مثقال ذرة، فليس من .
ما جاء في السورة من الحديث:
روى الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئني يا رسول الله. قال له: «اقرأ ثلاثا من ذات الر». فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي، وغلظ لساني. قال: «فاقرأ من ذات حم». فقال مثل مقالته الأولى. فقال: «اقرأ ثلاثا من المسبحات»، فقال مثل مقالته. فقال الرجل: ولكن أقرئني - يا رسول الله- سورة جامعة. فأقرأه: «إذا زلزلت الأرض زلزالها» حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليها أبدًا. ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح الرويجل! أفلح الرويجل!». ثم قال: «علي به». فجاءه فقال له: «أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة». فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها؟ قال: «لا ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله، عز وجل» .
سورة العاديات
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)}
السورة مكية على القول الصحيح.
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)}
هذه السورة المكية، تتضمن قسما ومقسما به، ومقسما عليه، وتعقيبا على هذا القسم.
وقد اعتاد القرآن الكريم، أن يقسم لنا بهذه الأشياء، التي يعبر عنها بجمع الألف والتاء، أو ما يسمونه جمع المؤنث السالم، وقد تكرر كثيرا في هذا القرآن، وفي أوائلها خاصة، مثل سورة: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}، وسورة: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا}، وسورة: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا}، وسورة: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا}، ثم سورة: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}، وكلها سور مكية عند المحققين.
وهذا القسم، بل هذه السورة كلها، تشير إلى معنى (القوة) التي يهتم بها القرآن، ويدعو إليه ا أمته، وينشئ عليها شبابه. وكأنها تهيئ الأنفس المسلمة— القادمة للإسلام، حين يلجئه الأعداء إلى استخدام القوة، التي تصبح ضرورة للفصل بينه وبينهم.
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} العاديات جمع عادية، من العَدو، وهو الجري والوثب، التي تقوم به الخيل الغازية؛ التي تنزل على الأعداء كالصاعقة، تصبح ضبحا.
والضبح: أصوات أنفاس الخيل إذا عَدَتْ، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ولكنه صوت نفس.
والواو في أول السورة للقسم، فهو سبحانه يقسم بإلخيل العاديات، وهو عز وجل له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، كما بيَّنا ذلك في النازعات وغيرها.
قال الفخر الرازي: واعلم أن الفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس... وأيضا فالقدح يظهر بالحافر ما لا يظهر بخف الإبل. وقد أقسم الله بالخيل؛ لأن لها في العدو من الخصال الحميدة، ما ليس لسائر الدواب، فإنها تصلح للطلب والهرب، والكر والفر، فإذا ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة، وإذا ظننت أن المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين، فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين. ا.هـ .
{فَالمُورِيَاتِ قَدْحًا} الموريات: جمع مورية، أي: إن الخيل التي يركبها الغزاة، تُوري في حوافرها بالحجر من شدة العدو، فتضرب به حجرا آخر، فتوري النار وتقدحها قدحا، فهكذا يصورها القرآن، وبعضها يعدو وراء بعض، نسمع الضبح من حناجرها، ونرى القدح من حوافرها.
{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا }
المغيرات: جمع مغيرة، من الإغارة، وهي سرعة السير في اندفاع إلى العدو المرتقب، يبدأون من الليل، ليصلوا إليه في الصباح، فيستطيعوا أن ينالوا منه ما ينالون، فإن الصباح له أعين يستبين بها، ما لا يستبان بالليل، والناس عادة يكونون في هذا الوقت في غفلة وعدم استعداد، والشاعر يقول:
نحن الذون صبحوا الصباحا
يوم النخيل غارة ملحاحا
والعطف هنا في هذه الآيات بالفاء، وهي التي تفيد الترتيب والتعقيب، لا الترتيب والتراخي، كما تفيده (ثم)، ولذا قال: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا}.
{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا }
قال الفخر الرازي: النقع: فيه قولان: أحدهما أنه الغبار، قيل: إنه مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع فالغبار يسمى نقعا لارتفاعه. وقيل: هو من النقع في الماء، فكأن صاحب الغبار غاص فيه كما يغوص الرجل في الماء.
والثاني: النقع: الصياح ، من قوله عليه الصلاة والسلام «مالم يكن نقع ولا لقلقة» أي فهيجن في المغار عليهم صياح النوائح، وارتفعت أصواتهن. ويقال: ثار الغبار والدخان: أي ارتفع. وثار القطا عن مفحصه، وأثرن الغبار أي هيجنه. والمعنى: أن الخيل أثرن الغبار؛ لشدة العَدْو في الموضع الذي أغرن فيه.
والضمير في قوله {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} يعود إلى العَدْو، المفهوم من قوله: {وَالْعَـادِيَـاتِ}، أي فأثرن بالعَدْو نقعًا. أو يعود إلى المكان الذي انتهى إليه ، والموضع الذي تقع فيه الإغارة، لأن في قوله: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} دليلا على أن الإغارة لا بد لها من موضع، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجرِ ذكره بالتصريح، كقوله {إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر:1]، أو يعود إلى ذلك الزمان الذي وقعت فيه الإغارة أي: فأثرن في ذلك الوقت نقعا.
وعطف فعل (فأثرن) على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه. والتقدير: واللائي عدون فأورين، وأغرن فأثرن.
{ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا }
هذه الخيل العاديات التي تضبح ضبحا، وتوري قدحا، وتغير صبحا، وتثير نقعا، ينتهي بها هذا الصخب، فتوسط جمعا بهذا النقع الذي تثيره.
وهذه الصفات والحركات كلها في وصف الفرس الغازية في سبيل الله، وهو متفق مع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلخيل معقود بنواصيها الخير»، وقالوا: ظهرها حرز، وبطنها كنز.
وهذا كله في المقسم به من الله تعالى، أما المقسم عليه، فتذكره الآيات التالية.
يتبع غداً إن شاء الله...