هل يدخل ظل العرش في إطار قوله تعالى: «لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ»؟ (2)

alarab
باب الريان 16 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
أشارت الحلقة الماضية إلى أن رحمة الله تبارك وتعالى تشمل المسلم من مبتدئه لمنتهاه، خصوصا حين يكون في إدبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة، وفي مواقف القيامة المختلفة. وأشرت إلى عدة أحوال إكرام، واليوم أذكر منها: 5 – أنه يبعث يوم القيامة على الهيئة التي مات عليها: فالمؤمن يبعث في حال موته: ملبيا، أو ساجدا، أو تاليا للقرآن أو نحو ذلك، ففي مسلم عن جابر رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (يُبْعَثُ كُلُّ عبد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) وهذا دليل رحمة، وإكرام، وبشارة عاجلة بالجنة. 6 - ومن مظاهر رحمة الله تعالى عبده، وإكرامه إياه أن يُظله بظل عرش الرحمن في الموقف: فلا يتأذى، كما في أحاديث هذه الدراسة. 7 – يشرب من حوض الحبيب صلى الله عليه وسلم: ففي حديث البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (أنا فَرطُكُم - أي أتقدمكم - على الحوض؛ فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا...). 8 - يعطي نوره بين يديه وبيمينه وبوجهه: يقول تعالى في سورة الحديد- 12: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم؛ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي من تحتها الأنهار، خالدين فيها؛ ذلك هو الفوز العظيم) وفي سورة التحريم:8: (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وفي السلسلة الصحيحة ورد حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (...فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة، ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفئ قام). وفي الصحيحين عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنهُ قالَ: (إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّا مُحَجَّلِينَ، مِن آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) وفي لفظٍ لِمسلمٍ: (سمعتُ خَلِيلِي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ: (تَبلُغُ الْحِلْيَةُ مِن الْمُؤْمِنِ، حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ). 9 – يلقى عليه الرحمن كنفه ويستره: ففي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (يدنو أحدكم من ربه تعالى، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم). 10 – يتلقى كتابه بيمينه: يقول تعالى: الحاقة: 19-24: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه. إني ظننت أني ملاق حسابيه. فهو في عيشة راضية. في جنة عالية. قطوفها دانية. كلوا واشربوا هنيئا؛ بما أسلفتم في الأيام الخالية). 11 – يهون الله تعالى مروره على الصراط: ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه الطويل الذي رواه الحاكم وغيره بسند صحيح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (...ويمرون على الصراط - والصراط كحد السيف، دحضٌ مزلة - فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخرُّ يد، وتعلق يد، وتخر رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أرانا، لقد أعطانا الله ما لم يُعط أحدا). 12 - لا يسمع صوت النار، ولا يحس لهيبها: يقول تعالى في سورة الفرقان:12: (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا)، ويقول تعالى في سورة الأنبياء:100-102: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها، وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة: هذا يومكم الذي كنتم توعدون). 13 - يكون مع جماعة المؤمنين. عن تمايز المؤمنين عن الكافرين عن المنافقين، يقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة يس:59: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) مخبرا عما يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة؛ من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى: يتميزون عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا، ثم نقول للذين أشركوا: مكانكم أنتم وشركاؤكم، فزيلنا بينهم) يونس: 28، وقال تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) الروم: 14، (يومئذ يصدعون) الروم: 43 أي: يصيرون صدعين، أو فرقتين (احشروا الذين ظلموا، وأزواجهم، وما كانوا يعبدون. من دون الله، فاهدوهم إلى صراط الجحيم) الصافات: 22،23. 14 - وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم والنجاة من العذاب الأليم: يقول تعالى: (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم) التوبة: 21-22، قال في التحرير والتنوير: بيان للدرجة العظيمة التي في قوله: (أعظم درجة عند الله) فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم. بل إنهم عند منقلبهم إلى الجنة يكونون أبصر بها من دورهم في الدنيا؛ يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى، في تفسير قوله تعالى: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) محمد:6، أي إذا دخلوها يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين. وفي البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض - مظالم كان بينهم في الدنيا - حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا! ومن لطيف تأويل قوله تعالى (عرّفها لهم) ما قاله سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: عرفها لهم أي: طيبها لهم بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف، وهو الرائحة الطيبة.