القرآن اهتمَّ بمحاربة الظلم والظالمين وذكر ما أعدَّ الله لهم من سُوءِ العقاب

alarab
باب الريان 16 أغسطس 2011 , 12:00ص
مصير الظالمين: { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} يأتي الشوط الأخير من هذه السورة الذي يشتمل على آياتٍ كلِّها وعيد، نحن نعلم أن القرآن دائمًا ينزل بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ولكن هذا الشوط من الآيات، كله وعيد وتخويف؛ لأنه يتعلق بمصاير الظالمين، ولا نجد كتابًا كالقرآن اهتمَّ بمحاربة الظلم، ومقاومة الظالمين، والتَّحذير من شرِّهم، وما أعدَّ الله لهم من سُوءِ العقاب في الدنيا والآخرة، لأنَّ القرآن الكريم يهتمُّ بهذه القضية غايةَ الاهتمام. مَنْ قرأ القرآن مكيَّه ومدنيَّه وجد فيه العناية بكراهية الظلم، وما ينتظر الظالمين من سُوء المصير في الأُولى وفي الآخرة، ولذلك تكرَّرت كلمة (الظلم) باشتقاقاتها المختلفة: الماضي والمضارع، واسم الفعل، والفعل المبني للمعلوم والمجهول، ظَلَم وظُلم، والظالمون والظالمين، عشرات بل مئات الآيات الكريمة في هذه القضية؛ لأنَّ الظلم هو أساس خراب الدين والدنيا معًا، والإسلام يحب من المسلم ألا يكون ظالمًا، وألا يكون عَوْنًا لظالم، فلا يكفي من المسلم ألا يكون ظالمًا، بل لا يكن ظالمًا ولا يكن سندًا لظالم، لا يكن له عونًا بل لا يركن إليه، مجرَّد الركون – أي الميل للظَلمة – يُعَّرضك للخطر للنار، كما قال الله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } [هود:113]. الظلم سبب الهلاك في الدنيا: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف:59]. سببُ الخراب - خراب الديار والبيوت – كما قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا } [النمل:52]. الظلم سببُ كلِّ شر، ولذلك القرآن أعلمنا أنَّ الله لا يحب الظالمين، ولا يهدي القوم الظالمين، وأنَّ الله لا يجعل للظالمين فلاحًا: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [الأنعام: 21، 135]. [يوسف: 23]. [القصص:37].. {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه:111]، آياتٌ كثيرة تحذِّر من الظلم، ومن شرور الظالمين، وتعدهم بأسوأ المصير في الدنيا وفي الآخرة. ربما لم يصب الظالمين في بعض الأحيان في الدنيا جزاء ما ظلموا، أحيانًا – بل في أغلب الأحيان – الظالم ينال جزءًا من مصيره في الدنيا قبل الآخرة، هذا الأغلب، ولكن أحيانًا يترك الله الظَّلَمَة إلى الآخرة، كما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } [الأعراف:182،183]. يُملي لهم: يُمهلهم، ولذلك شاع حتى في لغتنا العامية: أنَّ الناس يقولون: (يمهل ولا يُهمل). يُمْلي لهم: يُمهلهم فترةً من الزمان، ثم تأتي نقمة الله تعالجهم بما لا يخطر ببالهم، وفي هذا جاء الحديث الصحيح: «إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلته، قال: ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] «، يُملي لهم، ثم يأخذهم أخْذًا أليمًا شديدًا، أخْذَ عزيز مُقْتدر، هذا صُنْع الله عزَّ وجل، وهذا رأيناه في دنيانا، رأينا كثيرًا من الظالمين، يلقَوْن مصارعهم أمامنا، وكانوا يظنُّون أنهم بعيدون عن العقوبات، مطمئنون إلى أنهم بمنجاة. كنا في السجن الحربي، وكان قائد السجن حينما يقول البعض: يا رب يا رب يقول: (هات لي ربَّك وأنا أحطه في زنزانة)، وبعد هذا مات شرّ ميتة ومُزِّق شرَّ ممزق! من أنت أيها الإنسان؟ اللهُ سبحانه وتعالى أحيانًا ينتقم من الناس في هذه الحياة، يأخذ بحقِّ المظلومين؛ لأنَّ المظلوم يدعو والله سبحانه وتعالى يستجيب له، كما جاء في الحديث: «ثلاثة لا تُرُدُّ دعوتهم: الإمامُ العادل، والصائمُ حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويقول الرب: وعزَّتي وجلالي لَأَنْصُرَنَّك ولو بعد حين»، المظلوم يستجيب الله تعالى له: لا تظلمنَّ إذا ما كنتَ مقتـدرًا فالظلمُ ترجعُ عُقباه إلى النَّدم تنام عيناك والمظلومُ مُنْتبهٌ يدعُو عليك وعينُ الله لم تَنَمِ كثيرًا ما يعيش الظالمون في بحبوحة من النِّعم، ويُخيَّل إليهم أنَّ الأقدار نَسِيتهم: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]. يقول الله تعالى في شأن هؤلاء: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أغدق عليهم من الخيرات والنعم عن يمين وشمال {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } [الأنعام:44]. ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع. لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ فلا يُغَرَّ بطيبِ العيش إنسانُ {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:44، 45]. وانظر إلى كلمة: { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قَطْع دابر الظالمين، يدلُّ على أنَّ هنالك ربًا لهذا العالم يُدبِّره، ولا يتركه للجبابرة والظالمين والمستبدّين والمستكبرين في الأرض يعبثون في الأرض، لا هناك يتدخَّل القدر الإلهي فيذيقهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة. ولكن أحيانًا يتركهم الله إلى الآخرة، مَنْ أراد الله أن يشتدَّ عذابه ويدَّخر له كل العذاب في الآخرة لا يُعذِّبه في الدنيا، مَنْ عذَّبه في الدنيا خفَّف عنه، ولكن الذي يدَّخر له كلَّ العذاب في الآخرة، يتركه إلى النهاية، ويموت وهو حاكم وظالم، وهو غنيٌّ عنده من الأموال ما عنده، وعنده من الخدم والحَشَم والقصور، وقد ظلم الناس وبغى في الأرض بغير الحق، ولكن يكون العقاب في الآخرة. كمال العدل الإلهي: الآخرة هي التي يتحقَّق فيها كمال العدل الإلهي، الدنيا قد لا يحدث فيها كل العدل، قد يظلم الظالم، ويقتل القاتل، ويسرق السارق، ويستبد المستبد، ويعبث بأرزاق الناس وأموالهم وأعراضهم، ويفعل ما يفعل، ويسفك الدماء، ويظنّ أنَّ يد العدالة قد غَفَلت عنه، وأنَّ العدالة في الدنيا لم تَنَلْه فكذلك العدالة في الآخرة، وهَيْهات هَيْهات، الآخرة هي التي يقوم فيها العدل والقسطاس المستقيم، تُوفَّى فيها كلُّ نفس ما كسبت: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة7،8]. من لم يَرَ جزاءه في الدنيا وقد فعل الخير، ولم يَلْقَ إلا التنَّكُّر والاضْطهاد وربما قتله الناس ظلمًا؛ سيجد جزاءَه على أعماله الصالحة في الآخرة. ومن أفسد في الأرض، فظلم وطغى وبغى على عباد الله، وأكل أموال الناس بالباطل وأكل حقوق الناس، سيأخذ جزاءه في الآخرة، العدل الإلهي يتحقَّق في هذه الدار:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أم نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أم نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:27، 28]. هيهات، لا يمكن، ولذلك الظالمون ينتظرهم يوم هائل، ومن هنا قال الله تعالى لرسوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42].لا، الله ليس بغافل عنهم، إنه يراقبهم، إنه مُطَّلع عليهم، إنه يعلم سرَّهم ونجْواهم، إنه يعلم السرَّ وأخْفى، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك:13، 14]. {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} إنه يؤخِّرهم وهو عالمٌ بهم. المقصود بالخطاب في قوله سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا} الخطاب للنبيِّ – عليه الصلاة والسلام – ولكن المقصود غير النبيّ، (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)، الرسول لا يظنُّ بالله أبداً أنه غافل، ولكن هذا كما جاء في الآيات الأخرى: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يونس:105]، {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} [الشعراء:113]...إلخ. فالمقصود غير النبي صلى الله عليه وسلم. حال الظالمين في الآخرة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} لا والله ما هو بغافل، إنه مُطَّلع على كلِّ ما يفعلون. {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم:42]. إنَّه يومُ القيامة، يوم تَشْخَص فيه الأبصار، العيون تنظر أمامها كأنها مفتَّحة ولا ترى. {مُهْطِعِينَ}: مسرعين، كما قال تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر: 7، 8]. {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} هل مقنعي: خافضي رؤوسهم أو رافعي رؤوسهم؟! اختلف المفسِّرون، وعلى كلِّ حال فهم لا يستطيعون أن يتحرَّكوا لا يَمْنةً ولا يَسْرةً، إن كانوا رافعي رؤوسهم أو خافضيها. {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} الأبصار لا تَتَحرَّك كأنها مُسمَّرة مجمَّدة، {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} خِلْوٌ من كلِّ شيء – فراغ – كما يقولون عن الرجل الجبان: إنَّ قلبه فارغ، قلبه خِلْوٌ من كلِّ شيء، وهؤلاء من هَوْل الآخرة هَوْل القيامة، جعلهم كما وصفهم الله. أوصاف القرآن ليوم القيامة تجعل هذا اليوم يومًا عظيمًا: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [المطففين:4-6]. {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }[الحج:2]. هذا هو هول اليوم العظيم الذي ينتظر الظالمين. المراد بالظلم في هذه الآيات: هل الظلم هنا هو الشِّرك كما قال تعالى على لسان لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان:13]. هل ظُلْم هؤلاء أنهم أشركوا بالله ما لم يُنزِّل به سلطانًا وعَبَدوا مع الله أو من دونه آلهةً أُخرى لا تُبصر ولا تَسمع، ولا تَضُرُّ ولا تنفع، ولا تَمْلك مَوْتًا ولا حياةً ولا نشورًا، هل هذا هو الظلم؟ أم الظلم هو الاعتداء على خَلْق الله، على حُرُمات الناس، على أنفسهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم وذراريهم؟ الظلمُ يشملُ هذا وهذا، والله تعالى يُحرِّم الظلم بمعنى الشِّرك، ويُحرِّم الظلم بمعنى الاعتداءِ على خلق الله. خطورة ظلم الضعفاء: لا يُجيز الإسلامُ أن يعتديَ أحدٌ على أحدٍ، خصوصا العدوان على الضعفاء، وكُلَّما كان الإنسان أضعف كان ظلمه أشدّ وإثمُه أعظم. وفي الحديث القدسي» اشتدَّ غضبي على مَنْ ظلم مَنْ لا يجد ناصرًا غيري»، هناك مَنْ يُظلم ولكن له قبيلة تسنده، له ظهره، كما يقول الناس: الذي له ظهر ما يضرب على بطنه، ولكن هناك من ليس له ظهر وليس له سند. هذا ظلم من أشدّ الظلم، وعقابُه من أشدِّ العقوبات عند الله عزَّ وجل. كلُّ أنواع الظلم مُحرَّمة، ظلمُ النفس حتى بالمعصية، كلُّ هذا يدخل في الظلم، حينما أسكن الله آدم الجنَّة وزوجته قال له: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شئتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } [البقرة:35]. الظلم هنا ظلم النفس بالمعصية، ولذلك حين أكل آدم وحواء من الشجرة: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 33]. أنواع الظلم: الظلم أنواعه مختلفة، كما جاء في بعض الأحاديث: «ظلمٌ لا يغفره الله»: الشِّرك {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]، «وظلم لا يتركه الله»: ظلم العباد بعضهم لبعض، هذا لا يترك، لأنَّ كلَّ واحد متمسِّك بحقِّه، يقول: حقِّي حقي، لا يتنازل أحدٌ لأحدٍ في يوم القيامة، «وظلم لا يبالي به الله»: ظلم العباد فيما بينهم وبين ربِّهم». كل أنواع هذه المظالم مرصودة يوم القيامة، مؤخرة ليوم القيامة. إنذار الناس من يوم إتيان العذاب: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} الخطابُ للنبيِّ – عليه الصَّلاة والسلام – أنْذِر الناسَ كلَّ الناس أو أنذر هؤلاء الظالمين؟! اللفظ يحتمل، وقد بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، ولكن كما قلت: هذه الآيات في مقام الوعيد لا تقتضي التَّبشير إنما تقتضي الإنذار:{وَأَنْذِرِ النَّاسَ}، حينما يكون الناس في موقف الظلم، موقف الطغيان لا يليق بهم إلا الإنذار. والسورة حدَّثتنا عن الظالمين: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] وحدَّثتنا عن عاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، ولذلك فاللائق بهذا الموقف وبهذا المقام الإنذار، لكلِّ مقامٍ مقال، وهذا المقام يقتضي الإنذار لا التَّبشير. طلب التأخير يوم القيامة إلى أجل قريب {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} أين كنتم من قبل؟! حينما جاءَهم العذاب، وحقَّت عليهم كلمة الله، قالوا: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أمهلنا، أعطنا فُرصةً ثانية: {نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} هكذا نجد الناس يَتَمنَّون هذه الفرصة حينما فاتتهم الفرصة. ينبغي أن يكون القول ويكون العمل في الوقت المُجْزي، إنما إذا قلت قولاً بعد فوات الأوان فإنه لا يجدي شيئاً، كما قال الله تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا} [الطور:16] لا ينفعكم الصبر. الصبر ينفع في وقت، وفي وقت لا ينفع، التَّمنِّي ينفع في وقت، وفي وقت لا ينفع. تمني التأخير حين الاحتضار بعض الناس حين يأتي الموت، حينما يحتضر، يتمنَّى أن يُمهله الله وقتاً آخر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ*وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ*وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 9-11]. اتركني شهرًا، اتركني أسبوعًا، اتركني يومًا، اتركني ساعةً، اتركني نصف ساعة، اتركني خمس دقائق، يتمنَّى أن يُمْهَل أي شيء: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون:11] انتهى الأجل فلا يستأخرون ولا يستقدمون، لا يستأخرون ساعة، لحظة. وجاء أيضًا في سورة المؤمنون: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100]. يَتَمنَّى الإنسان أن يرجع إلى الدنيا. قد كنتَ في الدنيا، وكانت أمامَك الفرصة بعد الفرصة، لكنك لم تنتفع بها! أحيانًا يتمنَّى الإنسان عند الموت، ويتمنَّى في يوم الموقف –يوم القيامة– كما في هذه الآية: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}، ويتمنَّى بعد أن يدخل النار ويَصْطلي حرَّها وعذابَها، كما قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر:37]. أخرجنا منها، أعطنا فرصة أخرى: {نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} نعطكم من العمر {مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} أعطيناكم عمر خمسين سنة، ستين سنة، سبعين سنة، ثمانين سنة {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} وحَذَّركم وتلا عليكم آياتِ الله ورَغَّبكم ورَهَّبكم {فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}. بعض هذه التمنيات ردَّ الله عليها بمثل هذه الآيات: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّر} [فاطر: 37] وبعضها لم يرد عليها: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ*رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ*قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:106-108]. انتهى الأمر، لم يعد هناك مجال للحديث، اخسئوا فيها ولا تكلمون. الإنسان أمامه الفرصة في الدنيا أن يتوب من معاصيه، أن يثوبَ إلى رُشده، أن يرجع إلى ربِّه، أن يقف على بابه، أن يقول ما قاله أبوه آدم وأمُّه حواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23]. ولكنَّ الإنسان ضَيَّع هذه الفُرصة، وجاء يوم القيامة يقول: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}. والله تعالى يقول في شأن هؤلاء: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]. هم يقولون أخِّرنا، لكنَّهم حين يعودون ستغلِبُ عليهم أنفسهم الشريرة ويعودون إلى ما كانوا عليه. {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} ردَّ الله عليهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} حَلَفتم بالأيْمان المُغَلَّظة أنكم لن يزول عنكم ما أنتم فيه من نعيم، حتى ولو متُّم لن تدخلوا النار، ولن يعاقبَكُم الله!! بعضهم يقول إنه لن يبعث {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل:38]. والبعض قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36] حتى ولو متّ ورجعت لأجدنَّ خيرًا ممَّا كنتُ فيه منقلبًا، خيرًا من الحديقة جنَّته هذه، سوف تكون آخرتي أحسن من الأولى! هؤلاء مغرورون، غرَّتهم أنفسهم، وغرَّتهم الأمانيّ، وغرَّهم بالله الغَرور. {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} السكن في مساكن الظالمين وعدم الاعتبار بهلاكهم، سكنتم في مساكن الظالمين الذين هلكوا من الأمم السابقة التي كفرت بالله وكذَّبت رُسَلَه، وفعلت ما فعلت من مظالم ومآسٍ، حتى نَزَل بهم عقاب الله، كما قال الله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ*وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم:13، 14]. الظالمون سَكنوا بعد ذلك، سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أما المؤمنون فاعتبروا. لم يعتبر الظالمون والمشركون بدروس الماضين، لم يأخذوا درسًا لما حدث بمن قبلهم، فأصابهم ما أصاب من قبلهم: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود:60]. {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ*كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود:67، 68]. أراكم الله كيف أهلك الظالمين: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} في القرآن الكريم: {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} وحتى الأمم السابقة، لأنَّ هذا سيكون للظالمين في كلِّ الأمم، كل الظالمين في الأمم سيُؤخِّرهم الله ليومٍ تَشْخَصُ فيه الأبصار، ليس يوم القيامة للظالمين فقط من أمَّة محمد، بل كلُّ الأمم السابقة منذ خل