الطلحاوي: 8 فروق بين الابتلاء والعقوبة
باب الريان
16 يوليو 2015 , 06:38ص
الدوحة - العرب
ذكر الشيخ جعفر الطلحاوي، الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (8) فروق بين الابتلاء والعقوبة من الله للإنسان، وحدد الفروق في فتوى جديدة على النحو التالي:
الفرق الأول: من حيث زمن الوقوع، فإن الابتلاء يكون في الدنيا التي هي دار الابتلاء، وأما العقاب فإنه يكون في الدار الدنيا وفي الدار الوسطى (البرزخ أو القبور) وفي الآخرة.
ومن الآيات الشاهدة على ذلك، أعني وقوع العقاب في الدنيا والآخرة قوله تعالى عن جزاء من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر بالبعض الآخر «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86). [البقرة]، وقوله تعالى حكاية عن فرعون (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) [القصص]، وقوله تعالى حكاية عن مصير عاد قوم هود عليه السلام: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)) [هود].
وعن وقوع العقاب في الدار الوسطى (القبور) قال تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)) [غافر].
الفرق الثاني: من حيث السبب والباعث. فإن الابتلاء يكون لاختبار حال الإنسان، أما العقاب فلا يكون إلا جزاءً على الذنب.
أما كون البلاء فيه اختبار حال الإنسان فكما في قوله سبحانه (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك: 2]، وقوله عز وجل: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف: 7].
والابتلاء يكون لاختبار حال الإنسان، أما العقاب فلا يكون إلا جزاءً على الذنب. عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلاَّ بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ، وَقَرَأَ (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). [الشورى: 30]، حكم الألباني: (حديث حسن) صحيح الجامع حديث رقم: 7732. وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَا اخْتَلَجَ عِرْقٌ وَلَا عَيْنٌ إِلَّا بِذَنْبٍ. وَمَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ»، (حديث صحيح) صحيح الجامع رقم: 5521.
وعند الزبير بن بكار في الأنساب بإسناد له، أن العباس لما استسقى به عمر قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة».
ومن صور العقاب على الذنوب: زوال النعم ونزول العذاب والدمار، فالمعاصي تزيل النعم. وقد أنشد أبو الحسن الكندي قوله:
إذا كنت في نعمة فارعها... فإن المعاصي تزيل النعم
ويكون زوال النعم عقابا، وهذه أمثلة ثلاثة في القرآن الكريم:
- صاحب الجنة المغرور في سورة الكهف قال تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبداً (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43))[الكهف].
- مثل القرية الآمنة المستقرة الرغدة بالإيمان، فلما بدلوا نعمة الله كفرا زال عنهم رغد العيش، ونعمة الأمان: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل: 112].
- قبيلة صالح عليه السلام بذنبها استأصلها الله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إذ إنبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)) [الشمس: 11-15].
الفرق الثالث: كل عقوبة بلاء وليس كل بلاء عقوبة
كل عقوبة بلاء وليس كل بلاء عقوبة، لقد سمَّى الله تعالى ما أنزله بأصحاب الجنة في سورة القلم من حرمانهم من محصولها، وهم في طريقهم لجني الحصاد، أحرقها الله تعالى ليلا، سمَّى الله تعالى ذلك بلاء كما في صدر القصة (بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ).. (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)) [القلم: 17-33]. انظر، كيف حصل لأصحاب الجنة المذكورة قصتهم في سورة القلم في الآيات السابقة، فقد حرموا منها بسبب همهم بحرمان الفقراء منها.
وليس كل بلاء عقوبة بدليل أن الضر الذي نزل بأيوب عليه السلام لم يكن عقابا وإلا فما هو الذنب الذي اقترفه، فدون خرط القتاد إثبات ذلك حتى يُقال: إن هذا الضر كان عقوبته، فضلا عن قيله؟؟
قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) [الأنبياء].
العاصي: قد يضيق عليه ويحرم من الرزق بسبب المعاصي، كما في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذنب الذي يُصِيبُهُ وَلَا يُرَدُّ الْقَدْرُ إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَلَا يزيد في العمر إلا البر الصحيحة» (154)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (2/ 235).
وكما حصل لأصحاب الجنة المذكورة قصتهم في سورة القلم، فقد حرموا منها بسبب همهم بحرمان الفقراء منها. كما سبق أن ذكرنا.
وقد يوسع الله على العاصي استدراجا له، ثم يعاقبه بعد ذلك، في الحديث الصحيح عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ; فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ لَهُ اسْتِدْرَاجٌ». ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 44]. (صحيح) صحيح الجامع حديث رقم: 561.
كما أنه قد يعاقب الفاجر بقلتها في يده، وقد تكثر في يده أيضا استدراجا ويعاقب بالقلق النفسي والأزمات القلبية، نعوذ بالله. ويشهد لهذا قوله تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [التوبة: 55].
الفرق الرابع: الابتلاء عام للمكلفين من الجن والإنس، فهو يقع على الأنبياء والصالحين، كما في الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ ثمَّ الأَمْثَلُ فالأَمْثَلُ يُبْتَلى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ فإِنْ كانَ فِي دِينِهِ صُلْباً اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وإنْ كانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ على قَدْرِ دِينِهِ فَما يَبْرَحُ البَلاءُ بالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأَرْضِ وَمَا عليهِ خَطِيئَةٌ». (صحيح) صحيح الجامع حديث رقم: 992.
أما العقاب فإنه خاص لأنه ينزل بأهل الذنوب والمعاصي فقط. قال تعالى:
1- (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)) [آل عمران].
2- (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)) [العنكبوت].
3- (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)) [الشمس].
الفرق الخامس: الابتلاء قرينة محبة الله تعالى للعبد وليس كذلك العقاب. عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مَع عِظَمِ البَلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابْتَلاهُمْ، فَمنْ رَضِيَ فلَهُ الرِّضا، ومَنْ سَخِطَ فله السخَطُ». صحيح الترغيب والترهيب (3/ 331).
قال تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)) [الزخرف].
الفرق السادس: الابتلاء يكون عاما، أي يكون بالخير ويكون بالشر ويكون بما يُحب المرء وبما لا يُحب..
قال تعالى:
1- (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف: 168]، في التفسير: أي اختبرناهم بالخصب والعافية، والجدب الشديد، والخصب والعافية والنماء أمر محبوب للنفوس بينما الجدب والقحط تنبو عنه النفوس.
قال القرطبي في تفسيره لقول الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ) [البقرة: 124]، والابتلاء: الامتحان والاختبار. انتهى.
البلاء والابتلاء واحد والفرق أو الخلاف بينهما لفظي والمراد به الاختبار والامتحان ولا فرق بينهما؛ إلا أن «ابتلى» آكد لزيادة مبناها بالتاء، فالكلمة العربية إذا زيد في مبناها زاد ذلك من معناها كما يقول علماء اللغة. ومن أمثلة ذلك أمر الله تعالى للخليل بذبح ولده إسماعيل (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)) [الصافات]. لقد كان الأمر بالذبح بلاء للاختبار فقط، ولم يرد الله تعالى إنفاذه، بل كان للابتلاء والاختبار، ولو أن هذا الأمر أراد الله تعالى إنفاذه كان لا بد أن ينفذ، ولم يتدارك الله إسماعيل بهذا الكبش الفداء. إذاً قد كان هذا ابتلاء للاختبار فقط، فلما اجتاز الخليلان الاختبار رفع الله تعالى البلاء.
2- (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35].
3- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [الأحزاب]. يوم الأحزاب كان البلاء شديدا على حسب تصوير الله تعالى في هذه الآيات الكريمة وسماه الله تعالى ابتلاء.
4- عندما وصل عرش بلقيس من اليمن إلى الشام بين يدي سليمان عليه السلام قبل أن يرتد إليه طرفه قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أم أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 40].
5- (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) [الفجر]. الابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية، وَيُقَال للنعمة بلَاء لِأَنَّهُ يسْتَخْرج بهَا الشُّكْر وهو طاعة مأمور بها (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلى الْمَصِيرُ) [لقمان]. وإن جحد كان عاصيا، ولقد سمَّى الله تعالى في آية الفجر كلا من التوسعة في الرزق والتضييق ابتلاء، والهدف الشكر حال التوسعة، والصبر حال التضييق. وفي الصحيح عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» صحيح مسلم (4/ 2295)، 53- كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ 13- بَابُ الْمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ. لهذا فإن المؤمن المستقيم على الطاعة يعتبر ما يحصل من ضيق الرزق وتقليل الأشياء المادية في يده ابتلاء من الله له، وبصبره عليه يعظم الله أجره ويعطيه الخير الكثير، ويكون سعيدا مع ذلك، كما يدل عليه قول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل]. وفي الصحيح «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»، صحيح مسلم (2/ 730) 12- كِتَاب الزَّكَاةِ 43- بَابٌ فِي الْكَفَافِ وَالْقَنَاعَةِ.
(كفافا) قال في النهاية: الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه.
الفرق السابع: الابتلاء يكون لرفع الدرجات ومضاعفة الأجر والعقاب يكون تكفيرا للسيئات، وشتان بين الأمرين.
نعم، الابتلاء يكون لرفع الدرجات دليله في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ الرجُلَ لَيكونُ له عندَ الله المنزِلَةُ، فما يَبْلُغها بِعَمَلٍ، فما يَزالُ يَبْتَليهِ بما يَكْرَهُ حتّى يُبْلِغَهُ إيَّاها». صحيح الترغيب والترهيب (3/ 331).
وعن محمد بن خالدٍ عن أبيه عن جده -وكانت له صحبةٌ مِنْ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إنَّ العبدَ إذا سبَقتْ له مِنَ الله منزلةٌ فلَمْ يَبْلُغْها بعَملٍ؛ ابْتَلاهُ الله في جسَدهِ أوْ مالِه أو في وَلدِه، ثُمَّ صبَر على ذلك حتى يُبلِغَهُ المنْزِلَة التي سَبَقتْ له مِنَ الله عزَّ وجلَّ».[صحيح لغيره] صحيح الترغيب والترهيب (3/ 332).
العقوبة: تكفير للسيئات، دليله قول الله تعالى:
1- (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79].
2- (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: 123].
3- (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى 30].
الذنوب من الأسباب المباشرة لنزول المصائب والعقوبات. وفي الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» صحيح البخاري (7/ 114)، 75- كِتَابُ المَرْضَى بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ. أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن.
وفيه أيضا: عَنْ عبداللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ» قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» صحيح البخاري (7/ 115)، 75- كِتَابُ المَرْضَى بَابٌ: أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، وقد جمع هذا الحديث بين الأمرين، بين كون البلاء لرفع درجات ومضاعفة أجور الصالحين من الأنبياء والأولياء الأمثل فالأمثل، وبين كون من دونهم يكون البلاء عقوبة تكفيرا لسيئاتهم.
الفرق الثامن: في أثر كل من البلاء والعقاب على كل من المؤمن وغيره:
المؤمن الصالح يعقل ويتفكر، ويحاسب نفسه ويراجع ربه، ويعلق قلبه بالله تعالى، فهو وحده كاشف الضر لعقيدته الصحيحة في الله (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنعام: 17]. (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107]. بينما غير المؤمن لا يحاسب نفسه، ولا يراجع ربه، ولا يدري فيما أصيب، ولا فيما عوفي، وما الذي يتوجب عليه في الحالين. في شعب الإيمان للبيهقي عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ عَلَى صَدِيقٍ لَهُ نَعُودُهُ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا ابْتَلَى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَلَاءِ ثُمَّ عَافَاهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى، وَمُسْتَعْتَبًا فِيمَا بَقِيَ. وَإِنَّ الْفَاجِرَ إِذَا أَصَابَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَلَاءِ ثُمَّ عَافَاهُ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ، لَا يَدْرِي فِيمَا عَقَلُوهُ، وَلَا فِيمَا أَطْلَقُوهُ»، شعب الإيمان (12/ 312).
ويشير إلى ذلك الحديث الصحيح: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالأرْزَةِ، لا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً»، صحيح البخاري 68- كتاب المرضى- ما جاء في كفارة المرضى، وقوله تعالى: (من يعمل سوءًا يجز به)، أخرجه مسلم.