العشر الأواخر بين الحاجة إلى التسوق.. والاعتكاف بالمساجد وتحري ليلة القدر
باب الريان
16 يوليو 2015 , 06:37ص
محمد سيد احمد
بما أن شهر رمضان شهر الخير والبركة والعبادة، وأيامه كلها فرصة للتزود من الطاعات، إلا أن العشر الأواخر منه تتأكد فيها العبادة أكثر تحرِّيا لليلة القدر التي قال الله تعالى في حقها {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} لذا يحرص بعض الصائمين على إحياء سنة الاعتكاف في العشر الأواخر والانقطاع للعبادة، حتى يودّع شهر رمضان بكل ما يليق به، وحتى يظفر بقيام ليلة يعدل قيامها عبادة 83 سنة.
ولتداخل المسؤوليات لدى البعض في هذه الأيام والليالي بسبب قرب عيد الفطر والاستعداد له من طرف الجميع، ينشغل البعض عن مواصلة ما بدأه في شهر رمضان، مبتدئا في رحلة التسوق وشراء مستلزمات العيد التي تأخذ من الجميع معظم أوقاتهم في العشر الأواخر لعدة أسباب أرجعها البعض إلى زحمة السير الخانقة والتنقل ما بين الأسواق بحثا عن سعر أفضل، ما جعل بعض الدعاة يستغرب تراجع أعداد المصلين في المساجد في العشر الأواخر التي من المفترض أن يزيد عددهم فيها طلبا للرحمة وحرصا على الفوز بثواب قيام ليلة القدر.
وتباينت آراء البعض حول الطريقة التي يقضون بها أوقاتهم في العشر الأواخر، فمنهم من عوّد نفسه على شراء مستلزمات العيد قبل بداية رمضان ليتفرغ فيه للعبادة والاعتكاف في العشر الأواخر منه، ومنهم من يقسم وقته في العشر الأواخر بين التسوق والقيام، متعللا بأن الأسواق لا تعرض بضاعة عيد الفطر إلا في العشر الأواخر، كما أن العروض والتنزيلات على بضائع العيد عادة ما تبدأ مع بداية هذه الليالي المباركة، فكيف يقضي الجمهور وقته في العشر الأواخر؟
اعتكاف جماعي
يقول عبدالله الهاجري: إنه وبعض زملائه يضعون برنامجا للاعتكاف في العشر الأواخر، وعادة ما يختارون مسجدا في إحدى المناطق البعيدة عن منازلهم حتى ينقطعوا للعبادة، فهذه فرصة العمر التي لا ينبغي على عاقل أن يضيعها من وجهة نظره، وأردف: كانت العشر الأواخر من شهر رمضان فرصة للمسلم للتعويض عن أي قصور يقع منه فيما مضى من هذا الشهر الكريم؛ لذا تجد العديد من المسلمين يعتكفون فيها في المساجد طلبا للرحمة وتحريا لليلة القدر، وهو ما أقوم به أنا وزملائي منذ سنوات، فمن لم يذق طعم الاعتكاف لن يستوعب راحته النفسية والروحية، فنحن نتفق على الاعتكاف في مسجد غير الذي اعتكفنا فيه العام الماضي، لأننا نريد أن تشهد لنا هذه المساجد جميعا بالخير، لكن حرصنا يكون أكثر على الاعتكاف في المساجد البعيدة من المنازل، والخطة تقتضي أن نتناوب إفطار المجموعة، بحيث يكون كل يوم على واحد يأمر أهله بإعداد مائدة الإفطار في المنزل وإرسالها مع السائق ليوصلها لنا في الوقت المحدد، وهكذا حتى تنتهي العشر الأواخر، ونصلي صلاة العيد، بعدها يعانق بعضنا البعض ونتسامح ويدعو بعضنا لبعض، ثم نلتحق بعائلاتنا، علما أن من يرغب في المحافظة على سنة الاعتكاف عليه أن يبدأها بالاعتكاف يومين، وثلاثة، حتى يعرف قيمتها، بعد ذلك سيعتكف العشر الأواخر بكل يسر وسهولة.
تداخل المسؤوليات
بدوره يرى إبراهيم الشمري أن تداخل المسؤوليات على أرباب الأسر وزحمة السير الخانقة في العشر الأواخر جعلته يعتكف النصف الثاني من العشر الأواخر، وأحيانا في الليالي الوتر فقط، ويخصص بقية وقته فيها للتجهيز لعيد الفطر ومرافقة العائلة إلى الأسواق لتجهيز ملابس الأطفال، وأضاف: ما يشغل بالنا وبال الجميع هو استغلال هذه الليالي المباركة في الطاعات وقيام الليل، لكن لأرباب الأسر إكراهاتهم التي تفرض عليهم الموازنة بين متطلبات الأسرة، ومتطلبات العبادة، وفي اعتقادي -بحسب ما سمعت من العلماء- أن لا تعارض بين الأمرين عندما نستحضر النية في كل ما نقوم به، فنحن لا بد لنا من تخصيص وقت للعائلة والذهاب إلى الأسواق لشراء ملابس العيد ومستلزماته، وهذا ما يحول بيننا وبين الاعتكاف طوال هذه الليالي كما يفعل بعض الخيرين من شبابنا العزاب وغيرهم ممن تختلف ظروفهم عن ظروفنا، لكن بإمكان المسلم الاعتكاف في الليالي الوتر على الأقل وقيامها حتى ينال ثواب ليلة القدر.
برمجة الوقت
وليد ناصر يقول: إن ترتيب الوقت وبرمجته يساعدان على إيجاد الوقت الكافي لقيام العشر الأواخر والاعتكاف فيها لمن يرغب في إحياء سنة الاعتكاف، فالبعض ينتهز فرصة العشر الأواخر للتفرغ من هموم الدنيا ومشاكلها والإقبال على الصلاة وقراءة القرءان، لكـــن ما أراه أن البعض الآخر يغفل عن أهمية الزمان وفضله ويركن إلى التسوق في هذه الليالي التي لا تعوض، فبالنسبة لأرباب العائلات يمكنهم ترتيب الأمور مع زوجاتهم قبل بداية شهر رمضان بأسبوعين، ويقوموا بزيارة السوق وشراء ملابس الأطفال وكل ما يلزمهم في عيد الفطر، كي يتفرغوا في هذا الشهر للعبادة، خصوصا العشر الأواخر التي يرى البعض أنها مناسبة للتسوق، متناسيا أن أفضل ليلة في الشهر، بل في العام كله توجد في العشر الأواخر وبالتالي على المسلم استغلال هذه الفرصة ليفوز بقيام هذه الليلة التي يعدل قيامها عبادة العمر كله وأكثر؛ لذا أنصح الجميع بالانتباه مستقبلا، إلى هذا الموضوع، واستغلال الوقت الذي يسبق حلول شهر رمضان للانتهاء من التسوق وشراء ملابس العيد، حتى يجدوا وقتا كافيا للاعتكاف في العشر الأواخر.
محدودية الخيارات
من جهته يرى سعيد الدسوقي أن التسوق قبل رمضان مفيد، لكن نظام الأسواق واستغلالهم للمناسبات يحدان من الخيارات ويفرضان على الجميع التسوق في العشر الأواخر، لأن المتسوق لن يجد ما يبحث عنه إلا في هذا الوقت، نظرا لبضاعة العيد التي تبقى في المخازن حتى الأسبوع الأخير من شهر رمضان، عندها تقوم الأسواق والمجمعات بإبراز بضاعة العيد ووضعها على الأرفف وعرضها على الجمهور والإعلان عن عروضها وتنزيلاتها، وهذا ما يجعل غالبية الناس يحرصون على التسوق في هذه الليالي الأخيرة من شهر رمضان الفضيل، لكن هناك من يحسن استغلال الوقت، فيقوم بالتسوق نهارا، خصوصا في الوقت ما بين صلاة الظهر وصلاة العصر، أو الوقت ما بين صلاة العصر وقبل موعد الإفطار، حتى يجد فرصة لصلاة القيام والمشاركة فيها، وهناك من لا تسعفه ظروفه العملية بذلك فيؤجل التسوق إلى ما بعد صلاة العشاء، لكن المشكلة في هذا الوقت هي زحمة السير الخانقة، خصوصا بالقرب من الأسواق، حيث يخرج الشخص إلى السوق بعد صلاة العشاء مباشرة، ولن يستطيع العودة إلى منزله قبل الساعة 1 ليلا ويكون الوقت قد انتهى على لحاقه بصلاة القيام، فالمشكلة في الأسواق واستغلالها لكل مناسبة على حدة، وليست في الجمهور المسلم الذي يتمنى أن يجد وقتا كافيا للتفرغ للعبادة في العشر الأواخر.
تحذير
في هذا المجال حذّر الداعية الشيخ عبدالله السادة من أن يسرق منا التسوق هذه الليالي المباركة وهذه الأوقات التي لا تعوض، وأضاف: علينا أن نعي أن عائشة رضي الله عنها وصفت حال النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وكان يجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في رمضان؛ لذا علينا أن ندرك أن المسلم مطالب بقضاء وقته جميعا في طاعة الله والابتعاد عن المعصية، لكن ما دامت الحسنة والسيئة تعظمان بحسب الزمان والمكان فإن المسلم مطالب باستغلال الفرص، وديننا الإسلامي هو دين الفرص الكثيرة التي يمنحها الله لعباده كي ينتهزوها لينالوا الأجر والثواب من الله، ففي السنة فرص، وفي الأشهر فرص، وفي الأسابيع فرص، وفي اليوم والليلة فرص، فبالنسبة لفرص اليوم والليلة فهي الصلوات الخمس التي يمحو الله بهن الخطايا ويرفع بهن الدرجات، وفي الأسبوع يوم الجمعة الذي توجد فيه ساعة لا يصادفها مؤمن يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وهناك فرصة الحج المبرور الذي محو عن الإنسان كل ما تقدم من ذنبه والذي ليس له ثواب إلا الجنة، كما أن شهر رمضان فرصة عظيمة، وأي فرصة، ففي كل ليلة من لياليه عتقاء من النار، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وهنا ألفت نظر المسلمين إلى أن هذه الليلة هي بكل تأكيد في هذا الشهر، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتماسها في العشر الأواخر، خصوصا في الليالي الوتر؛ لذا علينا أن نفرّغ أنفسنا في هذه الليالي، بل في هذا الشهر مما ليس بضروري من مشاغل الدنيا كي نفوز بمصادفة هذه الليلة المباركة، فقد كان بعض السلف الصالح يقوم ليالي السنة كلها تحريا لتلك الليلة، وعلينا ألا ننشغل بالتسوق في هذه العشر الأواخر، فالعاقل من إذا لاحت له فرصة خير انتهزها ولم يضيعها، وما نراه في كثير من الأحيان يبعث على الحسرة، ففي بداية شهر رمضان يقبل المسلمون على المساجد ويقضون جل أوقاتهم فيها، حتى إذا ما حلّت العشر الأواخر -خصوصا نصفها الأخير- التي هي أفضل ليالي الشهر تبدأ أعداد المسلمين في التراجع داخل المساجد، حتى لتعتقد أن الشهر قد انتهى وأنت لا تشعر، وعندما تجد أحد هؤلاء وتسأله عن حاله وصحته لأنك لم تره منذ ليال في صلاة العشاء أو صلاة التراويح يرد عليك بقوله: مشغول مع العائلة بالتسوق هذه الأيام فالعيد على الأبواب، وهذا أمر مستغرب.
ولفت إلى أن المسلم العاقل بإمكانه أن يجمع بين الحسنتين فيما لو قام بتنظيم وقته والاستفادة منه، فالوقت الذي بين الظهر والعصر مناسب للتسوق، كما أن المسلم يمكن أن يصلي العشاء والتراويح في الجماعة، ثم ينصرف إلى السوق ويعود قبل بدء القيام الذي يبدأ في معظم المساجد بعد الساعة 12 ليلا، لكن ما ألاحظه هو أن البعض تتراخى همته في وقت من المفترض عليه أن تشتد وأن يكون أكثر حرصا من ذي قبل، فهو يودع ضيفا عزيزا، ويتحرى مناسبة لو وفق لها فسيسعد سعادة الدهر، هل لعاقل أن يضيع فرصة مبادلة قيام ليلة واحدة بعبادة حوالي 83 سنة، فـ {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، من هنا على المسلمين أن يجتهدوا في هذه الليالي الأخيرة من شهر رمضان فهي ليالي اعتكاف وانقطاع لله سبحانه وتعالى وليست ليالي تسوق فقط.
اقتناص فرص الخير
من جهته أكد فضيلة الشيخ عبدالله العباد ما ذهب إليه السادة وأضاف: على العاقل أن يكون مستعدا دائما لاقتناص فرص الخير، وأن يهتم بموضوع الربح والخسارة في تجارته مع الله سبحانه وتعالى، ففي هذه الليالي من الخير العميم ما لا يعلمه إلا الله وما يستدعي من الجميع التعرض لنفحات الله، لا أحد يمكنه منه التسوق، فالتسوق مباح ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمشي في الأسواق، لكن من باب حساب الربح والخسارة، نحن نلاحق الأسواق هذه الأيام لانتقاء الأفضل منها، وهنا يكون السؤال: ماذا لو فاتتني بضائع السوق كلها وحظيت بثواب ليلة القدر أي بعبادة لا يعلم قدرها إلا الله سبحانه وتعالى، من هنا أنصح المسلمين بأن يقبلوا على الله في هذه الليالي وأن يعوضوا ما فاتهم فيها من عبادة وخير.