التسبيح: هو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يليق بكماله

alarab
باب الريان 16 يوليو 2015 , 06:35ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
الأمر بتسبيح الرب العظيم سبحانه:
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}
بهذه الآية الكريمة ختم الله تعالى هذه السورة، وهي جديرة بهذه الخاتمة، فقد أمر الله فيها بتسبيحه باسم الرب العظيم، وهو أهل لأن يُسبَّح ويُحمَد، وقد جاء في القرآن بهذا التسبيح (13) ثلاث عشرة مرة، وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكلِّ مَن يصلح للأمر بعده، منها قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران:41]، وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98]، وقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه:130].
ومنها ما جاء بهذه الصيغ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74]، جاء في سورة الواقعة وحدها مرتين بهذه الصيغة هذه هي الأولى، والثانية: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:95، 96]، وآخر مرَّة جاء فيها الأمر بالتسبيح بهذه الصيغة كانت في هذه السورة: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الحاقة:51، 52].
كما جاء في ثلاث آيات أخرى الأمر بالتسبيح بصيغة المضمر، كقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق:40]، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [النجم:49]، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان:26].
والتسبيح: هو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يليق بكماله، ولذلك أمر به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأمر به المؤمنين جميعًا، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب:41، 42].
وقد أُمر الرسول الكريم أن يسبِّح ربَّه حين تنزل به المِحن، وتضيق به الدنيا، فليلجأ إلى ذكر الله وتسبيحه وعبادته: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:97-99].
{الْيَقِينُ} هنا: هو الموت.
كما أُمر عليه السلام أن يُسبِّح ربَّه ويحمده حين تنفتح له أبواب النصر، ويدخل الناس في دينه أفواجًا وجماعات، فقال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1-3].
روى الإمام أحمد بسنده، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74]. قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم». أي: قولوا: سبحان ربي العظيم. فلما نزلت: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1]. قال: «اجعلوها في سجودكم» . أي: قولوا سبحان ربي الأعلى.
وروى الترمذي بسنده، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده. غُرِست له نخلةٌ في الجنة» .
وروى البخاري آخر حديث في كتابه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
شهادته تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
ويحسن بنا أن ننقل هنا بعض ما كتبناه في تفسيرنا لسورة الرعد، من شهادة الله لرسوله محمد، وتأييده بالآيات الباهرات، وهو ما أقسم عليه بمخلوقاته في هذه الآيات على صدقه في دعوته، وأنه سبحانه وتعالى خلَّى بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين دعوته، فإذا كان كاذبا، فكيف تركه الله عزَّ وجلَّ يُضل الناسَ، ويفسد في الأرض؟!
وكيف فتح له القلوب لتتأثَّر به، وتتحمَّس له، وتنضمَّ إلى قافلته؟!
الله سبحانه وتعالى لا يترك الضالَّ حتى يقصمه، يقول عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]. وهذا لو تقوَّل بعض الأقاويل، فكيف لو افتعل الرسالة كلَّها من أصلها؟! وكيف لو قال: إنه رسول الله، وما هو برسوله؟! يقول الله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144].
وهو سبحانه لا يهدي ظالمًا، فكيف بأظلم الناس، وهو الذي يفتري على الله الكذب؟! وهل يترك الله هذا الأظلم، ويُخلِّي بينه وبين الناس يضلهم؟! لا يُتصوَّر هذا ولا يكون؛ لأن ترك الضالِّ المضلِّ ليس من سنن الله أبدًا، وهو القائل سبحانه: {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61]، فالمفتري لا بد أن يخيب ولا يفلح: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:21، 135، ويوسف:23، والقصص:37]، {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس:82]، كما قال موسى عليه السلام: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:81].
وإذن، فمجرَّد التخلية بين محمد وبين الناس: تعتبر شهادة من الله عزَّ وجلَّ له، فأما أن يؤيِّده بالمعجزات، والآيات البيِّنات، وأعظمها القرآن، فهذه شهادة بعد شهادة، وهي شهادة عملية: من ناحية المعجزات وفتح القلوب والعقول له، وهي شهادة قولية: من ناحية أن القرآن كلام الله عزَّ وجلَّ.
ومثل ذلك: تأييده ونصره على أعدائه، رُغم كثرتهم وقوَّتهم، وقلَّة أنصاره وضعفهم المادي، ففتح الله له فتحًا مبينًا، ونصره نصرًا عزيزًا.
ولذلك قال بعض الغربيين: ماذا تريد ممَّن يدَّعي لك أنه بنَّاء أكثر من أن يبني لك بناءً من السَّعة بحيث يسع الملايين، ومن المتانة بحيث يعيش مئات السنين. يقصد بهذا: الإسلام.
ويقول: إن الباطل لا يمكن أن يستمرَّ، فمثل الباطل مثل ورقة (البنكنوت) – النقد - الزائفة، قد يمر من يدٍ إلى يدين أو أكثر، ولكنه لا يلبث أن يُضبط، ويُعرف أنه زائف، وأما الحق فهو الذي يستمر.
ويقول: إن دين محمد يتبعه مئات الملايين من الناس، وأهله أشدُّ الخلق تحمُّسًا له من أي أصحاب دين في الأرض، إذن فهذا الدين لا يقوم على أكاذيب، ولكنه يقوم على حقائق.
وهذا المعنى قاله (توماس كارليل)، صاحب كتاب (الأبطال)، الذي قال في محمد: إنه (بطل في صورة رسول).
والنبوة هداية، فكيف لكاذب أن يهديَ الناس، وأن يُبصِّر الحائرين، ويُعلِّم الجاهلين، ويأخذ بأيدي الناس إلى الله، ويحشرهم في ساحته؟!
فهذا كلُّه يعتبر من شهادة الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد:43، الإسراء:96].
لو كان محمد كاذبًا، لقطع الله وتينه:
وفي سورة الحاقة يقول تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:38-47].
وفي هذه الآيات أقسم الله تعالى على صدق نبيِّه، وأن القرآن كلام ربِّ العالمين، بلَّغه رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أقسم على ذلك بالأشياء كلِّها وبالكون كلِّه: ما يُبْصَر منه وهو القليل، وما لا يُبْصَر وهو الكثير.
قال ابن القيم: (وهذا القَسَم أعمُّ قَسَم وقع في القرآن؛ فإنه يعمُّ العلوياَّت والسفليَّات، والدنيا والآخرة، وما يُرى وما لا يُرى، ويدخل في ذلك الملائكة كلُّهم، والجن والأنس، والعرش والكرسي، وكلُّ مخلوق، وكلُّ ذلك من آيات قدرته وربوبيَّته، وهو سبحانه يصرِّف الأقسام كما يصرِّف الآيات، ففي ضمن هذا القسم أن كلَّ ما يُرى وما لا يُرى آية ودليل على صدق رسوله، وأن ما جاء به هو من عند الله، وهو كلامه لا كلام شاعر، ولا مجنون، ولا كاهن.
ومن تأمَّل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه، واعتبر ما جاء به الرسول بها، ونقَّل فكرته في مجاري الخلق والأمر: ظهر له أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، وهو أصدق الكلام، وأنه حقٌّ ثابت، كما أن سائر الموجودات ما يُرى منها وما لا يُرى حق. فكأنه سبحانه يقول: إن القرآن حقٌّ، كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حقٌّ موجود، بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلَّكم ذلك على أن القرآن حق....
ثم ذكر سبحانه المُقْسَم عليه، فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، وهذا رسوله البشريُّ محمد صلى الله عليه وسلم، وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل، ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولًا.
ثم بيَّن سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره، وأنه لم يتكلَّم به، بل قاله من تلقاء نفسه، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة:41-42]) .