الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ولا يصح أن نحسبهم أمواتاً

alarab
باب الريان 16 يوليو 2014 , 02:00ص

الدرس الثامن عشر

حياة الشهداءفي سورة آل عمران

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:169-175].

سبب نزول الآيات

أيُّها الإخوة: لهذه الآيات سبب نزول، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظلِّ العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحُسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم»، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات على رسوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[آل عمران: 169 -170].

الشهداء أحياءٌ عند ربهم

هذه الآيات تتحدث عن حياة الشهداء في تلك الفترة التي تُسمى بالحياة البرزخية، إنَّهم ليسوا أمواتاً، بل أحياء عند ربهم، عندية شرف ومكانة. قال الله لرسوله ولكلِّ من يصلح للخطاب: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً}، وفي آية أخرى في سورة البقرة: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، نهانا الله أن يجري لنا ذلك ظناً بأفئدتنا، وقولاً على ألسنتنا، لا نقول أموات، ولا نحسبهم أموات، هم أحياء، بل أحياء عند ربهم يرزقون، حياة حقيقية، ولكن ما كيفية هذه الحياة؟

هذا ما لا علم لنا به، هذا من أمور الغيب التي نوقن بها، ونسلمها، ولا نبحث عن كنهها، وهل عرفنا كلَّ شيء حتى نعرف كيفية هذه الحياة؟

جهلنا بكثير من حقائق الكون

إنَّ كثيراً من حقائق الحياة لم نعرفها، إنَّ الحياة التي نعيشها نحن نعرف آثارها، ولكن لم نعرف حقيقتها بعد، فكيف نعرف حياة أولئك الشهداء؟

هناك أناسٌ من المتطاولين ينكرون مثل هذا النوع من الغيبيات ويقولون: نحن في عصر العلم والنور والتكنولوجيا، فكيف نؤمن بهذه الأشياء؟ هل عرف عصر التكنولوجيا وعصر غزو الفضاء كلَّ شيء في هذا الكون، إنَّ علماء الكون أنفسهم ما زالوا يقولون: إننا نجهل الكثير والكثير من هذا الكون، وكلَّما اكتشفنا فيه أشياء، عرفنا أننا قد غابت عن أشياء وجهلنا أشياء، وقالوا: إن القدر الذي نعرفه من الكون المادي هو ثلاثة من مئة، أي إننا لا نعرف 97% ولا نرى 97% من المادة الكثيفة في هذا الكون، وصدق الله العظيم إذ يقول:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة:38-39]، ليس كل شيء نُبصره ونراه، هناك الذي لا نراه، وهذا الذي لا نراه يمثِّل 97%، ويُسمونه الأعماق السوداء في هذا الكون. إنَّ حواسنا وإدراكنا وعقولنا محدودة بحدود زماننا ومكاننا ومعارفنا وصداقاتنا، هل إذا لم يعلم الإنسان شيئاً يدل على أنَّ هذا الشيء غير موجود؟ هل عدم العلم يقتضي نفي العلم؟ لا، كان الناس لا يعرفون أنَّ هناك جراثيم وفيروسات وأشياء من هذا القبيل، ثمَّ اكتشفه الناس، وعرفه الناس، اكتشف الناس كثيراً من النجوم والكواكب وعرفوها ورصدوها بالمراصد، وأشياء حسبوها وإن لم يروها، عرفوها بالاستنتاج بالأرقام بعلم الرياضيات، لسنا نعلم كلَّ شيء. ثمَّ إنَّ الإنسان الراشد هو الذي يؤمن بالمغيَّبات، الطفل هو الذي لا يؤمن إلاَّ بالمُحَس، يؤمن بما براه ويلمسه، والحيوان هو الذي يؤمن بما يراه وما تقع عليه عينه، إنَّما الإنسان والإنسان الراشد هو الذي تتسع دائرة معارفه فيؤمن بما وراء الحس، وبما وراء المادة، وما بعد الطبيعة.

فرح الشهداء بما آتاهم الله من فضله

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وكيف لا يفرحون بما هم فيه من حسن المأكل، وحسن المشرب، وحسن المقيل كما جاء في الحديث؟ كيف لا يفرحون؟ إنَّهم فرحون مسرورون بما آتاهم الله من فضله زيادة على ذلك الرزق الحسن الذي استحقوه بجهادهم، ولا يهمهم إلاَّ أن يعودوا إلى الدنيا، كما قال الله تعالى لعبد الله بن حرام والد جابر بن عبدالله، فقد روى جابر رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا جابر ما لي أراك منكسرا»؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالا ودينا، قال: «أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك «؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: «ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحا، (أي معاينة ومواجهة)، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أعطك، قال: يا ربِّ تُحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل:إنَّه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون «. قال: يا رب، فأبلغ من ورائي، قال: فأنزل الله تعالى: قال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً}.

استبشار الشهداء بالمؤمنين الذين لم يلحقوا بهم

من خلفهم

هؤلاء الشهداء فرحون بما آتاهم الله من فضله، مسرورون بما هم فيه، وهم كذلك مشغولون بمن وراءهم من المؤمنين، الذين تركوهم خلفهم في الدنيا، ولم يقتلوا ولم يلحقوا بهم إلى الآن {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} مستبشرون بهؤلاء الذين يسيرون في الركب، الذين يحملون علم الجهاد من بعدهم، مستبشرون بالمؤمنين، إنَّهم انتقلوا إلى الدَّار الآخرة، ولكن قلوبهم مع هؤلاء، إنَّهم مهمومين بأمرهم، ولذلك يريدون أن يعودوا إليهم ليقاتلوا معهم لو أمكنهم، فإذا لم يستطيعوا فهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم من الشهداء ومن غير الشهداء، من المؤمنين جميعاً ألاَّ خوف على إخوانهم من مكروه، ولا هم يحزنون على فوات محبوب.

استبشار الشهداء بنعمة من الله عز وجل وفضل

{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ } يستبشر هؤلاء الشهداء بنعمة من الله عز وجل، وهي جزيل ثوابه، وفضل وزيادة في الثواب، ويسرون أن الله لا يضيع أجر المؤمنين:{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}، هكذا هذه الأمة، سابقها يستبشر بلاحقها، ولاحقها يدعوا لسابقها، كما حكى الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].

استجابة المؤمنين لأمر الله ورسوله

{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ}،القرح: الجراح، جراحات الحرب، وما أصابهم في هذه الحرب والمعارك، الذين استجابوا لله والرسول لما طلبهم للقتال ثانيا من بعدما أصابهم القرح، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} للذين أحسنوا أعمالهم منهم وهم كلهم طبعا، واتقوا معاصيه ومخالفة أوامر رسوله، لهم أجر عظيم.

جاءت هذه الآيات في المؤمنين الذين دعاهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعد غزوة أحد وجراحاتها، دعاهم بأن يلحقوا بأبي سفيان وأصحابه من المشركين، فقد بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن المشركين جمَّعوا جموعهم وأرادوا أن يعودوا مرة ثانية ليستأصلوا شأفتهم، قالوا ماذا صنعنا؟ هزمناهم ولم نقتل محمداً، ولم نأسر القواعد من النساء، لا بدَّ أن نكرَّ عليهم مرة أخرى لنفعل ونفعل، فأراد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يلقنهم درساً، وأنَّهم لم يضعفوا ولم يهنوا ولم يستكينوا، ودعا أصحابه وقال: لا يخرج معي إلاَّ من حضر المعركة معنا، وخرج المسلمون بجراحاتهم، حتى كان بعضهم عنده عشرات الجراحات، وبعضهم لا يقدر أن يمشي فيحمله أخوه، خرجوا مستجيبين للنبيِّ صلّى الله عليه وسلم وذهبوا إلى مكان يسمَّى حمراء الأسد، {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ}خوَّفهم المنافقون بما صنع أبو سفيان وبما جمع لهم من جموع، {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} فزادهم هذا القول إيمانا بنصر الله ،{وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} الله كافينا شرهم، ونعْم الوكيل الذي نكل أمورنا إليه، إنهم وضعوا أيديهم في يد الله عزَّ وجلَّ، قالوا الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، «حسبنا الله ونعم الوكيل «، الله حسبنا وكافينا، ونِعْم الحسيب والكافي هو الله تعالى، أي وكيل أعظم من الله؟ {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل:9]، وكِلْهُ في أمرك، توكل عليه واعتمد عليه، فلن يتخلَّى عنك، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}[الطلاق:3]، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:49].

{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ}، لم يكلهم الله إلى أنفسهم، ولا إلى أحد من خلقه بعد أن وكَّلوه وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، كلمة المؤمن عند الشدائد والمحن، لم يكلهم إلى أنفسهم، {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} فرجعوا مصحوبين بنعمة من الله هي قوة الإيمان، وفضل هو الأجر العظيم، واتبعوا بإقدامهم ما يرضي الله تعالى ،{وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}، لا يمنع عطاءه عمن أخلص في جهاده، ولا يُضيع من توكل عليه، ولا يُضيع من استند إليه، ولا يُخيِّب رجاء من رجاه، هؤلاء قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، لم تخفهم تلك القوى العاتية التي تجمعت لهم ما داموا مع الله عزَّ وجلَّ، فإن الله تعالى معهم، والله ذو فضل عظيم.

تخويف الشيطان للمؤمنين بأوليائه الكفار

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}، أي: يخوِّفكم أولياءَه وأحبابه كفار قريش الموالين له، يُخوِّفكم الشيطان بهم وبعَددهم وبِعُدَدِهِم، فإيَّاكم أن تخافوا الكافرين {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، إن كانوا أكثر عدداً، فقولوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249]،