الزخرفة أظهرت عبقرية وإبداع وخيال الفنان المسلم
باب الريان
16 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: عصام تليمة
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي
تأليف: عصام تليمة
فن الزخرفة والخط العربي
اتجه الفنان المسلم إلى عوالم جديدة بعيدة عن رسم الأشخاص، وبعيدة أيضا عن محاكاة الطبيعة، وهنا ظهرت عبقريته، وتجلى إبداعه، وعمل خياله، فأوجد تلك المجالات الجديدة، بعد أن أعمل فيها حسه المرهف، وذوقه الأصيل.
وكان من جملة هذه العطاءات: فن الزخرفة، وفن الكتابة (الخط).
فن الزخرفة
إن وظيفة الفن هي صنع الجمال، والزخرفة واحدة من الوسائل المهمة التي تصنع الجمال، وهذا ما يوضح لنا السر في تبوئها مكان الصدارة بين الفنون الإسلامية الأخرى، فهي العمل الخالص الذي لا يقصد به إلا صنع الجمال، وهنا يلتقي شكل العمل الفني بمضمونه، ليكونا وحدة متماسكة لصنع الجمال ظاهرا وباطنا، الأمر الذي لا نكاد نجده في أي نوع آخر من الفنون.
وقد عرف المسلمون بهذا الفن من بين الفنون جميعها، حتى قيل: إن الفن الإسلامي فن زخرفي. ذلك أنه لا يكاد يخلو أثر إسلامي من زخرفة أو نقش –مهما كان شأنه– بدءا من الخاتم الذي تحلى به اليد.. وانتهاء بالبناء الضخم الواسع الذي يجمع الآلاف من الناس.
وإنما اتجه الفنان المسلم إلى هذا الفن لأنه وجد فيه بغيته من حيث البعد عن دائرة الحظر في المنهج الإسلامي، فهو بعيد عن التشخيص بطبيعته، واستطاع الفنان المسلم بخياله الخصب أن يحقق الأمر الآخر، وهو البعد عن محاكاة الطبيعة، وبهذا كان هذا الفن ملائما للمواصفات التي يحددها المنهج الإسلامي.
وتعد العناصر (النباتية) وكذا العناصر (الهندسية) مقومات أساسية في بناء هذا الفن، تتعاون مع بعضها تارة، وتنفرد كل منهما على حدة تارة أخرى، وعلى هذا: فهناك نوعان من الزخرفة: الزخرفة النباتية، والزخرفة الهندسية.
الزخرفة النباتية
تقوم الزخرفة النباتية أو ما يسمى (فن التوريق) على زخارف مشكلة من أوراق النبات المختلفة، والزهور المنوعة، وقد أبرزت بأساليب متعددة من إفراد ومزاوجة وتقابل وتعانق. وفي كثير من الأحيان تكون الوحدة في هذه الزخرفة مؤلفة من مجموعة من العناصر النباتية متداخلة ومتشابكة ومتناظرة.. تتكرر بصورة منتظمة.
وقد تأمل الفنان المسلم ونظر في الطبيعة.. فتعلم واعتبر، ولكنه بإعمال خياله استطاع أن يبتعد بفنه عن تقليدها، فجاءت هذه التوريقات عملا هندسيا مؤسلبا، أميت فيه العنصر الحي وساد فيه مبدأ التجريد.
وقد انتشر استعمال هذه الزخارف في المجالات المختلفة، في تزيين الجدران والقباب، وفي التحف المختلفة نحاسية وزجاجية وخزفية، وفي تزيين صفحات الكتب وتجليدها.
«وقد تكون هذه الزخرفة –ثنائية الاتجاه– كما هو الغالب في الزخرفة التي نراها على الحيطان والأبواب، والسقوف والسجاد والأثاث، وكذلك في صفحات الكتب وأغلفتها، وقد تكون ثلاثية الاتجاه كما ترى في الأعمدة أو العقود، وفي المقرنصات في أعالي البوابات أو جدران القباب».
وقد عرفت زخارف التوريق في فنون ما قبل الإسلام بأشكال مختلفة، ولكنها –بشهادة غير المسلمين من دارسي الفنون ومؤرخيها– قد اتخذت بعد انتشارها بين فنون المسلمين سمتا آخر، أساسه: التنويع والتتابع، والتحوير، خلال انتشار الدعوة الإسلامية.
إن الفنان المسلم لم يبتكر وحدات زخرفية جديدة، بل استعمل ما وجده بين يديه من وحدات في الفنون السابقة على الإسلام، إلا أنه رتب هذه الوحدات ترتيبا غير مسبوق، ولاءم بينها بطريقة مبتكرة، ونسق بين أجزائها تنسيقا جعلها تبدو كأنها شيء جديد اخترع لأول مرة، وما هي في حقيقتها كذلك، لقد جمع الفنان المسلم هذه الوحدات الموروثة معا، ثم صهرها في بوتقة، ومزجها بفلسفته، وسلط عليها أشعة عبقريته وخياله، فخرجت من بين يديه شيئا جديدا مميزا، وبذلك استحقت شرف الانتماء، وحملت اسم الإسلام بعد أن غذيت بلبانه، وشبَّت في مجتمعه.
الزخرفة الهندسية
برع المسلمون في استعمال الخطوط الهندسية، وصياغتها في أشكال فنية رائعة، فظهرت المضلعات المختلفة، والأشكال النجمية، والدوائر المتداخلة.
وقد زينت هذه الزخرفة المباني، كما وشحت التحف الخشبية والنحاسية، ودخلت في صناعة الأبواب، وزخرفة السقوف. ولئن كانت هذه الزخارف دليلا على موهبة فنية عظيمة، فهي أيضا دليل على علم متقدم بالهندسة العملية. والزخرفة الهندسية ذات أهمية خاصة في الفن الإسلامي، ولعل أهميتها تلك من حيث مطابقتها للمواصفات التي يقبلها المنهج الإسلامي. وهذا ما يفسر لنا ذلك الأثر الكبير الذي تفرضه على كل الفن الإسلامي، إذ أصبح الأسلوب الهندسي واحدا من الأساليب التي طبعت الزخرفة النباتية –نفسها– بأسلوبها، فكثيرا ما جاءت هذه الزخرفة بإخراج هندسي عجيب، بل إن الكتابة نفسها –وهي الفن الإسلامي الآخر– كثيرا ما تفنن في إخراجها الفنان المسلم، فجاءت في قوالب هندسية متنوعة الأشكال. لقد استطاعت الهندسة أن تفرض سيادتها –في الفن الإسلامي– وذلك بغلبتها على شبق الأشكال، كما يقول (جارودي).
ولا يفوتنا هنا أن نذكر ما كان للفرجار من دور في تقدم هذه الزخرفة وسيادتها، فقد كان للدائرة دور كبير في هذا العطاء غير المحدود من الأشكال، يؤكد هذا ويوسع مساحته ملء بعض المساحات وترك غيرها فارغة.
وقد استطاع المسلمون استخراج أشكال هندسية متنوعة من الدائرة، منها المسدس، والمثمن، والمعشَّر، وبالتالي المثلث، والمربع، والمخمس، ومن تداخل هذه الأشكال مع بعضها، وملء بعض المساحات، وترك بعضها فارغا، نحصل على ما لا حصر له من تلك الزخرفات البديعة؛ التي تستوقف العين لتنتقل بها رويدا رويدا من الجزء إلى الكل، ومن كل جزئي إلى كل أكبر.
ولقد كان (هنري فوسيون) دقيق التعبير، عميق الملاحظة حينما قال: (ما أخال شيئا يمكنه أن يجرد الحياة من ثوبها الظاهر، وينقلنا إلى مضمونها الدفين، مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الإسلامية، فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير قائم على الحساب الدقيق، قد يتحول إلى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية، ومعان روحية، غير أنه ينبغي ألا يفوتنا أنه خلال هذا الإطار التجريدي تنطلق حياة متدفقة عبر الخطوط، فتؤلف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد، مفترقة مرة، ومجتمعة مرات، وكأن هناك روحا هائمة هي التي تمزج تلك التكوينات وتباعد بينها ثم تجمعها من جديد، فكل تكوين منها يصلح لأكثر من تأويل، يتوقف على ما يصوب عليه المرء نظره، ويتأمله منها، وجميعها تخفي وتكشف في آن واحد عن سر ما تتضمنه من إمكانات، وطاقات بلا حدود.
خصائص فن الزخرفة
إن فن الزخرفة الإسلامي –بقسميه: النباتي والهندسي– ذو خصائص متميزة، منحه إياها الفنان المسلم، فكان بهذا فنا إسلاميا خالصا، ونجمل بعض هذه الخصائص بما يلي:
1 - فن إسلامي:
صحيح أن فن الزخرفة قديم، ولكن المسلمين طوروه وحوروه وأدخلوا إليه كل جديد.. وساروا به أشواطا بعيدة حتى بات فنا إسلاميا باعتراف جميع الدارسين لهذا الفن، وقد أطلق عليه الدارسون الغربيون مصطلح (الأرابيسك) تأكيد لهذا المعنى وتخصيصا له.
2 - الحركة:
من ميزات هذا الفن أنه يلزم عين المشاهد بالحركة، أو بالحركة والتوقف ثم الحركة، فهو فن يأخذ بيد المشاهد ويتجول به في جميع ردهات اللوحة.. أو المساحة المزخرفة.
ومن المعلوم أن (الحركة) من مميزات الفن الإسلامي بشكل عام، لأنها –في الأصل– خاصة من خواص المشهد القرآني.
يقول الدكتور فاروقي- رحمه الله: إن وجود الحركة في الفن الإسلامي، سواء في الزخرفة أو في النقش، مسألة لا مجال للشك فيها.. إنها الحركة من الوحدة الصغيرة إلى التصميم أو الشكل، ومن الشكل إلى أشكال أخرى، تشكل في مجموعها مجالا متصلا للرؤية. فالمشاهد يجول ببصره من الوحدة أو الشكل إلى شكل آخر وآخر، في جميع الاتجاهات، حتى يرى الرسم كله من أقصاه إلى أقصاه. وإن الشكل أو الوحدة يعتبر في الحقيقة مستقلا وقائما بذاته.. وفي هذا تكمن إيقاعاته الفنية.. وبقدر ما تصبح الوحدات متداخلة بشكل كثيف ووثيق، يجبر -المشاهد– على الحركة والتوقف معا، وبقدر ما تتعوق الحركة بالخطوط الدائرية والمنكسرة، تصبح الحاجة ماسة إلى بذل مجهود أكبر لمتابعة القطعة الفنية.
ومن المعروف أن فن الزخرفة يقوم على الخط، الذي يعتبر من أهم العناصر التشكيلية القادرة على التعبير عن الحركة. ويوضح لنا أبو صالح الألفي ذلك فيقول: «إذا تتبعنا وظيفة الخط في الفن الإسلامي.. نجد أنه يلعب دورا أساسيا وبخاصة في العناصر الزخرفية.. ونجد في منتجات الفن الإسلامي نمطين من أنماط الخط:
الأول: الخط المنحني الطياش، الذي يدور هنا وهناك متجولا في حرية وانطلاق في حدود المساحة المخصصة للزخرفة، وهو لا يخرج عليها، ولكنه يعطي إحساسا بالمطلق والاستمرار إلى ما لا نهاية، يقف أحيانا وقفة قصيرة عند انتفاخه، ولكنه لا يلبث أن يستمر، يثب أحيانا فوق الخطوط، أو يمر تحتها، أو يتجاوز معها، فيه صفة السعي الدائب والانطلاق.
وهناك نوع آخر من الخطوط وهو الخط الهندسي، الذي تكون وظيفته تحديد مساحات تتكون منها حشوات، تتجه نحو الدقة والصغر كلما ازدهر الفن.. ويغلب أن تشكل هذه الحشوات أشكالا نجمية، أو أشكالا مضلعة ذات زوايا، أو دوائر.. وهذه الخطوط تعطي إحساسا بالحركة الصارمة ذات العزم الأكيد، ذلك لأنها تقود النظر إلى داخل المساحة حيث الأرابيسك الدوار».
3 - الاتساع (الامتداد):
إن فن الزخرفة الإسلامي، يدفع بصرك –وأنت أمام لوحة من لوحاته– إلى متابعة خطوطه في كل الاتجاهات، فإذا ما انتهت اللوحة بحدودها المكانية المحصورة وجدت نفسك مدفوعا لمتابعة عبر خيالك،