

والدي لم يكن يتهاون في قراءة القرآن والصلاة
كان كل بيت يصبغ أوانيه كي لا تختلط في شهر رمضان
دائماً ما يحمل كل منا بداخله ذكريات عن البدايات كيف كانت وما بها من طرائف، حتى مع تقدم العمر تظل عالقة في الذهن وبسهولة يمكن استحضارها.
«العرب» التقت المؤلفة والكاتبة الدكتورة حصة العوضي؛ لنعيش معها ذكرياتها عن طفولتها خلال شهر رمضان.
تقول د. حصة في البداية: قبل أن يأتي الشهر الفضيل بفترة قصيرة كان بيتنا يتعاون مع بيوت الجيران على طحن الدقيق وجرشه، في إناء حجري كبير «كالهاون العملاق»، وحين تفوح رائحة خبز الرقاق وهو يخبز في كل البيوت المجاورة في الأحياء، فلم تكن هناك مخابز كما هو الآن... أذكر أن خالتي -رحمها الله- كانت تخبز على نار من الخشب، ولم أكن حينها أفعل شيئاً سوى مشاهدة كل ما يحدث، وكان نساء الحي يتفقن معاً على اللون الذي سيوضع على أطباق كل بيت، وشكل العلامة المرسومة.
حينما قلبت أمي الأطباق
وعن سبب صبغ أواني الحي بألوان مختلفة، نقلت لنا الدكتورة حصة المشهد قائلة: «كنا نجلس أنا وأخواتي مع أمنا -رحمها الله- وقد قلبت كل الأطباق الجديدة على الأرض، وبدأت بوضع صباغ من الخلف، وهو ما اتفقت عليه مع الأخريات... حتى لا تختلط أطباق بيوت الحي مع بعضها البعض في رمضان، وكانت أمي تُعد الحلويات الساخنة التي توزعها في الأطباق المعلّمة بعلامة متشابهة لكل الأطباق، ثم يأتي دوري لحمل تلك الأطباق وتوزيعها على بيوت الحي واحداً واحداً، وفي اليوم الثاني نبدأ بجمع الأطباق من تلك البيوت».
أول صيام
وعن ذكريات المرة الأولى التي صامت فيها شهر رمضان كانت في العاشرة من عمرها بقرار نابع من داخلها من منطلق التجربة، لافتة إلى أنها كانت صائمة ملتزمة حتى اليوم العاشر من الشهر، وبعد أن أخذ الجوع يطاردها بعد عودتها من المدرسة، خاصة مع رائحة الأطباق التي لا يمكن أن يقاومها أي طفل في عمرها أفطرت في منتصف النهار على «المحلبية».
وأوضحت أنها لم تتعرض لأي ضغط من الأسرة فيما يتعلق بمواصلة الصيام، فقط كان الضغط على إقامة الصلاة في وقتها، والتشجيع على قراءة القرآن في النهار والليل. وعن بدايات قراءة القرآن في شهر رمضان قالت: «كنا نتبادل الأدوار أنا وشقيقتي مريم، في قراءة القرآن منذ عمر الثامنة، وأحياناً كنا نتنافس فيمن تنهي ختمتها قبل الأخرى، ومع بداية رمضان تنتهي الألعاب مع بنات الحي، أو حتى في البيت، فلا يجوز إضاعة رمضان في أمور غير مفيدة». ولم تنسَ الدكتورة حصة عادات والدها في شهر رمضان، فكانت ترى أباها بعد عودته من صلاة العصر، يجلس في مجلسه قرب الباب الخارجي، ويبدأ في تلاوة القرآن حتى المغرب، مشيرة إلى أنه كان يُسرّ حين يطرق الباب فقير أو سائل، ليقدم له طعام الإفطار من نفس ما يوضع على مائدة الأسرة، وكان يعود لتلاوة القرآن بعد صلاة العشاء، حيث يجتمع مع بعض رجال الحي في المجلس.
مواقف طريفة
من المواقف الطريفة التي تذكرها أنها كانت مكلفة بتوزيع «القرنقعوه» على الأطفال الذين يطرقون الباب، وقبل الإفطار تناولت بعض حبات المكسرات من الوعاء دون وعي منها، وحينها وقفت شقيقتها قربها مندهشة وهي تسألها: «ألست صائمة»؟
مازحتني الدكتورة حصة في نهاية حديثها حين سألتها عن إمدادي ببعض الصور من طفولتها كي تتناسب مع الموضوع، لكنها قالت: لم يكن كل البشر يهتمون بتصوير أبنائهم إلا للضرورة، وخاصة للمدارس، حتى إن جوازات سفر الإناث في ذلك الوقت لم تكن تحوي صوراً لهن، وكان يكتب في مكانها «محجبة».