أخطاء بالجملة في عملية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس ومطالب بتأهيل المعلمين

alarab
تحقيقات 16 أبريل 2013 , 12:00ص
الدوحة - حامد سليمان
أكد تربويون واختصاصيون نفسيون لـ»العرب» أن عملية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس القطرية يشوبها الكثير من الأخطاء، وبينوا أن عملية الدمج تحتاج إلى الكثير من الاشتراطات، ويجب على كل فرد في المجتمع العمل على توفيرها لإشراك هذه الشريحة في بناء وتنمية البلاد بدايةً من مرحلة الطفولة. ونوه مهتمون بأن المشكلة الأكبر تكمن في الإعاقات الذهنية، فهي تحتاج إلى برامج دمج خاصة، وكل طفل يعد حالة متفردة يحتاج إلى مستوى رعاية ربما لا يتوافق مع أقرانه، وهو أمر يصعب توفيره في الكثير من المدارس، ويترتب عليه تأثر الأطفال سلباً وانتكاس الحالة المرضية لبعضهم. أما فيما يخص الإعاقات الحركية فهي تحتاج إلى توفير أجهزة وتجهيزات في المدارس لاستقبال مثل هذه الحالات، بالإضافة إلى التأهيل النفسي للأطفال لتقبل إعاقاتهم، والتحفيز النفسي الدائم بما يدفعهم لتحسين مستواهم التعليمي بغض النظر عن هذه الإعاقة. هذا وأكد الاختصاصيون النفسيون على ضرورة تأهيل المدرسين وتدريبهم على كيفية التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، بغض النظر عن مستوى الإعاقة، فالطفل قادر على التعلم إذا وفرت له الأساليب الصحيحة والطرق الهادفة، وأوضحوا أن نشر ثقافة التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة واجب وطني يجب أن تتعاون كافة شرائح المجتمع عليه، فغالبية السكان ليس لديهم أساليب صحيحة للتعامل مع المعاقين، ومنهم من يتسبب بتعامله الخاطئ في تدهور الحالة النفسية للشخص المعاق، ويعود بالسلب على المعاقين ويجعلهم عبئا على المجتمع لا أشخاصا نافعين قادرين على المساهمة في بناء دولة قوية. تدريب الكوادر في البداية قالت الكاتبة وخبيرة علم النفس الدكتورة موزه المالكي: لا بد من تحديد نوع الإعاقة حتى يتسنى لنا إيجاد السبيل الأمثل للتعامل معها، فالإعاقة الحركية تتطلب تجهيزات خاصة بالمدرسة، وكل إعاقة ذهنية تحتاج إلى رعاية خاصة تختلف عن الأخرى، ناهيك عن التأهيل النفسي وتدريب المعلمين. وأضافت: بعض المدارس في قطر لا يوجد بها الوعي الكافي بعملية الدمج ومدى أهميتها وتأثيرها، ليس على مستوى ذوي الاحتياجات الخاصة فحسب بل على المجتمع وبنيته القوية ككل، الأمر الذي يتطلب وقفة جادة من الأجهزة التعليمية لوضع بنود وآليات تلتزم بها المدارس تجاه هذه الفئة بما يعود بالنفع على بلدنا. وتابعت المالكي: إذا ما تأملنا عمليات دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في الولايات المتحدة الأميركية؛ نجد أن مدارسهم تقوم بجهد مثمر في هذا الجانب، فلو كان الفصل به طالب واحد من ذوي الإعاقات لا بد أن تكرس المدرسة مدرسا للمقرر الدراسي وآخر مساعدا يتخصص في مساعدة هذا الطفل، فهم يؤمنون بأن ذوي الاحتياجات الخاصة جزء من المجتمع لا يمكن إقصاؤه. وأردفت: لمست خلال زيارتي لأميركا حجم الاهتمام ومدى الرعاية التي توليها الدولة لهذه الفئة، فالمدارس تسعى جاهدة لتطبيق المعنى الصحيح لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع من خلال برامج متكاملة، لا إقصائهم كما نرى في الكثير من بلداننا. وأوضحت أن انعكاسات الدمج الخاطئ على الطفل تؤدي إلى انتكاس حالته وتدهورها، وتحوله إلى عبء على المجتمع لا عضو مؤثر إيجاباً في تنميته، فالطفل يشعر بالإحباط إذا لم يراع المجتمع احتياجاته. وأشارت المالكي إلى ضرورة وجود اختصاصي نفسي في كل مدرسة، من أجل التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتهيئتهم وتجهيز المناخ المدرسي المناسب لهم حتى لا يشعروا بالنقص أو عدم القدرة على أن يكونوا مثل أقرانهم من الطلاب. وقالت: أعددت برنامجا خاصا بالدمج وطرق التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس عام 1997، وتمكنت من تخريج دفعة متميزة من المرشدات القادرات على التعامل مع هذه الشريحة من الطلبة، إلا أن البرنامج جُمد عقب سفري وعدم توافر من يشرف عليه خلفاً لي، فلو استمر هذا البرنامج حتى وقتنا هذا لتوفر لدينا عدد كبير من المرشدات النفسيات القادرات على تحمل هذه المهمة. وتابعت: يحدث خلط دائماً بين مفهوم ومهام الاختصاصي الاجتماعي، وما نطالب به من وجود اختصاصي نفسي، فالمهام والخبرة العلمية في كلا المجالين مختلفة تماماً، وبعض المدارس لقلة الخبرة ولعدم الدراية بما يتطلبه الطفل ذو الاحتياجات الخاصة يكتفون بالاختصاصي الاجتماعي على الرغم من عدم قدرته على التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة وعدم معرفته بما يحتاجه هذا الطفل. وأشارت إلى أن مركز موزه المالكي للتأهيل والتدريب الدولي يعكف على تطبيق برنامج يساعد المعلمين ويساهم في تخريج مجموعة من المتخصصين في الاكتشاف المبكر للاضطرابات النفسية لدى الأطفال، وتعليم المتقدمين بعض النظريات النفسية، بما يساعد على التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس، موضحة أن الفئة المستهدفة من خلال هذا البرنامج هي مدرسات الحضانة، ومربيات الفصول الدراسية الأولى اللاتي يقضين أوقات طويلة مع الأطفال، بالإضافة إلى معلمات التربية النفسية اللاتي يعملن على دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في مختلف المراحل العمرية مع أقرانهم. وبينت أن التأخر في تقديم الدعم الكافي لذوي الاحتياجات الخاصة يعد ظلماً للطفل، فبعض الأعراض يمكن التخلص منها في حال اكتشافها والتعامل معها في سن مبكرة، وإهمالها يضاعف من أعراض الحالة ويسبب مشكلات نفسية وعقلية للطفل، مؤكدة أن علماء اشتهروا بذكائهم وقدراتهم الذهنية الفائقة؛ عرفوا في صغرهم وفي مراحل تعليمهم الأولى بضعف الفهم وعدم القدرة على الاندماج في محيطهم الاجتماعي، إلا أن توفر متخصصين وأجهزة يمكن أن تُمكنهم من تفجير قدراتهم الكامنة. توفير الاختصاصيين ومن جانبه قال الدكتور عبدالحميد عفانة المعالج النفسي والخبير في الصدمات النفسية والتدخل المجتمعي، والرئيس السابق للمجلس الدولي لتأهيل ضحايا التعذيب: إن عملية الدمج هي فكرة بناءة تُشعر الطفل بأنه جزء من المجتمع، وتخفف بشكل كبير من نظرة المحيطين به وأقرانه على أنه «وصمة عار» أو عبء على الآخرين لا يستطيع خدمة نفسه، الأمر الذي يشعره بالخجل من إعاقته ويضعه في معزل عن الوسط المحيط به. وأضاف: تتم عمليات الدمج في الدول المتقدمة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين تصنف حالتهم على أنها شبه إعاقة، أي أن حالتهم في مراحلها الأولى، لقدرة الاختصاصيين على دمج هذه الفئة من الأطفال مع أقرانهم الأصحاء، أما الحالات المتقدمة فيتم إقامة مدارس متخصصة لتقديم الدعم الكافي وإعداد مناهج خاصة بهم. وأردف: المشكلة الرئيسية التي تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة جميعهم هي عدم قدرة الأصحاء على التعامل على الوجه الأمثل معهم، الأمر الذي يؤسس لحاجز نفسي كبير يضع ذوي الاحتياجات الخاصة في معزل عن المجتمع، فلا بد أن تعطي فكرة للأطفال وللكبار على حد سواء حول التعامل مع المعاقين، ويجب أن تكون أحد الأساسيات الراسخة لدى المجتمع القطري. وأوضح عفانة أن أحد أهم الشروط اللازمة لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع هي تدريب المدرسين وتأهيلهم على كيفية التعامل مع الأطفال المعاقين، وطرق نقل هذه الثقافة إلى الأطفال الأصحاء، حتى يشعر الطفل المعاق بأنه جزء لا يتجزأ من المجتمع وأن وجوده مؤثر كأقرانه الأصحاء. وبين أن وجود مدرسين متخصصين في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ضروري لمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة، فالاعتماد على اختصاصيين نفسيين يسهل على المدرس التواصل مع الطالب، ويساعده على اكتشاف قدراته الكامنة. وأضاف: لا بد من إيجاد آليات راسخة للمتابعة والإشراف على المدرسين بصورة مستمرة، فالمدرس قادر على مساعدة الطفل على تقبل حالته والتعايش مع المجتمع، وإذا ما أهمل هذا الجانب فقد نضيع أحد أفضل السبل في تحسين مستوى الطفل. وتابع: يجب الالتفات للمناهج التي يتم تدريسها للطالب المعاق، فمساواته بالطفل الصحيح يمثل ظلماً له، وذوو الاحتياجات الخاصة من الأطفال ذوي القصور الذهني يحتاجون إلى مقررات أخف من التي تُدرس للأصحاء، وتتفاوت هذه المناهج على حسب قدرات الطالب الذهنية. وأكد عفانة على أن نشر ثقافة التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة يعد واجبا على كل فرد في المجتمع، والمعلمون في مقدمة المسؤولين عن نشر هذه الثقافة، ما يعني أن تأهيلهم يعد مسؤولية كبيرة يجب أن تحرص الجهات المعنية على أدائها، فالمدرس هو حلقة الوصل القادرة على نقل المفاهيم السليمة إلى المجتمع من خلال الطفل في مراحل تعليمه الأولى. واقترح أن يتم تقديم محاضرات لأطقم التدريس وللطلبة في المدارس عن ذوي الاحتياجات الخاصة وطريقة التعامل معهم، وأن يقوم عليها مجموعة من العلماء المتخصصين في هذا الشأن. وأشار إلى أن الأسرة تلعب دوراً هاماً في دمج الطفل المعاق داخل المجتمع، فتوعية الأهل تعد إحدى الخطوات المثمرة في عملية الدمج. وأكد عفانة على ضرورة أن يتم عمل خطة علاجية منفصلة لكل طفل، فحالات الإعاقة الذهنية لا تتشابه، ويجب أن يقوم الفريق المتابع لعمليات الدمج بتوفير المناخ المناسب لهذه العملية، من خلال المتابعة الدائمة لحالة الطفل المعاق ومدى تحسنها أو تدهورها وكيفية التدخل في الوقت المناسب لمنع حدوث انتكاسة في حالة الأطفال. وبين أن الاهتمام بالتجهيزات اللازمة للأطفال ذوي الإعاقة الحركية يساعد بشكل كبير في عملية دمجهم، فكل ما يحتاجه هذا النوع من الإعاقات هو الاهتمام بمساعدته في بعض الأمور، وهو أيسر بكثير من الإعاقة الذهنية التي تحتاج إلى متابعة طويلة من الاختصاصيين. وعن نسبة الإعاقة التي يمكن دمجها في المدارس قال الدكتور عبدالحميد عفانة: يعتمد الأمر على مدى تجهيز المدرسة وعلى توفر متخصصين في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. وأضاف: المدرب المتخصص في التعامل مع الأطفال المعاقين يمكنه الاعتناء بطفلين إلى ثلاثة أطفال كحد أقصى، ويختلف عمله عن عمل المعلمين فمهامه ليست تعليمية بقدر كونها مساعدة لهذه الفئة من الأطفال. الإعاقات البسيطة وقالت السيدة نعيمة خليفة بوشرباك المنصوري مديرة وصاحبة ترخيص مدرسة القدس النموذجية المستقلة بنين: تعتمد عملية الدمج على حالة الطفل، ومن هذا المنطلق يمكن تحديد مدى إمكانية دمجه والطريقة المثلى لهذه العملية، فلو اجتمعت الإعاقتين الذهنية والحركية يصعب دمج الطفل مع أقرانه. وتابعت: ودمج بعض الإعاقات الذهنية صعب جداً، فهناك حالات عديدة لأطفال في أعمار فوق العشر سنوات ويدرسون مقررات الصف الأول الابتدائي، فكل طفل معاق يعد حالة خاصة، ودمج الإعاقات الجسدية أو الذهنية البسيطة يمكن أن يؤتي ثماره على العكس من الحالات المتقدمة. وأوضحت المنصوري أن دمج الأطفال في المدارس يعد حالة إنسانية، تسعى إليها الإدارات حفاظاً على هؤلاء الأطفال وحرصاً على تقديم كافة سبل الدعم إليهم. وأشارت إلى أنه يجب على كل مدرسة أن توفر اختصاصيين نفسيين للطلبة، بالإضافة إلى آخرين للدعم، الأمر الذي يساعد هذه الشريحة من الأطفال على أن يستشعروا أهميتهم وقدرتهم على الاندماج في المجتمع. تأهيل المدرسين وقالت السيدة شاهين أختر مديرة مدرسة نوبل الدولية: نقبل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ممن لم تتجاوز إعاقاتهم نسبة %5 فقط، فنحن قادرون على التعامل مع مثل هذه الحالات، وفي حال زيادة النسبة عن هذا الحد نقوم برفضها حرصاً على مصلحة الطفل، فالمدرسة غير مهيأة لاستقباله، ويمكن أن يتسبب البرنامج المعد في تدهور الحالة لا إلى تحسنها. وأضافت: لا بد من توفير اختصاصيين نفسيين في كل مدرسة، فالكثير من الأطفال يتعرضون لاضطرابات نفسية في مراحل عمرهم الأولى، ومساهمة المدرسة في مساعدة هؤلاء الأطفال على تجاوز هذه الأزمات يعد واجبا على القائمين على التعليم. وأردفت: نشترط أن يكون المدرسون العاملون في مدارس نوبل الدولية لديهم الخبرة الكافية في مجال علم النفس، ليستطيعوا التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم عطية الله التي يجب أن نساهم جميعاً في رعايتها وتقديم كافة سبل الدعم لها.