

تعزيز الثقة الوطنية بالتأكيد على وحدة المجتمع والالتفاف حول القيادة
المثقف ليس صانع ضجيج بل صانع وعي.. ومطلوب حماية الوعي العام من الحرب النفسية
الكلمة المسؤولة سلاح المجتمعات للحفاظ على التماسك
المثقف الخليجي مطالب بالدفاع عن استقرار وطنه.. والمحافظة على خطاب عقلاني مسؤول
أكد سعادة الكاتب والروائي الدكتور عبدالرحمن بن سالم الكواري، وزير الصحة العامة الأسبق، أن دور المثقف في زمن الحروب يتجاوز حدود التنظير الفكري إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية تتمثل في حماية الوعي العام من الانفعال والتضليل، مشدداً على أن المعركة الحديثة لم تعد عسكرية فحسب، بل أصبحت معركة رواية ومعلومة وتشكيل وعي. وقال سعادته في حوار خاص لـ «العرب» إن المثقف الحقيقي هو «حارس الوعي»، القادر على الفهم قبل إصدار الأحكام، وعلى تهدئة العقول قبل تأجيج المشاعر، مبيناً أن انتقال المجتمعات من السلم إلى الصراع يضاعف حجم المسؤولية، حيث يصبح المثقف مطالباً بحماية المجتمع من الشائعات، وترسيخ الثقة بالمؤسسات، وتحقيق التوازن بين العاطفة والعقل.
وشدد الدكتور عبد الرحمن الكواري، في حديثه على أن أخطر ما يهدد الوعي العام في زمن الأزمات تأتي الشائعات، والخطاب العاطفي المتطرف وتسييس الحقيقة، مشيرا إلى أن «الكلمة المسؤولة» تمثل سلاحاً مجتمعياً يحفظ التماسك ولا يثير الكراهية.
كما أكد على أن الدعوة إلى الحكمة والسلام لا تعني ضعفاً، بل تعكس قوة عقلية ونضجاً حضارياً، وأن الحروب قد تنتهي، لكن الخطاب الذي يُنتج خلالها قد يرسّخ وعياً يمتد أثره لعقود.
وإلى الحوار:
◆ سعادة الدكتور عبدالرحمن الكواري.. كيف تعرّفون المثقف في زمن الحروب؟ وما الذي يميّزه عن غيره في لحظات الأزمات؟
¶ المثقف في جوهره ليس مجرد قارئ للكتب أو منتجٍ للأفكار، بل هو حارس الوعي العام، وفي زمن الحروب يتعاظم هذا الدور، لأن المجتمع يكون عرضةً للانفعال والخوف والتضليل.
فالمثقف الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على الفهم قبل الحكم، وعلى التبصير قبل التحريض، فهو لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يسعى إلى تفسيرها، وتهدئة العقول، ومنع الانزلاق إلى الكراهية أو التبسيط المخل.
◆ وهل يتغير دور المثقف عندما تنتقل المجتمعات من حالة السلم إلى حالة الصراع؟
¶ نعم، يتغير من حيث درجة المسؤولية لا من حيث المبدأ، في زمن السلم يساهم المثقف في بناء الوعي وتوسيع أفق المعرفة، أما في زمن الصراع فيصبح دوره أكثر حساسية، لأنه مطالب بأن يحمي المجتمع من التضليل والشائعات، وأن يرسّخ الثقة بالوطن ومؤسساته، يحافظ على التوازن بين العاطفة والعقل؛ فالحروب لحظات تختبر صلابة الوعي الجمعي.
معركة العقول
◆ ذكرتم في منشور لكم على منصة إكس أن المعركة لا تدور في ميادين القتال فقط بل في عقول الناس.. كيف تُخاض هذه المعركة اليوم؟
¶ في العصر الحديث أصبحت حروب الوعي لا تقل خطورة عن الحروب العسكرية، لأن المعركة اليوم تُخاض عبر: الإعلام ووسائل التواصل وصناعة الرواية السياسية، ونشر الشائعات أو توجيه الرأي العام، ولهذا فإن أخطر سلاح في زمن الحروب ليس الصاروخ فقط، بل المعلومة المضللة؛ وهنا يأتي دور المثقف في تفكيك الخطاب المتطرف وتصحيح الروايات المشوهة.
◆ وما أخطر ما يهدد الوعي العام في زمن الحروب من وجهة نظرك؟
أخطر ما يهدد الوعي العام ثلاثة أمور: الشائعات والخطاب العاطفي المتطرف وتسييس الحقيقة، حينها يصبح الناس أسرى الانفعال، ويضيق المجال أمام التفكير العقلاني، وهنا يجب أن يكون المثقف صوت الاتزان.
المثقف وصناعة الوعي
◆ إذا انتقلنا إلى الأزمة الراهنة والعدوان الإيراني على قطر.. برأيك كيف يتبلور دور المثقف القطري؟
¶ دور المثقف القطري في مثل هذه اللحظات يقوم على ثلاثة أبعاد:
أولاً: تعزيز الثقة الوطنية، بالتأكيد على وحدة المجتمع والالتفاف حول القيادة.
ثانياً: حماية الوعي العام من الشائعات والحرب النفسية.
ثالثاً: تقديم خطاب حضاري يعكس قيم المجتمع القطري القائمة على الحكمة والتوازن، فالمثقف ليس صانع ضجيج، بل صانع وعي.
أحيانا نرى التزام الصمت من جانب بعض المثقفين؛ فهل يحق للمثقف أن يلتزم الصمت في زمن الأزمات؟
الصمت أحياناً يكون حكمة، لكنه قد يتحول إلى تقصير إذا كان الوعي مهدداً، فالمثقف لا يُطلب منه أن يصرخ، بل أن يقول الكلمة المسؤولة، إن الكلمة في زمن الأزمات ليست رأياً شخصياً فقط، بل مسؤولية أخلاقية.
◆ الطرح العقلاني والدعوة إلى الحكمة والسلام يعتبره البعض ضعفاً في الموقف من جانب المثقفين وأنه لابد أن يسود الخطاب الحماسي في مثل هذه الأوقات؟
¶ على العكس تماماً.. فإن الدعوة إلى الحكمة ليست ضعفاً، بل هي أعلى درجات القوة العقلية، والضعف الحقيقي هو الانجرار وراء الغضب والانفعال دون رؤية. والتاريخ يثبت أن الأمم القوية هي التي تجمع بين القوة والحكمة.
◆ ذكرتم أيضا في منشوركم أن التحدي أمام المثقف الخليجي مضاعف.. لماذا؟
¶ صحيح.. لأن المثقف الخليجي يعيش في منطقة ذات حساسية جيوسياسية عالية.
فهو مطالب بأن يدافع عن استقرار وطنه، وفي الوقت ذاته يحافظ على خطاب عقلاني مسؤول، وهذا التوازن ليس سهلاً، لكنه ضروري.
◆ وكيف يدافع المثقف عن استقرار مجتمعه دون أن يفقد توازنه؟
¶ بأن يلتزم بثلاثة مبادئ: الصدق في المعلومة، الاعتدال في الخطاب، الوعي بتعقيدات الواقع، فالمثقف ليس خطيب تعبئة، بل مرشد وعي.
◆ ما المقصود بالكلمة المسؤولة في زمن الأزمات؟
الكلمة المسؤولة هي الكلمة التي: لا تثير الكراهية، ولا تنشر الشائعات، كما أنها لا تضعف الثقة بالمجتمع، ولا تنجر خلف الاستقطاب، إنها الكلمة التي تبني ولا تهدم.
◆ وهل هناك خطوط أخلاقية لا ينبغي أن يتجاوزها المثقف أثناء الحروب؟
¶ نعم، هناك خطوط أخلاقية أساسية، وهي عدم التحريض على الكراهية، عدم تبرير الظلم، عدم نشر معلومات غير مؤكدة، عدم استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب شخصية؛ فالمثقف الحقيقي يحمي القيم حتى في أصعب الظروف.
المثقفون والتهدئة
◆ هل يمكن للإعلام والمثقفين أن يكونوا عامل تهدئة وصناعة سلام؟
¶ نعم، بل إن هذا من أهم أدوارهم.السياسة قد تدير الصراعات، لكن الثقافة تستطيع أن تحافظ على إنسانية المجتمعات، والمثقفون قادرون على إعادة النقاش إلى مساحة العقل والإنسانية.
◆ كيف يمكن تجاوز ثنائية «نحن وهم» للوصول إلى هذه المساحة؟
¶ عندما نتذكر أن الإنسانية أوسع من الصراع السياسي.. فالمثقف لا ينكر الانتماء الوطني، لكنه يدرك أن الحروب ليست قدراً دائماً. ولهذا يجب أن يبقى في الخطاب الثقافي أفق إنساني أوسع.
◆ ذكرتم أن الوعي الذي يتشكل أثناء الحروب قد يبقى طويلاً.. كيف يحدث ذلك؟
¶ الحروب تترك آثارها في الذاكرة الجماعية، والخطاب الذي يسمعه الناس في تلك اللحظات يتسلل إلى تصورات الأجيال القادمة.. ولهذا فإن الكلمات التي تُقال في زمن الحروب قد تصنع وعياً يمتد لعقود.
◆ ومن وجهة نظرك ما هي أخطر الآثار الفكرية التي قد تخلّفها الحروب؟
¶ أخطر هذه الآثار يتمثل في ترسيخ الكراهية، تشويه صورة الآخر، وتطبيع العنف في الوعي الاجتماعي. ولهذا فإن مسؤولية المثقف هي أن يحمي المجتمع من هذه الآثار، وأن يذكّر دائماً بأن الحروب قد تنتهي، لكن الوعي الذي نصنعه خلالها قد يبقى طويلاً.
الاستقرار لا يتحقق بالحروب
◆ إذن كيف نفهم الوعي في الأزمة الراهنة التي تواجه منطقة الخليج؟
¶ الوعي في الأزمة التي تمر بها منطقة الخليج يقتضي قراءة المشهد الإقليمي بميزان متوازن، بعيداً عن التبسيط أو الاستقطاب.
فإيران دولة جارة لدول الخليج تربطها بالمنطقة علاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية، غير أن القلق الخليجي نشأ عبر العقود من بعض السياسات المرتبطة بفكرة تصدير الثورة وما حملته أحياناً من أبعاد عقائدية ونفوذ خارج الحدود، وهو ما يُنظر إليه كتهديد للاستقرار الإقليمي.
ومن هنا فإن الوعي في زمن الأزمات يقوم على التأكيد أن استقرار المنطقة لا يتحقق بالحروب، بل باحترام سيادة الدول والحوار وبناء منظومة إقليمية قائمة على التعاون. وفي مثل هذه اللحظات يصبح دور المثقف تهدئة الخطاب العام وتوسيع دائرة الفهم حتى لا تتحول الأزمات السياسية إلى صراعات في الوعي والوجدان.