علي الخلف.. من بيع الحلويات إلى أحد أبرز رجال الأعمال القطريين
اقتصاد
16 فبراير 2016 , 11:59م
محمد الجبالي
علي الخلف من أبناء قطر ولد في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي في بيئة تجارية بمنطقة «فريج البحارنة» أحد «فرجان الدوحة» المتراصة بهدوء من شرقها إلى غربها على ساحلها الوديع بجوار «فريج الأحمد» وبالقرب من «سوق واقف» الذي هو من أقدم مناطق مدينة الدوحة، بل مركزها التجاري الذي يعج بالحركة منذ القدم ولا زال شاهدا على هذا التاريخ بعد ترميمه؛ ليصبح معلما حضاريا وثقافيا يشد بقوة وشوق زوار قطر للاطلاع على معالمه كمكان سياحي متعدد الفعاليات يشار له بالبنان في كل مكان.
علي الخلف شخصية معروفة كرجل أعمال قطري وهو الذي عمل بتفانٍ لما يقارب الأربعة عقود من الزمن (1971-2006) كمسؤول بوزارة الاقتصاد والتجارة أكسبته في مجال عمله الرسمي والخاص خبرة وعلاقات وطيدة في الداخل والخارج.
ضيفنا يروي تجاربه
منذ الصغر لـ «العرب»
الالتحاق بالكتاب
لما كان عمره حوالي أربع سنوات التحق بالكتاب عند عمته "ثاجبة الخلف" التي كانت تدرس بنظام الكتاتيب في بيتها المجاور لبيتهم وكان بينهما "فرية" أي منفذ لتسهيل حركة الزيارات وتبادل مواعين الأكل التي هي عادة متأصلة في المجتمع القطري، لكن نظام التعليم الحديث بدأ يأخذ موقعه على الساحة التعليمية في قطر بعد اكتشاف النفط فالتحق علي الخلف بالتعليم الحديث منذ الصغر عام 1952 بمراحله المتاحة في بداياته"الروضة والتمهيدي وبعدها الابتدائي بأول مدرسة حديثة "المدرسة الابتدائية القديمة" المجاورة لفريق الغانم القديم "سوق الذهب حاليا، وكانت هذه المراحل التعليمية المتاحة حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، التي أصبحت "مدرسة خالد بن الوليد"، وهي أول وأقدم مدرسة حديثة في قطر، وكان يجاورها سكن للمعلمين العرب وبجواره قسم داخلي لسكن طلاب المناطق "الخور ودخان وزكريت وتلاميذ من البلاد الشقيقة" بعده ألحق بها قسم لتغذية الطلاب.
الابتدائي والإعدادي والتوجيهي
ويضيف قائلا: أنهيت تعليمي الابتدائي صيف 1960 والإعدادي 1963 والتوجيهي 1966 ثم أكملت تعليمي الجامعي في بعثة من الدولة بالالتحاق بجامعة بيروت العربية فحصل على بكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية سنة 1971 وكانت مرحلة الدراسة الجامعية من مراحل التحول في حياة الإنسان ليعتمد على ذاته في كل شيء، خاصة مع ظروف الغربة في تلك الأيام التي كانت فيها لبنان نسبيا بعيدة جغرافيا عن البلد وأخبارها لعدم توفر وسائل الاتصال الحديثة الموجودة فيما بعد، كما عايش في بداية دراسته الجامعية في بيروت مجتمعا منفتحا ثقافيا وجاذب لمختلف التيارات السياسية حيث كانت بيروت مركزا إعلاميا وماليا مميزا في المنطقة كما عايش عن قرب أحداث حرب 5 يونيو 1967" النكسة" وتداعياتها على الوضع العربي، وكانت تجربة الحياة الدراسية ثرية فكونت لديه رصيدا جيدا من الثقافة والمعرفة والصداقة الجديدة مع زملائه من الطلبة القطريين وغيرهم والتي استمرت حتى سنوات العمل.
بيئة لممارسة التجارية
وينوه رجل الأعمال علي الخلف بأن بيئته كانت تساعده على ممارسة التجارة مبكرا، وانطلاقته كانت لَهْوا طفوليّا أكثر منه تجارة تحقق عائدا يذكر بل هي عبارة عن محاولات تقليد لبائعي "الشربتات" في سوق واقف الذي يبعد عشرات الأمتار عن منزلهم، ومن ثم بيع الحلويات والمكسرات والآيس كريم لأطفال الفريج في المناسبات، وكانت الحياة بسيطة وصعبة في ذاك الزمان لمحدودية إمكاناتها، فلم تكن هناك حينها كهرباء أو مياه مكررة والمساكن كانت بسيطة جدا إلا ما ندر حيث كانت مبنية من الحصى والطين، وأفضلها مغطى بالجص، والبيوت عبارة عن غرف "دور سكن" في حوش مفتوح يحوي كل الاحتياجات من "الأغنام والدجاج وغيرها" وأرضيات الدور ترابية وأسقفها من جذوع الأشجار وسعف النخيل مغطاة بالطين، لا تقاوم أي أمطار بسيطة، وتمتلئ الطرقات الضيقة بين البيوت بمياه الأمطار التي تصبح بعد أيام من توقف هطولها فرصة لمختلف ألعاب الأطفال منها لعبة "حارة لو باردة"، وكان معظم الناس في مدينة الدوحة يتنقلون مشيا على الأقدام وتستخدم الدواب لنقل المياه من الآبار ومتطلبات البناء والاحتياجات المنزلية.
إيرادات النفط القطري
وبعد تعزيز إيرادات النفط القطري المصدر حديثا تحسنت ظروف الحياة شيئا فشيئا في المجتمع فأنشئت محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه وقامت المباني الحديثة ورصفت الطرق، ووصلت وسائل النقل الحديثة، وبرزت الوظائف بعد ما كانت حكرا على شركات النفط، فأقيمت الإدارات الحكومية ونشط قطاع الأعمال لتوفير متطلبات الحياة الحديثة من السلع والخدمات، وصَدَرت في مطلع الستينات من القرن الماضي باقة أولى من القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية والتجارية وغيرها في الدولة، وخلالها بعد أن أصبحنا شبابا بدأ اهتمام الأهل في إجبارنا لمعاونتهم بصفة غير منتظمة في أعمالهم التجارية ونقوم أحيانا بأعمال تجارية بسيطة لحسابنا.
الانخراط في الأعمال الحرة
ويقول علي الخلف: كانت ميولي في البداية بعد التخرج عام 1971 الانخراط في الأعمال الحرة بالالتحاق بوالدي "رحمه الله" الذي انتقل بعمله التجاري إلى دبي في ستينيات القرن الماضي فكان يجلب لها ولأبوظبي من قطر مواد غذائية مثل: "الخضار، والفواكه، والبيض، والبصل، والبطاطا وغير ذلك" حيث كانت قطر في حينه متقدمة عليهما في تجارة هذه المواد لتطور الحياة فيها وجاذبة لكثير من الناس للعمل بعد اكتشاف النفط، لكن الحظ لم يحالفه في تلبية تلك الرغبات فآثر العمل والإسهام في نهضة بلده من موقع عمله الرسمي بوزارة الاقتصاد والتجارة مع بدايات إنشائها التي تمت بعد فترة وجيزة من تأليف أول مجلس للوزراء في دولة قطر.
وفي المرحلة الثانوية لم يكن لديه اختيار مستقبلي محدد، فتارة كان يستهويه الدخول في سلك التدريس لما له من أهمية في المجتمع كما كان لديه ميول في دراسة الهندسة لكونها أخذت حيزا من اهتمامه مبكرا؛ حيث صمم عددا من "دور السكن" لبناء حديث في بيت خاله وهو في سن السادسة عشر ونفذت في حينه ولا زال هذا الاهتمام قائما لديه لمتطلبات أعماله الحالية، لكن شاءت الظروف لأن يلتحق بكلية التجارة التي حققت له مطلبا علميا ليطور ما مارسه مبكرا من أعمال تجارية، وهذا ما تم والحمد لله.
الطموحات بعد التخرج
كانت هناك بعض الطموحات لديه بعد التخرج الجامعي لاستكمال الدراسات العليا إلا أن الانشغال بالوظيفة العامة أخذ جل وقته واهتمامه، فالبداية كان موظفا في قسم التموين ومراقبة الأسعار والغش التجاري بوزارة الاقتصاد والتجارة ثم رئيسا له؛ حيث كان تموين السلع يحظى بأهمية بالغة لدى الدولة بعد أن كان أحد مهام غرفة التجارة مع الاستيراد؛ لكون إنشاء الغرفة سابق على إنشاء الوزارة بسنوات، كما أن حرب أكتوبر عام 1973 بين إسرائيل ومصر وسوريا كانت لها آثار بالغة في ارتفاع أسعار السلع عالميا وبالذات الغذائية" السكر، الرز، القمح والزيوت" الأمر الذي أوجد أعباء إضافية عليه في توزيع السلع المدعومة ومراقبة أسعارها وهو لا زال يدير قسما حديثا غير مكتمل الإمكانات والكوادر المتخصصة.
زيادة الأعباء
في عام 1976 عين علي الخلف مديرا لإدارة الشئون الاقتصادية بالوزارة وكذلك مراقبا عاما للسجلات التجارية، وقال في هذا الصدد: فقد زادت الأعباء خاصة ونحن بدأنا بالمشاركة في وفد دولة قطر برئاسة أول وزير للاقتصاد والتجارة المغفور له الشيخ ناصر بن خالد آل ثاني في دورات المجلس الاقتصادي العربي في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة منذ عام 1971 عند ما كان أمينها العام في ذلك الوقت المرحوم عبدالخالق حسونة، ولجانه المتفرعة، كما كانت له مساهمات لا بأس بها ودور فعال من خلال مشاركته كممثل لدولة قطر وعضو وفدها في العديد من الزيارات الأميرية ورئيس الوزراء والوزارية والملتقيات والمحافل العربية والإقليمية والدولية على الصعيد الثنائي والدولي، فكانت له مشاركات في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الاسكوا" منذ بداية إنشائها، كما شارك بانتظام في الاجتماعات الاقتصادية "كومسيك" إسطنبول ولجنة التعاون التجاري والاقتصادي والاجتماعي "جدة" التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، واجتماعات مجلس التعاون وعدد من اجتماعات "الأونكتاد" واجتماعات لجانه الإقليمية، واجتماعات مجموعة "الـ77" ناهيك عن دوره في أشغال اللجان الثنائية مع الدول الأخرى "تعاون تجاري واقتصادي، حماية استثمارات، منع ازدواج ضريبي" بجانب اللجان الداخلية القطرية والخليجية البينية للشؤون الاقتصادية والصناعية، وكان عضوا في مجلس إدارة كافكو للأسمدة الكيماوية 16 سنة (1971-1986) ومجلس إدارة الصناعات التحويلية لمدة 8 سنوات منذ تأسيسها، ومجلس إدارة مؤسسة حمد لمدة عامين، ومجلس إدارة جمعية المنتزه التعاونية لمدة 12 سنة منذ تأسيسها والمساهمة في عمل الجمعيات نال منه اهتماما بالغا؛ لأنه عمل تعاوني نبيل يخدم المجتمع بكل نزاهة وشفافية بالتعاون مع إخوة أفاضل ساهموا بكل إخلاص للرقي بالعمل الاجتماعي من خلال جمعية المنتزه لمراتب عالية.
وزير الاقتصاد الشيخ ناصر
وكان المغفور له الشيخ ناصر بن خالد آل ثاني أول وزير للاقتصاد والتجارة، ونعم الإنسان المخلص لخدمة بلده من موقعه هذا، وكان يوجه الجميع لخدمة المواطنين ورعاية مصالحهم ولا يقبل بأي إساءة من موظفي الوزارة لأي أحد كان، كما كان عطوفا على الجميع ومحبا ومشجعا لهم دون تفرقة، وشخصية بارزة في المجتمع القطري يحرص كثير من الشيوخ والوجهاء على حضور مجلسه يوميا بانتظام لكونهم يقدرونه ويقدرهم ويبادلهم الرأي والمشورة لخدمة الصالح العام وقطاع الأعمال وهو أحد أعمدتها في الدولة؛ حيث تبوأ العديد من المواقع الهامة وله علاقات وثيقة وتقدير من معظم القادة والساسة وكبار المسؤولين العرب، وبعد رحيله عام 1986 بعدة سنوات انضمت الوزارة إلى وزارة المالية ثم انفكت عام 2002، فرأى علي الخلف في تلك السنة ضرورة الابتعاد عن الإدارة التنفيذية في الوزارة لإفساح المجال لمن معه من الزملاء ليأخذوا دورهم الريادي وهذا ما تم، فأصبح مستشارا اقتصاديا للوزير حتى التقاعد عام 2006.
التفرغ للأعمال الخاصة
بعد ذلك تفرغ بشكل أفضل لأعماله الخاصة التي أسسها باسمه وأولاده منذ التحاقه بالوظيفة في الدولة، وتنوع فيما بعد بنشاطاته التجارية من خلال شركات متفرعة أو من خلال شراكات جديدة مع مواطنين وغير مواطنين، فتعثر كثير منها وتعرض لخسائر كبيرة لانشغاله بعمله الرسمي على حساب عمله الخاص، فتمكن الشركاء وبالذات الأجانب من استغلال تلك الظروف لصالحهم لأن الأولاد لا زالوا في سن مبكرة، ومع أن الوقت لم يكن يسعفه للاهتمام بمصالحه الخاصة بشكل أفضل طوال فترة عمله الرسمي ولكن هذا لم يمنعه من الإشراف والتوجيه لأعماله الخاصة.
وقال: هذه النشاطات التجارية على اختلافها بدأت في تأسيسها بإمكانات ذاتيه منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ونظمها حسب القوانين والأعراف التجارية السائدة مستفيدا من خبراته الخاصة والرسمية، لا يدعي بذلك أنه قام بتأسيس شركات تجارية كبيرة وإنما تجربة حياة اعتمادا على الله ثم على إمكاناته الذاتية وخبراته في إنشاء نشاطات تجارية متنوعة ومتواضعة بالمقارنة مع مثيلها في السوق القطري، ولم يعمل في تجارة العقار الذي هو أكثر ضمانا وعائدا لما تحقق من طفرة خيالية في أسعاره وعوائد كبيرة لمن عمل به مبكرا.
ولا يحبذ الاستثمار الخارجي؛ لأنه فشل فيه وتعرض لخسارات متعددة بما فيها أسهم الأسواق الخارجية معتقدا أنه غير محظوظ فيها، وختاما يقول: الحمد لله على الستر.