دعوات لتعاون وتكاتف مؤسسات المجتمع لمكافحة «التخلي» عن المسنين

alarab
تحقيقات 16 يناير 2013 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
لماذا يتخلى كثير من الأبناء عن آبائهم؟ لماذا يقبع كثير من المسنين في المستشفى أو مؤسسة الرعاية دون أن يزورهم أحد؟ ما هو السبب وراء هذا العقوق والتفكك الغريب على المجتمع العربي والدين والقيم والعادات والأعراف الاجتماعية؟ هل هو ضعف الوازع الديني؟ هل هو انشغال الأبناء بالحياة الحديثة؟ هل هو غياب القدوة في التربية؟ العرب حاولت البحث عن إجابة عن هذه الأسئلة. ظاهرة غريبة أفاق سكان إحدى العمارات في مدينة عربية على أصوات قرقعة وتوسلات وجلبة عظيمة، وكانت المفاجأة عندما أطلوا من أبواب بيوتهم صاعقة ومرعبة؟ كان رجل في الأربعينيات من العمر يمسك بقدمي طاعن بالسن ويسحبه على سلم العمارة، ورأس المسن يسقط من درجة إلى أخرى، ظن السكان أن هناك شجارا بين الرجلين، فتدخلوا لحل النزاع، وفصلوا بين الاثنين، ولكن كانت الصاعقة الكبرى عندما عرف أهل العمارة أن الرجل الكبير هو والد الخصم، وقال أحد كبار السن كان يسكن في الحي ولم يستغرب ما حدث: «إن هذا الكهل كان يفعل بوالده ما يجري معه الآن». ما يجري عندنا اليوم لم يصل إلى هذه المرحلة، ولكنه قد يصل يوما ما إن لم نفق من الحياة الجارفة التي تشغلنا اليوم وتربك حياتنا وعلاقاتنا. يقول فهد محمد حسين (37 عاما) : إن تخلي الأبناء عن والديهم يدل على أنهم أبناء عاقون، وتنقصهم التربية الحسنة والأخلاق، وطالب بأن تشدد الإجراءات على ذوي المسنين الذين يتخلون عن كبار السن، وأضاف أن المسؤولية عن الآباء المسنين تقع على كل الأبناء ذكورا وإناثا، ولا يجوز أن يقول كل واحد منهم: إنه لا يستطيع تحمل المسؤولية. وأشار إلى أن النسبة العظمى من المجتمع ما تزال تحترم كبار السن وترعاهم وتحافظ عليهم كما أمر الله تعالى، ولكن فئة قليلة انحرفت نتيجة ضعف الدين في حياتهم، وقلة التربية والانشغال بالحياة الحديثة والسيارات والرياضة والفضائيات، وما إلى ذلك. نورا أحمد (35عاما) قالت: أحس بصدمة كبيرة لدى سماعي مثل هذه الأمور في المجتمع، أيعقل أن يتخلى الأبناء عن والديهم في هذه الظروف الصعبة؟ أيعقل أن يكون جزاء كبار السن والوالدين بعد ما بذلوه من أعمارهم وجهدهم وأموالهم في تربية أبنائهم أن يتخلى عنهم الأبناء؟ ولماذا يتخلى الابن عن والده ويتركه لمؤسسة رعاية المسنين؟ إنه أمر محزن مبك، ومن المؤسف أن يكون بيننا من الأسر، وممن لهم وضعهم في المجتمع، ومن الأغنياء الذين يستطيعون إعالة العشرات من كبار السن، ولكنهم يتخلون عن والديهم، «خسارة والله خسارة على الرجال والحريم.. يتعلمون ويدرسون وما يقدرون أن يبروا والديهم». دراسة حالة الأسرة ويقول عضو مجلس إدارة المؤسسة القطرية لرعاية المسنين محمد علي الجسيمان ، لـ»العرب»: لقد مر علي أثناء إدارتي لمستشفى الرميلة حالات كثيرة من كبار السن تخلى فيها الأبناء والأسرة عنهم، وكان من أبنائهم من يستطيع تمويل مؤسسة كاملة للرعاية، ولكنهم لم يتحملوا والديهم في أشد ما يكونون حاجة إليهم، وقال: إن هذه الظاهرة قد يكون لها أسباب مختلفة، منها انشغال الأبناء بالعمل والحياة الحديثة بصخبها وأزماتها المتعددة، ومنها وهو الأخطر عقوق زوجة الابن التي ترفض تحمل الوالدين أو أحدهما، وقد تسيء معاملتهما، ويبقى الابن حائرا ما بين تطليق الزوجة الرافضة لرعاية الوالدين، أو التضحية بالوالدين وإرسالهما إلى المستشفى أو دار الرعاية، وهناك كثير من كبار السن يعانون أشد المعاناة وهم في أسرهم، فالابن يغادر البيت إلى العمل، فتقوم الزوجة باضطهاد كبير السن وسومه أشد العذاب، ويرفض الكثيرون من كبار السن التحدث مع الابن وإخباره بالأمر خوفا على مشاعره ومن ردود فعله التي قد تكون الطلاق وتفكك الأسرة وضياع الأبناء. ويرى الجسيمان ألا يتم إجبار الأسرة على رعاية المسن، وأن تفعيل القانون الخاص بالحفاظ على حقوق كبار السن قد يكون له آثار سلبية على المسن نفسه، فالابن الذي تخلى عن والده ولم يراع الدين والأخلاق والقيم عندما يجبر على رعاية المسن في بيته قد يلتزم بذلك، ولكنه يظلم المسن ويسيء معاملته في البيت دون أن يعلم به أحد، والمؤسسة القطرية لرعاية المسنين تلتزم برعاية المسنين الذين لا يجدون من يعولهم، وتسعى ضمن برامج مدروسة لنشر الوعي بحقوق المسنين، وتدريب الناس على كيفية التعامل معهم، وبالتالي فإنني أعتقد أن كل حالة يجب أن تدرس على حدة، وتدرس أوضاعها من جميع الجوانب، ويقدر لها الأسلوب المناسب في قضية التعامل مع المسن، قد يكون من الخير للمسن أن يقيم في المؤسسة بدلا من التعرض لأقسى أنواع الإهانة والازدراء في بيت لا يراعي حقوق الله والعباد. المسن والواقع الاجتماعي يوضح خبراء اجتماعيون أنه مع التطور العلمي والصحي ارتفع عدد المسنين في العالم؛ إذ تشير الإحصاءات الدولية إلى أن عدد المسنين (60 سنة فأكثر) على مستوى العالم بلغ (250) مليونا عام 1960م، ثم ارتفع هذا العدد إلى (376) مليونا عام 1980م، كما تشير التقديرات الحالية إلى أن عدد المسنين في العالم (750) مليونا، ثم إنه سيزداد إلى (950) مليونا عام (2020)، وفي المقابل ترتفع نسبة المسنين في سكان العالم من (%2.8) إلى حوالي (%5.12) عام (2020)، ولم يحدثنا التاريخ الإنساني عن ظاهرة تزايد عدد المسنين بهذه الكمية بمثل ما هو متوفر في عصرنا الحاضر. وهذه الحقيقة (تزايد عدد المسنين في العالم) ينبغي أن تنعكس على الأنظمة الاجتماعية والخدمات والمهن الإنسانية التي تتعامل مع المسنين؛ إذ كلما ارتفعت أعداد المسنين تعددت وتنوعت الحاجات والمتطلبات، الأمر الذي يجعل من رعاية المسنين قضية ملحة على المستويين الاجتماعي والإنساني، ولا بد أن ندرك أن التقدم في العمر والوصول إلى سن الشيخوخة ليس مشكلة بذاتها، وإنما ما نود قوله هو أن لكل فئة عمرية مشكلاتها التي ينبغي أن تتضافر الجهود لعلاجها بما يتناسب وطبيعة الفئة العمرية. وإزاء هذه التحولات الاجتماعية السريعة التي نشهدها ينبغي أن نلتفت إلى هذه المشكلة، للعمل على تطوير المهن الإنسانية وأساليب الخدمة الاجتماعية، لتوفير أرقى حالة ممكنة في رعاية المسنين. ولا بد أن ندرك في هذا الإطار أن استفحال النزاعات العائلية والاجتماعية يدفع بشكل أو بآخر إلى إهمال المسنين وعدم الالتفات إلى متطلباتهم وحاجاتهم النفسية والاجتماعية والجسدية؛ لذلك نرى أن إصلاح الأوضاع الاجتماعية، وتنظيم المحيط الأسري وتوعيته، يساهم في تطوير مستوى الرعاية لدى المسنين، فالأسرة بما تشكل من علاقات وبيئة هي المسؤولة الأولى عن رعاية المسنين لديها، فمؤسسات الإيواء ليست بديلا عن الأسرة في هذا المجال، وذلك لأن الأسرة تمتلك مواصفات لا تملكها مؤسسات الإيواء؛ لذلك ينبغي أن تلتفت كل الأسر إلى ضرورة العناية بالشيوخ والمسنين؛ لأنها هي البيئة المثلى لتوفير كل أشكال الرعاية للمسن. حالات فردية الدكتورة أمينة الهيل الخبيرة النفسية والاجتماعية لها اهتماماتها التطوعية في مجال المسنين والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، وتشرف على دمج ذوي الاحتياجات في المدارس، قالت لـ»العرب»: إن المجتمع القطري ولله الحمد ما زال متمسكا بالقيم والأخلاق الحميدة التي أرساها ديننا الحنيف، وأضافت: معظم الحالات التي تتكلم عنها الناتجة مِن تخلي الأسر عن كبار السن هم من المقيمين، وهم من كبار السن الذين لا يوجد لهم أسر في دولة قطر، وأما ما تشير إليه من أن بعض الأسر القطرية تخلت عن المسن لديها، فهي حالات فردية لا يقاس عليها، أي أنها لا تعد ظاهرة، أما أسبابها فهي مختلفة ومتنوعة، ومنها: عدم قدرة الأسرة على رعاية المسن لعدم وجود شخص متفرغ لرعايته، وبعض المسنين يحتاجون لرعاية صحية خاصة، وهناك الانشغال بالحياة وأزماتها، ويوجد في بعض الأسر ظروف خاصة خارجة عن إرادتها لا تمكنها من إيواء المسن. وتمنت الهيل أن يتمكن المسنون في أسرتهم وفي المستشفى والمؤسسة من مزاولة الأعمال البسيطة التي يستطيعون القيام بها، ومن ممارسة هواياتهم التي كانوا يتمتعون بها في سابق عهدهم، وأن يتم عمل ناد في المؤسسة القطرية لرعاية المسنين، يلتقي به المسنون من كل مكان للحديث وممارسة الهوايات، والتداول والنقاش، الذي سيساهم في إدماج المسن بالمجتمع وإشعاره بأنه عضو فعال فيه. ضعف الوازع الديني الداعية الدكتور أحمد البوعينين قال: إن الإسلام منهج حياة متكامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكرياً، والمتأمل في شؤون الحياة سيجد أن الإسلام وضع له أصولا وضوابط وآدابا، فلا يحتاج الفرد والجماعة أن ينظروا في المناهج البشرية التي اختلط فيها الحق والباطل، مشيراً إلى أنه في غمرة هذه الحياة البشرية نجد مشكلات وظواهر في حياتنا المعاصرة تعد غريبة ومؤرقة، ويسعى الناس في تفسيرها إلى مناهج شتى، وينسون أو يتناسون أن السبب الرئيس لهذه المشكلات هو بعدهم عن دين الله تعالى الذي لا يقبل من أحد من البشر دينا غيره، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). ومن الظواهر الاجتماعية المؤرقة إهمال المسنين وعدم العناية بهم وضياع الأدب معهم في هذه المرحلة التي تحتاج إلى الرحمة والشفقة عليهم ورد الجميل لهم. ونوه البوعينين بأن الإسلام قد بين ضرورة الاهتمام بالوالدين فقال الله تعالى في كتابه العزيز: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة». والإسلام أكرم ذا الشيبة المسلم ودعا إلى إجلاله وتوقيره، فكيف إذا كان ذو الشيبة والدك أو والدتك؟ وقد قدم الرسول حق الوالدين على الجهاد، وعندما سئل في الحديث: «أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله». أعظم القربات وبين البوعينين أن خدمة الوالدين ورعايتهما من أعظم القربات إلى الله تعالى، وعلى الأبناء أن يتنافسوا في خدمتهم. ولكننا عندما ننظر إلى واقعنا اليوم نرى أن الكثيرين قد وقعوا في عقوق الوالدين؛ فالبعض قد تخلى عنهم ورماهم في دور المسنين، والإسلام شرع حقوقا لأهله في دولة الإسلام؛ منها حق الرعاية الصحية والاجتماعية بتهيئة جميع المرافق العامة التي يحتاج إليها في حدود الإمكانات المتاحة، كما يجب على الدولة أن تتكفل لكل إنسان بحقه في العيش الكريم بما يحقق له الكفاية لنفسه وكفاية من يعوله، فقد أنشأت الدولة المؤسسة القطرية لرعاية المسنين التي اختلف الكثير في إنشائها خشية أن يرمي الأبناء آباءهم، ولكن هذا حق من الحقوق التي تكفلت الدولة بها، وهي الاهتمام بالمسنين والعناية بهم. وأوضح البوعينين أن المؤسسة القطرية لرعاية المسنين ترعى هؤلاء المسنين وتؤوي من تعجز أسرهم عن رعايتهم أو من ليست لهم أسر ترعاهم رعاية صحية واجتماعية ونفسية، وتؤهلهم لمواجهة المشكلات الناتجة عن كبر السن وكيفية التأقلم معها، وتهتم بإدماج المسنين في المجتمع، وكذلك تهتم المؤسسة ببرامج صحية وعلاجية وبرامج ثقافية، وتقدم بالشكر إلى المؤسسة القطرية لرعاية المسنين على ما تقدمه لآبائنا وأمهاتنا. وروى البوعينين قصة تقول: إن ابنا بعد إلحاح من زوجته أمرته بإخراج والدته من البيت، وأصرت الزوجة على إخراجها، فأخذها وقال لها: سنذهب في نزهة اليوم، ففرحت الأم، فهي منذ فترة لم تخرج من البيت، فأخذها ابنها إلى البر وعندما وصل قال لأمه: سأتخلص منك وأتركك هنا حتى يقضي الله بأمرك. قالت له أمه: أريد أن أصلي وبعدها افعل ما تشاء. وفعلاً قامت تصلي وفي السجود الأخير أخذ الولد حجراً كبيرا يريد أن يرميه على والدته، وإذا بصوت عال يهز المكان، وإذا بالأرض تنشق وتبلع هذا الابن العاق. غياب الرحمة الدكتور علي الجمال إمام وخطيب مسجد آل سعد قال «العرب»: إنه لمن المؤسف أن توجد ظاهرة تخلي الأسر عن المسنين في بلاد العرب والمسلمين، وإن وراء هذه الظاهرة، سواء في التخلي عن المسنين أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو الأيتام، أسبابا منها: غياب الرحمة من قلوب الأبناء، فلا يتذكرون جميل الآباء وسهرهم وتعبهم، وقد دخل أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم ورآه يقبل الحسن أو الحسين رضي الله عنهما، فقال: أوتقبلون أبناءكم؟ إن لي عشرة من الأبناء ما قبلت أحدا منهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «وماذا أفعل إن كان الله قد نزع الرحمة من قلوبكم؟!». وهذا ما يجب أن نزرعه في قلوب النشء، وفي حديث آخر للرسول عليه السلام: «الخلق عيال الله، أحبهم إليه أرحمهم بعياله». وهناك سبب آخر وهو التقصير في تربية الأبناء، فيسعى الآباء اليوم إلى تعليم الابن، وأن يحصِّل أفضل المواقع والوظائف بتعلق واضح بالماديات، ويقصر في زرع المعاني الدينية من الرحمة والمودة وصلة الرحم ومعاونة المحتاج، ثم يكون الآباء هم أول من يحصد ثمار العقوق والتقصير. وأضاف الجمال أن هناك تعقيدات الحياة الحديثة ومشاغلها، التي جعلت الكثير من الشباب آخر ما ينظرون إليه هو الرحمة والالتزام بالدين والأخلاق التي حض عليها الإسلام، وقد تكلمت قبل فترة وجيزة عن اليتيم الذي ما زال أبواه على قيد الحياة، ولكنهما مشغولان عنه بأعمالهما ودنياهما وتركاه لخادمة لا تجيد من فن التربية شيئا، وهل ننتظر من هذا عندما يكبر أن يرحم والديه ويحسن إليهما؟! أما عن حل المشكلة فرأى الجمال أنها تحتاج إلى تعاون وتكاتف من جميع مؤسسات المجتمع وفئاته، فيمكن لمؤسسات الرعاية أن ترسل للأبناء المتخلين عن آبائهم رسالة تذكرهم بالوالدين والتواصل معهم إن لم يكن ضمهم لأسرهم، وعلى الخطباء والدعاة التوعية بهذا الموضوع على المنابر وفي الدروس. وعلى وسائل الإعلام مسؤولية كبيرة، فالحل تكاملي لا يقوم به فرد أو جماعة واحدة.