إفريقيا في مفترق طرق.. باحثون يناقشون سبل بناء سيادة حقيقية في القارة السمراء

alarab
قطر اليوم 15 ديسمبر 2025 , 01:24ص
هشام يس - حامد سليمان

اختتم مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة، أمس، أعمال مؤتمره الدولي بعنوان «إفريقيا وتحديات الأمن والسيادة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة»، الذي امتد على مدى يومين (13 و14 ديسمبر). 
جمع المؤتمر نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين في الشؤون الإفريقية من داخل القارة وخارجها، لمناقشة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه إفريقيا في عصر التنافس الدولي المتزايد.
ركز المؤتمر، الذي عقد عبر سبع جلسات عمل، على قضايا محورية مثل النزاعات المسلحة في مناطق الساحل وشرق الكونغو والسودان، والتدخلات العسكرية الأجنبية، وعودة الانقلابات العسكرية، ودور الوساطات الإقليمية، والسيادة الرقمية، بالإضافة إلى استشراف سبل بناء سياسات إفريقية مستقلة ومستدامة. وانتهت الجلسات الختامية بنقاش استشرافي حول كيفية بناء استقلال إفريقي حقيقي في القرار السياسي والاقتصادي، وتجاوز إرث التبعية التاريخي، مع التركيز على تطوير استراتيجيات إقليمية تعزز التكامل والاستقرار بين الدول الإفريقية.
يأتي هذا المؤتمر في سياق تحولات جيوسياسية عالمية عميقة، حيث تشهد القارة الإفريقية تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، مما يؤثر على سيادتها الوطنية ويفاقم هشاشة بعض الدول. كما يعكس اهتمام مركز الجزيرة للدراسات المستمر بالشؤون الإفريقية، في ظل ما تواجهه القارة من تحديات مزمنة مثل الفقر والنزاعات، ومخاطر متزايدة تهدد أمنها الغذائي والتنموي.

البعد الرقمي في النزاعات الإفريقية: ساحة جديدة للقوة والأزمات

شهدت الجلسة السادسة من المؤتمر نقاشات عميقة حول السيادة الرقمية، دور الذكاء الاصطناعي في توجيه السرديات، والحركات الشبكية بين المقاومة والاستغلال السياسي. 
شارك في الجلسة خبراء وأكاديميون متخصصون، حيث استعرضوا كيف أصبح الفضاء الرقمي ساحة لتشكيل القوة، مع الإشارة إلى التحديات مثل الفجوة الرقمية، هجرة العقول، والتهديدات السيبرانية. 
وأكد المشاركون على أهمية بناء سيادة رقمية مستقلة للدول الإفريقية، في ظل الشراكات الدولية والتطورات التكنولوجية السريعة، مما يعيد رسم خريطة النزاعات والتغيير الاجتماعي في القارة.
 أبرز الدكتور عبدالحق بلحي، الأكاديمي والباحث المتخصص في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، التحول الجوهري الذي شهدته إفريقيا في علاقتها بالتكنولوجيا. 
وقال: «لسنوات طويلة ظلت إفريقيا تعاني فجوة رقمية واسعة ونقصًا في التمويل واعتمادية شبه كاملة على الخارج، لكن العقدين الأخيرين شهدا تحولًا جوهريًّا أعاد تشكيل علاقة القارة بالتكنولوجيا».
وأكد بلحي أن دخول الصين إلى إفريقيا لم يكن بديلاً عن أحد، بل مسرعاً استراتيجياً ساعد القارة على تجاوز مراحل تاريخية طويلة. 
وأضاف: «أنقذت الشراكة الصينية القارة الإفريقية من انتظار مراحل تاريخية؛ فقفزت القارة مباشرة نحو شبكات الجيل الرابع والخامس، وأن الشراكة الصينية منحت إفريقيا فرصة لإعادة تعريف مفهوم السيادة الرقمية، من سيادة مستوردة إلى سيادة مبنية على بنية تحتية صلبة وقدرة على تشغيلها»
من جانبه، عرف الدكتور نبيل حسن ليتيم، رئيس قسم ضمان الجودة وأستاذ مساعد في الدفاع السيبراني بأكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية، مفهوم السيادة الرقمية بأنه «حق الدولة في السيطرة على فضائها الرقمي والتحكم في البيانات المتولدة داخل حدودها، وهي امتداد طبيعي للسيادة التقليدية للدول وتسمح بالتحكم في القرارات التقنية بما يحمي المصالح الوطنية».
وأشار ليتيم إلى أن التحدي الأساسي في إفريقيا يكمن في غياب القدرات التقنية بسبب هجرة العقول، مقترحاً الحل في «السيادة التعاونية المرنة». 
وأضاف: «أن 39 دولة إفريقية لديها قوانين لحماية البيانات الشخصية، وتسعى لتعزيز السيادة القانونية، وأن نقص الكفاءات يؤثر على تنمية وتطوير صناعة رقمية محلية».
وأكد إدريس آيات، الأكاديمي والباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية، على الدور الفريد لجيل زد في القارة. 
وقال: «جيل زد يختلف عن جيل الربيع العربي، ويمثل 31.2 % من سكان إفريقيا، أي 428 مليون فرد في القارة، وأنه الجيل الأول الذي وُلد في عصر الإنترنت».
وأوضح آيات أن «أدوات وآليات جيل زد في التغيير تختلف عن كل الأجيال التي سبقته، وثورته قامت لإيقاف الفساد وتغيير بعض النخب السياسية»، مشيراً إلى كيف أصبح هذا الجيل قوة دافعة للحركات الشبكية في مواجهة التحديات السياسية.
وفي مداخلته، استعرض طاهر زين، الصحفي والكاتب من تشاد، تطور الوجود الرقمي للتنظيمات المسلحة. 
وقال: «عصر ما بعد المنع بدأ من عام 2018 عندما شدَّدت المنصات الرقمية الرقابة على المحتوى، وحجبت حسابات التنظيمات المسلحة، وهذا لم يُثْنِ التنظيمات عن الانتشار الرقمي».
وأضاف زين: «في عامي 2024 و2025، أصبح الوجود الرقمي لتنظيم القاعدة وداعش أكثر مرونة وتطورًا، واعتمد التنظيمان على التشفير غير المركزي والتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي». 
وختم مداخلته بالتساؤل: «تحول كبير فرضته التقنية، والمعركة اليوم انتقلت من الجبال والصحاري إلى الفضاء الرقمي، وهذا يدعو للتساؤل: كيف تمكنت التنظيمات المسلحة من المحافظة على التواصل رغم الحملات العالمية التي تستهدف وجودها في الفضاء الرقمي؟ فلابد أن هناك إستراتيجية بديلة بعد المنع».
واختتمت الجلسة بدعوة جماعية لتعزيز القدرات الرقمية في إفريقيا، مع التركيز على الشراكات الاستراتيجية والتشريعات الوطنية لمواجهة التهديدات السيبرانية والاستغلال السياسي.

تياران متضادان يتنازعان مستقبل القارة

أكد الباحث السنغالي هارون با، المتخصص في العلوم السياسية، خلال في الجلسة السابعة والختامية، أن مستقبل القارة الإفريقية على المدى القريب والبعيد يتنازعه تياران متباينان: تيار متفائل يرى أن المستقبل لإفريقيا بفضل مواردها البشرية والطبيعية الهائلة، وتيار متشائم يغلب عليه أنصار المركزية الغربية، الذين يرون في إفريقيا مجرد هامش للنظام العالمي.
وقال با: «يتنازع مستقبل القارة الإفريقية على الآماد القريبة والبعيدة تياران متباينان في الرؤية الفكرية والآليات التنظيمية والأهداف الإستراتيجية، أحدهما متفائل للغاية يرى أن المستقبل لإفريقيا، وآخر متشائم وجُلُّهم من أنصار المركزية الغربية».
وأشار إلى تباين درجات التبعية الإفريقية، مستندًا إلى التقارير الدولية التي تصنف بعض الدول كـ «نامية» وأخرى كـ «أقل نموًا»، مما يرسخ فكرة الهشاشة غير المتساوية. 
وأوضح أن غالبية الدول المصنفة كأقل نموًا هي الدول الفرانكفونية، مما يعكس تأثير الإرث الاستعماري.
وأضاف با أن قضية السلطة في إفريقيا لم تُحسم بعد، حيث «لا يمكن الجزم بطريقة الوصول إلى السلطة في الدول الإفريقية، وبعد الوصول إليها لا ندرك أيضًا أين تنتهي صلاحيات الرئيس أو السلطة المتغولة. فقضية السلطة لم تُحسم، وكذلك قضية الثروة ونصيب كل مواطن منها».
وخلص إلى أن القلاقل والتوترات الأمنية وتغول السلطة التنفيذية ناتجة عن غياب مشروع جامع وطني أو قاري، قائلًا: «القلاقل والتوترات الأمنية وتغول السلطة التنفيذية نتجت كلها عن غياب مشروع جامع، فلو كان موجودًا لتوجهت له كل الجهود والطاقات».
من جانبه، قدم الكاتب والباحث الإثيوبي نورالدين عبدا، المتخصص في شؤون القرن الإفريقي، رؤية تاريخية واقتصادية لعملية التكامل الإفريقي. أشار إلى أن مرحلة ما قبل الاستقلال شهدت تعاونًا جمركيًا في بعض المناطق مثل جنوب إفريقيا، لكنه كان تحت إشراف المستعمر.
وأكد عبدا أن ديناميكية الاقتصاد السياسي هي من المسائل الأساسية التي تؤثر على التعاون بين الدول الإفريقية، مشيرًا إلى المساحات الشاسعة والتعداد السكاني الكبير والفوارق في الثروة، مما يجعل عملية التكامل معقدة وبطيئة وتراكمية.
وقال: “التجارة البينية والتكامل الإفريقي ما زال ضعيفًا إذا قورن بالقارات الأخرى، فتجارة القارة البينية لا تزيد عن 15%، أما في أوروبا فتصل 68% وفي آسيا 58%”.
يُذكر أن المؤتمر يُعد خطوة مهمة نحو تعزيز الحوار الإفريقي-العربي حول قضايا السيادة والأمن، وسط دعوات متزايدة لشراكات متكافئة تحمي مصالح القارة وتعزز استقلالها الحقيقي. ويُتوقع أن يصدر المركز تقارير مفصلة عن الجلسات قريبًا، لإثراء النقاش العام حول مستقبل إفريقيا في عالم متعدد الأقطاب.