

برز الدور القطري في تسوية الصراعات الإفريقية كمحور رئيسي في المؤتمر الدولي الذي نظمه مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يومي 13 و14 ديسمبر الجاري، تحت عنوان «إفريقيا وتحديات الأمن والسيادة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة».
وأشاد الخبراء والأكاديميون المشاركون بحنكة قطر السياسية وباعها الطويل في الوساطة، خاصة في أزمات معقدة مثل شرق الكونغو الديمقراطية، وربطوا نجاحاتها بمبادئ دستورية ثابتة تشجع السلم والأمن واحترام المعاهدات الدولية.
كما أبرز المشاركون خصوصية العلاقات القطرية مع القارة الإفريقية، حيث انضمت الدوحة إلى الاتحاد الإفريقي كعضو مراقب في أبريل 2014، لتصبح ثالث دولة خليجية ورابع دولة عربية تحصل على هذه الصفة، مما عزز تعاونها في القضايا السياسية والاقتصادية والاستثمارية.
جاءت هذه النقاشات وسط تحليل معمق لتأثير المنافسات الجيوسياسية العالمية على سيادة الدول الإفريقية، مع التركيز على الصراعات في مناطق مثل دارفور والصومال والسودان، ودور المنظمات الإقليمية والتدخلات الخارجية.
الشافعي: تدخلات غير مقنعة من المنظمات الأفريقية
أشار الأستاذ بدر حسن الشافعي، أستاذ الدراسات الإفريقية وخبير في تسوية الصراعات، إلى أن تدخل الاتحاد الإفريقي في أزمة دارفور جاء مدفوعاً بالموقف الأمريكي من الرئيس السوداني السابق عمر البشير، والرغبة في تدويل القضية وسعي نحو تدخل أممي.
وأضاف: «عندما رفض البشير ذلك، كان التدخل الإفريقي وكأنه بديلاً للتدخل الأممي».
كما وصف الشافعي تدخل الاتحاد الإفريقي في الصومال بأنه «أكبر عملية تدخل له في القارة»، لافتا إلى أن هذا التدخل مر بمراحل نجاحات وتحديات، منها عدم رغبة الولايات المتحدة في تمويل عملية تؤدي في النهاية إلى هيمنة النظام الصومالي على مقاليد الأمور.
وفي سياق المنظمات الإقليمية، انتقد الشافعي تحول منظمة الـ (إيغاد) من هيئة تنموية إلى منظمة ذات دور أمني، مشيراً إلى أن رغبة بعض الدول المهيمنة في فرض سياستها وأجندتها حال دون وجود إطار مؤسسي لعمليات حفظ السلام.
وأوضح أن دولاً مثل إثيوبيا وكينيا وأوغندا تفضل التعامل عبر الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة بدلاً من تدخل الإيغاد.
التميمي: خريطة الصراعات أثرت على طبيعة الوساطات
أكد شمسان التميمي، باحث وإعلامي تنزاني، أن خريطة الصراعات الإفريقية تشهد ثلاثة فاعلين رئيسيين في الوساطة يتقاطعون وأحياناً يتصارعون: الاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، والقوى الكبرى والصاعدة بمصالحها الاستراتيجية المتشعبة.
وأشاد التميمي بالوساطة القطرية-الأمريكية في أزمة الكونغو الديمقراطية ورواندا، مشيراً إلى أن توقيع اتفاق الدوحة للسلام في نوفمبر الماضي، كان خطوة مفصلية، رغم التحديات.
وقال: “سجلت قطر بحنكتها السياسية وباعها الطويل في مجال الوساطة إنجازاً يعد الأول بعقد لقاء بين الرئاسة الكونغولية وتحالف نهر الكونغو وحركة 23 مارس”.
وحذر التميمي من أن «التداخل في الوساطة يفتح المجال أمام القوى الخارجية لاستغلال الفراغ والانقسامات، وعندما لا تكون هناك قيادة واضحة وموحدة للوساطة، تجد القوى الكبرى فرصة ذهبية لفرض أجندتها الخاصة، مستغلة الحاجة الماسة إلى الموارد المالية والدعم التقني واللوجستي».
العتيبي: الوساطة محور مركزي في سياسة قطر
أبرز مدوخ عجمي العتيبي، أستاذ العلاقات الدولية وخبير في تسوية الصراعات، أن الأزمات في إفريقيا متعددة ومتداخلة، تجمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما يخلق بيئة مضطربة في أقاليم غير متجانسة، وأغلب الصراعات قائمة على الثروات والسلطة.
وأكد أن الوساطة ظلت محوراً مركزياً في سياسة قطر الخارجية، مرتكزة على مبادئ مستمدة من الدستور، تشمل تشجيع السلم والأمن واحترام المعاهدات الدولية.
كما لفت إلى أن انضمام قطر إلى الاتحاد الإفريقي كعضو مراقب في أبريل 2014 جعلها ثالث دولة خليجية ورابع دولة عربية في هذا المنصب، وتميزت علاقاتها بالدول الإفريقية بالخصوصية في القضايا السياسية والاقتصادية والاستثمارية.
عيدروس: انشقاق النخبة كان بداية الانقلابات في السودان
أوضح أسامة عيدروس، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والأمنية، أن إنشاء كلية غوردون التذكارية في السودان كان الهدف منه إعداد نخبة لاستلام البلد وبناء دولة مستقلة، لكن هذه النخبة انشقت على نفسها وعلى القوى التقليدية والدينية، مما أدى إلى صراع مبكر على السلطة. وأشار إلى أن حكومة الاستقلال حلت بعد عام واحد، ووقع انقلاب عسكري بعد أربعة أعوام، بدء دوامة الخلافات.
كما تتبع عيدروس بداية قوات الدعم السريع إلى عهد جعفر النميري، الذي استفاد من قبائل عربية في دارفور بتسليحها كمليشيات، ثم إعادة تسليحها عام 2003 كحرس حدود، وجلبها إلى الخرطوم عام 2013، مع دعم أوروبي لمحاربة الهجرة غير الشرعية.
وأكد أن الفظائع التي ارتكبتها هذه القوات أدت إلى صحوة إقليمية، وأجبرت الولايات المتحدة وبريطانيا على الرد، كما في أحداث الفاشر.
تورشين: حرب وجودية تهدد الدولة السودانية
وصف محمد تورشين، باحث متخصص في الشؤون الإفريقية، حرب 15 أبريل (2023، مع استمرار آثارها) بأنها ليست تقليدية، بل وجودية كشفت تهديدات تواجه الدولة السودانية، مع تآكل مؤسسات الحكم وعدم وحدة القوى السياسية.
وأوضح أن قضية المليشيات كانت حاضرة غير رسمياً حتى 2017، عندما أصدر البرلمان قانوناً جعل قوات الدعم السريع مستقلة تتبع رئاسة الجمهورية، وظهر دورها في ثورة 2018.
كما أشار إلى رغبة الدول المجاورة في التنسيق الأمني مع مناطق سيطرة الدعم السريع، نظراً لامتداد السودان إلى الساحل الإفريقي، واستفادتها من السيطرة على الحدود وتدفق الوقود، محذراً من أن إيقاف البعد الخارجي سيحد من العمليات الحربية.
عمر: شروط الدولة القوية.. جيش وبيروقراطية متوافقان
ختم تاج السر عبدالله محمد عمر، خبير جيوسياسي، بأن الدولة تحتاج قوة عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية ترضي الشعب. ووصف الدولة الفاشلة بأنها تعاني الفقر وتجارة المخدرات وضغوط المليشيات، كما حدث في السودان على مدار 10 سنوات.
وقال: “الجيش والقوة البيروقراطية هما من يقومان الدولة، فإذا اتفق الجانبان نجحت، أما لو تناحرا فسوف تسقط، وهذا ما حدث في السودان”.
عبدالقادر: تشكيل الدعم السريع جعل السودان جاذبا للمرتزقة
أكد عبد القادر محمد علي، الصحفي والباحث الإريتري، أن أحداث الحرب في السودان تتجاوز الحدود الوطنية، بسبب موقعه في مفترق القرن الإفريقي والساحل والبحر الأحمر وشمال إفريقيا.
وأوضح أن تشكيل قوات الدعم السريع جعل السودان جاذباً للمرتزقة من الساحل، محولاً إياه إلى ساحة تدريب وتمويل، وسوق للسلاح يهدد الجيران، وعاملاً في إعادة تشكيل التوازنات الهشة في القرن الإفريقي والساحل، مما يضع تحديات أمنية مركبة تتجاوز إمكانيات الدول.