الطواري: الأخلاق تعامل وتكامل
محليات
15 نوفمبر 2014 , 06:32ص
الدوحة - العرب
تصوير - معتز الدحنون
أكد فضيلة الدكتور طارق الطواري الداعية الكويتي أهمية تخلق المسلمين بحسن الخلق واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شتى عباداته وتعاملاته، موضحاً أن حسن الخلق الحقيقي لا يكون إلا بإصلاح العلاقة مع الله عز وجل، والناس، والنفس» مضيفاً أن الإخلال بأي منهما سيتسبب في هلاك صاحبها وعدم نجاته في الآخرة.
وافتتح فضيلته خطبة الجمعة أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب- بالحديث الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في المسند والبزار والحاكم بسند صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ذاكراً بعض الروايات الأخرى للحديث مثل «إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق» ورواية جابر: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» وعلق فضيلته على الروايات الثلاث للحديث قائلاً: «إن قصد البعثة وغاية الرسالة هو أن يكمل لنا النبي صلى الله عليه وسلم صالح الأخلاق وكمالها.
وشدد فضيلته على أن الأخلاق الحميدة مطلوبة من أي إنسان في كل زمان ومكان، وأن الرسول أتم ما بدأه الأنبياء من قبله، فالأخلاق الحسنة دعا إليها الأنبياء في اليهودية والنصرانية وفي صحف إبراهيم عليه السلام، فجاء إلينا النبي ليتمم لنا كيف نتعامل مع الله، ومع الغير، ومع النفس.
واستطرد بالقول: «إن بعض الناس يظنون بأن الأخلاق عبارة عن تعاملات وسلوك وهو أمر خاطئ لأن مفهوم الأخلاق الصحيحة أبعد من ذلك بكثير، فهناك التعامل مع الله وهو أن يكون التعامل معه بالأوامر التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، فمنها الواجبات ومنها المحرمات، ومنها المستحبات، ومنها المكروهات.
وتابع قائلاً: «إذا أتى الفرد بالأوامر التي أتى الله سبحانه وتعالى بها زماناً ومكاناً وكيفاً وكماً وجنساً سيكون قد أفلح، أما إذا غير في الزمان أو المكان أو الكم أو الكيف والجنس فلا تقبل منه، موضحاً أنه لابد أن يأتي الفرد منا بأخلاق التعامل مع الله عز وجل، العبادات كما أرادها زماناً مثل صوم رمضان في شهره، والصلوات في أوقاتها. ومكاناً أي المكان الذي أمر الله سبحانه وتعالي به في بعض العبادات كالصعود على عرفة والسعي بين الصفا والمروة وغير ذلك، وكماً وكيفاً أي عدم التغيير في العبادات وعددها وإنما الإتمام بها على هيئتها.
وأضاف الطواري قائلاً: إن الأولى على الإنسان إذا نجح في الشق الأول وهو التعامل مع الله، إن ينجح في الشق الثاني وهو التعامل مع الغير فكلاهما مكمل لبعض، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة المرأة التي كانت تقوم الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها، بأنها كانت ناجحة في التعامل مع الله لكنها راسبة في التعامل مع الخلق، لذلك قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيها هي في النار». وذكر فضيلته أيضاً قصة المرأة التي حبست هرة لا هي أطعمتها ولا أشربتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض فعذبها الله في النار من أجل ذلك، واستشهد أيضاً بقول ابن عمر عندما مر على مجموعة من الشباب وقد علقوا دجاجة ثم قاموا بالرمي عليها بأن ابن عمر قال لهم: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل هذا».
وجدد الداعية الكويتي استشهاده بأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي مسعود، وكان يضرب عبداً له فقال له النبي: «اعلم أبا مسعود أن الله تعالى أقدر عليك منك عليه، فقال أبومسعود هو حر لوجه الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تفعل لمستك النار».
وقال فضيلته: إن الله سبحانه وتعالى لم يكن أحن على أحد أكثر من الأنبياء فهو عتب على نبي لأنه أحرق مملكة من النمل، وهو يوشع بن نون عليه السلام حينما خرج فاتحاً لبيت المقدس وجلس تحت شجرة فقرصته نملة، فأحرق مملكتها، فعاتبه الله تعالى على ذلك، وقال له لماذا تحرق مملكة نمل كاملة، ولماذا تقتل أطفالها وكل من فيها، ومن باب العدل إن فعلت فاقتل نملة واحدة ولا تأخذ الجميع بذنبها.
وخاطب الطواري المصلين «أتدرون من المفلس هم مجموعة من المصلين المذكين العابدين الشاكرين يأتون يوم القيامة بحسنات كجبال تهامة، بيضوا صحائفهم لكنهم سودوها بالتعامل الخاطئ مع الخلق، وذلك مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس، قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيقعد فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يعطي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».
وتابع «أما إذا كان الإنسان حسن مع الناس وغير جيد مع الله سبحانه وتعالى وضيع حقوق الله سيرمى في جهنم لا محالة، واستشهد بحديث عائشة رضي الله عنها حينما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عبدالله بن جدعان وهو سيد من سادات مكة ومن أكرم العرب، فقال لها هو في النار، لأنه لم يكن يجيد التعامل مع الله سبحانه وتعالى، واستشهد في ذات السياق أيضاً بقول حاتم الطائي عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه، فقال له: إن أباك في النار لأنه لم يكن يريد غير السمعة ونالها»، واستشهد بقوله تعالى «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ».
واستطرد فضيلته الحديث عن الشق الثالث وهو التعامل مع النفس قائلاً: «إن النفس لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى» «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا»، تابع «لذلك لابد أن تضبط النفس بضابط الله، لأن النجاح في النقاط الثلاث ستؤدي إلى دخول صاحبها الجنة، بينما الرسوب في واحدة ستدخل صاحبها النار.
وقال الداعية الكويتي: إن الخطأ وارد من كل إنسان وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لكن لابد من المسارعة إلى التوبة والقضاء على الذنوب والخطايا، مصدقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» أي يتم التعامل بمحو الخطأ بالخلق الحسن، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
ولفت إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل النبي القدوة والأسوة المطلقة في كل شيء، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، مشيرا أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتابعون الرسول حتى في بيته، لأن أخلاق البيت تظهر صحيح الأخلاق وحسن الخلق، لأن الجميع في البيت من زوجة وأولاد وخدم طوع أمر رب البيت، ولابد من إظهار الأخلاق والمعاملة الحسنة، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لأهله، فمن يكون حسناً في ما من يملك فلا بد أن يكون حسناً مع من لا يملك، واستشهد بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عما كان يصنعه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فقالت كان يكون في مهنة أهله.. أي في خدمة أهله، فكان يخيط نعله، ويحلب شاته، وينظف البيت.
وعن أهمية حسن الخلق نبه فضيلته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «أن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم، أثقل شيء في الميزان تقوى الله وحسن الخلق، إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وتابع أن الكثير من الناس لديها انفصال بين التعامل مع الله والتعامل مع الناس، مشيرا إلى أن الأخلاق تعامل وتكامل.
واختتم الداعية الكويتي خطبة بالقول: إن الأخلاق تنقسم إلى قسمين، هما أخلاق موروثة وأخلاق مكتسبة، موضحاً أن الأخلاق الموروثة هي الموجودة في جينات الفرد وترجع في الغالب إلى النشأة والبيئة التي ترعرع فيها، أما الأخلاق المكتسبة الأكثر أهمية بحسب رؤيته، هي التي يكتسبها الفرد بمهارات تعلمه في الحياة، موضحاً أن كليهما قابل للتغيير، ونفى فضيلته ما أشيع حول مقولات مثل «الطبع يغلب التطبع، ومن شاب على شيء شاب عليه، مؤكداً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عكس ذلك قائلاً «إنما العلم بالتعلم»، والحلم بالتحلم من يتصبر يصبره الله، من يبلغ الخير يعط».