شهيد المطافي.. قضى 32 عاماً ينقذ المستغيثين ولم يجد من ينقذه
الصفحات المتخصصة
15 نوفمبر 2012 , 12:00ص
القاهرة - فاطمة حسن
ظل المساعد أول أحمد.أ، طوال 32 عاما، لا يتوقف عن إنقاذ الآخرين، يندفع بين ألسنة اللهب وحطام الانهيارات، يحمل روحه على كفه، لا يتأخر عن نجدة مستغيث، لكنه يوم أن طلب من ينقذه تركوه حتى فارق الحياة، دفع حياته فداء لرسالته، وترك نصف دستة من الأيتام وأرملة مكلومة، يجترون أحزان فراقه، لا يجدوا من يعولهم إلا الله، جميعهم رفضوا إقامة جنازة عسكرية له، وطالبوا محافظ أسيوط بصعيد مصر ووزير الداخلية التحقيق في تأخر وصول الإسعاف وسيارة أخطار الكهرباء إلى مكان الحريق الذي أودى بحياته مؤخرا.
«العرب» التقت أسرته وزملاءه في العمل ونقلت التفاصيل الحزينة، عندما وصلنا إلى قرية «المندرة» التابعة لمركز ديروط بمحافظة أسيوط «400 كيلومترا جنوبي القاهرة»، طالعتنا حالة من الحزن، على فقدان الشهيد أحمد «75 عاما»، أسرته رفضت إقامة جنازة عسكرية له وتمسكت بأن يشيعوه على أعناق أهله ومحبيه، فهو قضى 32 عاما من عمره في وحدة مطافئ ديروط، يواجه المخاطر بين ألسنة اللهب وحطام الانهيارات.
في منزله تجلس زوجته على مقعد في الصالة ترتدي الملابس السوداء، دموعها لا تجف، تحتضن أبناءها وتنظر إلى صورة الشهيد، قالت -بكلمات تبللها الدموع-: «أريد القصاص لزوجي الذي راح شهيد الواجب وضحية لإهمال الإسعاف والكهرباء، ترك نصف دسته من الأبناء أكبرهم أسماء و5 أولاد هم محمد (مجند) ورمضان 20 سنة وحمادة 18 (طالب) وزياد 15 وعبدالرحمن 9 سنوات». زوجها يعمل في وحدة المطافئ منذ أكثر من 32 عاما، لم يتأخر يوما عن أداء واجبه، حتى في مرضه دائما كان يقول: «أخشى لو تأخرت عن واجبي من حساب الله، أو أن يصيب أولادي أذى ولا يجدوا من ينقذهم»، كان أخا وزوجا وصديق لي ولأبنائنا، الجميع يحبه في الشارع والعمل، هو القلب الكبير لهذه القرية، يحل مشاكلهم، يطلبون منه المشورة، أحتسبه شهيدا عند الله.
وطالب ابنه محمد بمحاسبة من وصفهم بـ «المقصرين»، وقال إن سيارة إخطار الكهرباء تأخرت عن الوصول إلى مكان الحريق ولم يستطع والدي ترك الحريق خوفا أن يكون هناك من هم داخل المنزل لا يجدون من ينقذهم، وبعد أن صعقته الكهرباء تأخرت الإسعاف عن الوصول وفارق الحياة في مكانه، وطالب المسؤولين باتخاذ موقف حازم ضد المقصرين.
وتابع الابن: «والدي كان ينقذ كل الناس، لم يقصر في واجبه مع أحد، ويوم أن طلب النجدة لم يجد من ينقذ حياته، أطالب محافظ أسيوط ووزير الداخلية بالتحقيق في الإهمال الذي قتل والدي».
وقال الرقيب أول أيمن -أحد زملاء الشهيد- إنهم تلقوا بلاغا باشتعال أسطوانة بوتاجاز في منزل من 4 طوابق بقرية «بني يحيى» فقاموا أولا بالاتصال بسيارات إخطار الكهرباء والإسعاف، وأنه طلب من عم أحمد ألا يذهب معهم لأنه كان مجهدا، فرفض بعد أن علم أن المنزل به أطفال وأصر على الذهاب لإنقاذهم، قائلا: «إن مكنتش هروح عشان الأطفال هروح عشان مين».
وتابع زميل شهيد الواجب: «عندما وصلنا لم نجد الإسعاف ولا سيارة إخطار الكهرباء، وكانت بوابات المنزل مغلقة، صعدت أنا وهو من سلم سيارة الإطفاء وبدأنا في مكافحة النيران، وبعد الانتهاء من كسر البلكونة حاولت أن أمنعه من الدخول حتى تصل سيارة إخطار الكهرباء بيد أنه رفض وقال: (لو فيه طفل في الداخل من سيتحمل ذنبه؟)، وقام بإطلاق خرطوم المياه الذي التقى مع الماس الكهربائي الموجود في المكان، وأصابته صعقة، حاول الأمين عبدالصبور عرفة إنقاذه بيد أن التيار الكهربائي دفعه للخلف».
أضاف شاهد الواقعة: «بعد أن فصلنا التيار ظللنا نبحث عن سيارة إسعاف لنقله إلى المستشفى أكثر من ثلث ساعة حتى وافته المنية أثناء إسعافه بعد وصول الإسعاف ولم تصل سيارة إخطار الكهرباء من الأساس».
وقال: «لقد كان أبا وصديقا وأخا أكبر، لا نعلم كيف سنعمل بدونه، كان دائما يذكرنا بالموت وأننا اليوم ننقذ حياة مصريين، فما بالنا غدا ونحن على الأعناق، لن يشفع لنا سوى أعمالنا، وأكد أنه في نفس اليوم -قبل البلاغ الأخير- تلقينا بلاغا آخر وفي طريقنا مررنا على مقابر، فأوقف عم أحمد السيارة وقرأ الفاتحة، ثم قال: محدش ضامن الدنيا، الواحد بيعدي عليها راكب سيارة وماشي على رجليه بعدها يأتي على خشبة».