تقييمات متباينة لظروف الحج.. والبعثة تقر بسوء إدارة وخلل في التنظيم
تحقيقات
15 نوفمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
مع أن الحج ظل حتى وقت قريب مظنة المشقات، فإن الأموال الطائلة التي يدفعها ضيوف الرحمن للحملات، جعلتهم يتطلعون إلى قضاء نسك خال من المنغصات.
ولعل الإعلانات التي تقدمها هذه الحملات وتهويلها من جودة الخدمات التي تقدمها يقف خلف الكثير من الشكاوى التي صاحبت حج هذا العام.
ففي حين يسرف المقاولون في الادعاء بأنهم يقدمون خدمات خمس نجوم، يفاجأ الحجاج في المشاعر بالاكتظاظ في المخيمات وغياب النقل بين مقر الإقامة والحرم. بيد أن الصعوبات المتوقعة في موسم الحج لم تكن وحدها التي لهجت بها ألسنة الشاكين، فقد غاب الأطباء في مواقع يفترض وجودهم فيها، وأحضرت الحملات إلى المخيمات أكثر من طاقاتها الاستيعابية، وتعطلت المكيفات وتأخرت الباصات.
وخلافا للآمال العريضة التي علقت عليه، فإن قطار المشاعر، يقف خلف معظم المشاكل التي تحدث عنها الحجاج القطريون، نظرا لضيق المكان وعدم تأهيل الطواقم التي تسيره، ما أدى إلى إهدار الكثير من الوقت في انتظاره.
ومع أن التذمر والشعور بخيبة الأمل تجاه المقاولين كان ملحوظا في صفوف الحجيج، فإن العديدين وصفوا الخدمات التي حظي بها الحجاج بالممتازة، ما ينم عن تفاوت في تقدير الحجيج لحجم العملية ويعكس تباينا في خدمات الحملات.
ورغم ضجيج المشاكل التي صاحبت الحج والحديث عن سحب رخص بعض الحملات، فإن الجهات الرسمية تؤكد أن الموسم كان ناجحا وميسرا رغم إقرارها بوجود خلل في الإدارة والتنظيم.
لا توجد مؤهلات
الحاج عبدالله الباكر، يرى أن ظروف الحملات القطرية كانت جيدة، «وقد حاولت السلطات السعودية أن تقدم جديدا في حج هذا الموسم من خلال التفويج بالقطار لكن التوفيق لم يحالفهم لضيق المكان».
وإضافة إلى ضيق المكان، يلاحظ الباكر عدم وجود خدمات بالقطار وعدم وجود أرقام معينة لكل حملة «كما أن الذين يديرون العملية ليس لديهم مؤهلات تسيير القطارات».
ويأمل الباكر أن تَعدل السعودية عن إجبار الحجيج على استخدام القطار، لأن انعكاساته كانت سلبية على الموسم بعد أن صاحب تسييره العديد من المشاكل مثل «الانتظار الطويل وتفرق الجماعات».
ومن منغصات الحج التي تخطئها العين في الحرم غياب الوعي الإسلامي خصوصا في صفوف بعض الجاليات الآسيوية، حسب الباكر الذي دأب على حج بيت الله الحرام كل عام.
ويوضح الباكر أن حملة قطرية لم يسمها أحضرت إلى منى عددا من الحجاج أكثر من الطاقة الاستيعابية لخيمها، ما أ»دى إلى النقص والزحام، وفي النهاية الحملات تنظر إلى الحج كموسم للبزنس».
غياب التنسيق
عبدالله أحمد أبوسعد يلاحظ غياب التنسيق بين الحملات والسلطات السعودية في المشاعر، حيث لم يكن لدى الحجاج علم بمواعيد القطار «ووقفنا ننتظره لأكثر من ساعتين».
ومع أن البعض عبروا عن استيائهم من خدمات حملة حاتم، فإن أبوسعد الذي حج معها لم يلاحظ ما يدعو للشكوى، بل «على العكس كانت الظروف جيدة في الإقامة بالمشاعر». في الوقت الذي يقر فيه بأن المكيفات تعطلت عن العمل في مقر إقامتها بعرفات.
أما مسعود القاضي، فتحدث عن مشاكل حصلت في عرفات دون أن تسبب إعياء كبيرا وسط الحجاج القطريين، مضيفا أن الحملة التي حج معها وفت بالتزاماتها، سواء من حيث النقل أو الإقامة في المشاعر، مضيفا: «أعتقد أن الأمور كانت أيسر من العام الماضي».
وبالنسبة لحمد العلي كل شيء كان ممتازا في حملة الأقصى، لكنه سمع عن مشاكل وتجاوزات حدثت في حملات أخرى بدا أنها تفتقر لحسن الإدارة والتنظيم، حسب تعبيره.
ويثني العلي على ظروف الإقامة، قائلا إن الحجاج القطريين قدمت لهم خدمات جيدة «حتى إن قائمة الطعام كانت متنوعة إلى جانب وجود العصائر والمثلجات».
لكن «بطء النقل» ضايق الحجاج حيث انتظروا الباصات في الحرم لأكثر من ثلاث ساعات، كما أن الإقامة في العزيزية خلقت نوعا من المشقة في الوصول إلى الحرم، نظرا لبعد المكان، حسب العلي.
تغيب الأطباء
أما الباحث الإسلامي أباية محمود فيقول إن العقبة التي اعترضت حجاج قطر هذا العام تمثلت في القطار، الذي غاب عنه التنظيم حيث يتأخر عن مواعيده لأكثر من ساعتين في ظل عدم وجود ساحات ولا قاعات للانتظار.
ويضيف أن حالات إغماء وهبوط سكّر حصلت بين الحجاج القطريين في أثناء ازدحامهم على القطار، ليتبين أنه لم يكن برفقتهم أطباء، وهذا ما ضاعف من المتاعب خصوصا في ظل صعوبة الحصول على الإسعاف.
ويقول إن الحجاج القطريين الذين استخدموا القطار شعروا بكثير من عدم الرضا وتمنوا لو أن فرصة ركوبه لم تتح لهم، في حين دفعت صعوبات النقل في المشاعر القسم الآخر إلى الأسف على أن القطار فاتهم، لأنهم لم يطلعوا على حجم المشاكل والعقبات التي واجهت مستخدميه.
ويضيف محمود أن الفوضى كانت السمة الأبرز في تسيير القطار «فلا يوجد التزام ولا تنظيم ولا عدالة في التوزيع وأحيانا يعود خاليا، رغم أن الآلاف ينتظرونه منذ وقت طويل» على الرصيف.
لكن محمود يثني على دور البعثة القطرية حيث «تواجدت في كل الأماكن وقدمت الكثير من الإرشادات. وفيما عدا التأخر غير المبرر على الحدود في طريق العودة كانت الأمور كلها كانت جيدة، ولا أتصور أن هناك شيئا يمكن فعله لم يتم القيام به».
من جهة ثانية يلاحظ الباحث الإسلامي أن وسط الحرم هذا العام شهد زحمة غير مسبوقة ما يجعل الحاجة ماسة إلى توسعة الصحن حسب رأيه.
غياب النقل
وإلى جانب الزحام على القطار وما نجم عنه من مشاكل صحية، يلفت محمود إلى أن موقع حجاج قطر في مكة لم يكن قريبا من الحرم، رغم أنه «مقصد يرتبط به الحجاج، كما أن الحملات لم توفر النقل إلا في الأيام الأولى قبل أن يشتد الزحام». ويلفت محمود إلى أن غياب النقل العام وعدم قدرة الحملات على توفير النقل من مقر الإقامة إلى الحرم، جعل الحجاج فريسة سهلة لأصحاب سيارات الأجرة الذين يستغلون الموسم وسخاء ضيوف الرحمن أبشع استغلال. ومثل محمود اشتكى كثيرون من بعد إقامة الحجاج عن الحرم ما اضطرهم إلى دفع ما بين 150 إلى 200 ريال كل مرة يذهبون فيها للحرم نظير ركوب دراجات أجرة وجد أصحابها الفرصة سانحة لتحقيق أرباح كبيرة في ظل غياب النقل الجماعي وعدم قدرة الحملات على نقل الحجاج.
أما الإعلامي محمد الخليلي الذي حج مع حملة طيبة، فيقول: بطبيعة الحال لا يخلو أي أمر من الإشكالات خصوصا في أداء العبادات «لكن الحج كان ينبغي أن يكون أسهل بكثير هذا العام».
ويرى أن السبب الذي جعل الحج دون اليسر المفروض هذا العام، هو عدم تضافر الجهود وغياب التنسيق بين السلطات المستضيفة والحملات خصوصا في مجال تثقيف الحجاج.
وينتقد الخليلي تأخر وزارة الأوقاف والحملات في الإعداد لموسم الحج من الناحية التوعوية، حيث يبدأ هذا النشاط قبل الموسوم بأيام معدودات لا تكفي لتثقيف الناس بالمناسبة.
فتاوى مربكة
ويلاحظ الخليلي أن تضارب أقوال المرشدين الدينيين نتيجة الخلافات الفقهية أدى إلى إرباك في أوساط الحجاج، وهو ما كان يمكن تفاديه بتبني منهج معين يعتمد على اليسر ويضع في الاعتبار نقص الوعي الديني بين العديد من شرائح الحجاج.
ويرى الخليلي أن وضع ضوابط معينة للتعامل مع أسئلة الحجاج الدينية سيبعث على الطمأنينة ويقلل من أثر الحيرة التي تسيطر على البعض في المشاعر، خصوصا وأن «بعض الأسئلة تافهة» وتمكن الإجابة عليها دون كثير من العناء، حسب تصوره.
ويبين الإعلامي أن أكبر مشكلة طبعت موسم هذا العام هي افتراش الطرق في «مشهد مزعج لا يبعث على الارتياح، وكان من الممكن تفادي هذه الظاهرة التي تسببت في تأخر وصول الباصات، ومنعت الحملات من الوفاء بالتزاماتها تجاه الحجاج».
ويضيف الخليلي: لا يوجد شبر غير مفترش. في الطرقات والممرات وبين المخيمات. الأرضية ملوثة وأشياء كثيرة تبعث على الاشمئزاز رغم أنه يمكن تجنبها بالتنسيق والتنظيم والاستعانة بالمتطوعين من مختلف أنحاء العالم.
من جهة ثانية، يثني الخليلي على النشاط الديني لحملة طيبة خلال موسم الحج، حيث استضافت شخصيات علمية ودعوية كبيرة مثل الشيخ محمد الحسن الددو، ما أتاح «فرصة للتلاقي بين الجمهور والمشايخ. ناهيك عن المحاضرات التي ملأت الوقت بالمفيد».
حج ميسر
من ناحيته، نفى نائب رئيس البعثة القطرية للحج يوسف الكاظم وجود تجاوزات وخروقات كبيرة من قبل الحملات، قائلا إن «حج هذا العام كان ميسرا بالنسبة لـ%90 من حجاج قطر».
غير أن الكاظم اعترف بوجود «سوء إدارة في بعض الحملات وبعض الإداريين لم يكن على قدر المسؤولية، مؤكداً أن البعثة ستتعامل بكل شفافية مع شكاوى الحجاج».
وطبقا للكاظم، تجلى سوء الإدارة في أن الكثير من الحجاج لم يجدوا مكانا للمبيت في منى، رغم أن البعثة وفرت لكل حملة العدد الكافي من المخيمات، فهناك خيم ظلت خالية رغم مبيت الحجاج في الطرقات.
ولتفادي المشاكل التي صاحبت عملية التنظيم، كشف الكاظم عن اعتزام البعثة تنظيم دورات إدارية للمقاولين «ومن لم يتجاوزها لن يشارك في الموسم المقبل».
وحتى تفحص البعثة التقارير التي ستردها من مختلف اللجان بما فيها الدينية والصحية، يرى الكاظم أنه من السابق لأوانه اتهام حملة معينة بالتقصير ومن باب أولى الحديث عن سحب ترخيصها.
ويشدد الكاظم على أن البعثة كانت صارمة مع الحملات في أثناء تأدية المناسك لأن «ما يهمنا هو في المقام الأول هو راحة الحجاج ولن نقبل بأداء ضعيف من المقاولين».
ويقول الكاظم إن المؤشرات الأولية تشير إلى أن %98 من الحجاج أخذوا حقوقهم كاملة وأن المقاولين نفذوا كل التزاماتهم.