الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
11:11 م بتوقيت الدوحة

الجالية المصرية تودّع "معجزة الدوحة".. ووالدته: شكراً "كعبة المضيوم"

حامد سليمان

الخميس 15 أكتوبر 2020
د. باسم عبد الحليم عرابي

ودع آلاف المصريين المقيمين في الدولة، الخميس الماضي، أحد أبناء الجالية، الطبيب الشاب باسم عبد الحليم عرابي "25 عاما"، الذي أحزن رحيله الجميع، لما عُرف عنه من المساهمة في أعمال الخير، والتفوق الدراسي والالتزام الأخلاقي، وغيرها من الصفات التي ضاعفت من وطأة خبر وفاته في الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً، حيث كان يعمل، إثر هبوط حاد في الدورة الدموية.

فمَن هو باسم الذي أطلقت عليه الصحافة منذ طفولته لقب "معجزة الدوحة"؟
برباطة جأش، مؤمنة بقضاء الله وقدره، تحدثت والدته السيدة صفية القرعلي لـ "العرب": باسم، رحمه الله، من مواليد قطر في 15 يناير 1995، تعلم في المدرسة المصرية للغات، وأكمل تعليمه في كامبردج، وكان من الأوائل، وأكمل دراسته من أجل الالتحاق بكلية طب وايل كورنيل - قطر.
تستذكر الأم وقت ولادة فلذة كبدها: ولد باسم في وقت كنت في أمسّ الحاجة لمواساة، فقد كانت ولادته قبل أسبوعين من حادث وقع لزوجي، فقد على إثره الذاكرة تماماً، فوجدت السلوى في باسم، لذا كان سبباً في ارتباطي بصورة كبيرة بالقرآن الكريم.

وتضيف بتماسك ليس غريباً على إنسانة قريبة من الله: في ظل هذه الظروف كنت أحرص على قراءة القرآن بصورة مستمرة، وأضع باسم بين يدي أثناء القراءة، وكنت أشير له على الكلمات الملونة في المصحف، كلفظ الجلالة "الله"، وأسماء الله الحسنى.
وعن أثر القرآن على باسم في صغره توضح السيدة صفية القرعلي: أخيه وأخته الأكبر منه كانا يحفظان القرآن، ففوجئوا بأن باسم يصحح لهما الأخطاء، في الوقت الذي كان فيه لا ينطق الكلمات العادية التي ينطقها نظراؤه، فكانت أول كلمة ينطقها "الله"، وبعدها ظل لأكثر من عامين دون أن ينطق، فتصوّرنا أنه يعاني من مشكلة في السمع، وعُرض على الأطباء.
حفظ كتاب الله
وتتابع الأم: ألحقته بحضانة، ففوجئت بمسؤولة الحضانة تبلغني بأن باسم يقرأ القرآن ويحفظ بعضاً منه، ويحفظ أسماء الله الحسنى، ولذا أُطلق عليه في أحد اللقاءات الصحفية مع صحيفة الشرق "معجزة في الدوحة"، فقد حفظ ما يقرب من نصف القرآن، ولم تكن مخارج حروفه واضحة، وأتم حفظ القرآن في عمر ست سنوات ونصف، واختير للدراسة في المدرسة العالمية للقرآن الكريم، وحصل على العديد من شهادات التقدير على تفوقه في دراسة وحفظ القرآن الكريم والعقيدة.
كان باسم -والكلام ما زال على لسان الأم- مسؤولاً عن النشاط الثقافي بالمدرسة المصرية للغات، وتزامناً مع الرسوم المسيئة للرسول -صلى الله عليه وسلم- في الدنمارك قبل سنوات عديدة، وجّه، رحمه الله، كلمة لأطفال العالم باللغة الإنجليزية حول احترام الأديان، وكذلك أثناء الحرب على غزة في عام 2006، وجّه كلمة باللغة الإنجليزية خلال مؤتمر نظمته جمعية عيد الخيرية، حول جرائم الاحتلال في حق أطفال غزة.. وغيرها الكثير من الأحداث الخيرية والإنسانية والفعاليات التي شارك فيها.
وتوضح أن الدكتور باسم، رحمه الله، كان حريصاً دائماً على المشاركة في الكثير من أعمال الخير، وكان ينفق على هذه الأعمال بجزء من راتبه الذي يتقاضاه خلال المنحة التي نالها في "وايل كورنيل"، والتي التحق بها لدراسة الطب، وهي منحة من صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر "التي لا أنسى فضلها في توفير هذه المنحة لابني، فلم أكن لأقدر على توفير مصروفات الكلية".
وتشير إلى أنها تلقت الكثير من الاتصالات بعد وفاة باسم، من زملائه الذين أثّر رحيله عليهم بصورة كبيرة فيهم، وكذلك أساتذته، ممن كانوا يتوقعون أن يحتل، رحمة الله عليه، مكانة علمية متميزة، فقد عمل وهو طالب بـ "وايل كورنيل قطر" على أبحاث تتعلق بأمراض السرطان، وكانت له آمال كبيرة لكل البشر.

وتشير السيدة صفية القرعلي إلى أن تجربتها مع ابنها باسم، كان لها أثر كبير في ترسيخ أثر التربية لنهضة المجتمعات في نفسها، الأمر الذي دفعها لدراسة التربية، وهي في طور مناقشة رسالة الدكتوراه في التربية، مؤكدة على دور الأسرة والأم في دعم الأبناء ومساندتهم واستيعاب كافة مشكلاتهم، لتكون الأسرة هي الداعم والسند للأبناء في جميع التحديات التي يواجهونها.

وتنوه بأن باسم "صلوا عليه صلاة الغائب في اليابان وفي فرنسا وفي ألمانيا وفي الجبل الأسود، وفي أميركا وفي مصر، ووعدني أحد شيوخه بصلاة الغائب عليه في الحرم النبوي، وكذلك وُعدت بصلاة الغائب عليه في المسجد الأقصى، وفوجئت بتوزيع الخبز صدقة عليه في أحد مخيمات اللاجئين، وغيرها من الأعمال التي لا أعرف من قام بها، ولكنها أدخلت السكينة على قلبي لصلاح ما بين ابني وبين الله".

لفتة إنسانية قطرية
تنتقل السيدة صفية القرعلي إلى نقطة أخرى وتقول: ابني باسم لم يكن معه إقامة في الدولة بعد سفره خلال السنوات الأخيرة، وكان كلي أمل بأن أراه للمرة الأخيرة، وأن يدفن في قطر، وهو ما حققته لي الدولة، ولذا أتوجه بخالص الشكر إلى كل المسؤولين ممن نظروا بصورة إنسانية لهذا الأمر، وقد وجدت من يسعى لي لأجل أن أرى ابني للمرة الأخيرة، وهو فضل كبير لن أنساه لـ "كعبة المضيوم".
وأضافت: كما أشكر كافة العاملين في "وايل كورنيل قطر"، سواء إدارة الكلية أو كوادر التدريس، ممن حرصوا على مواساتي بعد رحيل ابني، وكذلك إدارة المشروع الذي يعمل به في فرجينيا بالولايات المتحدة الأميركية، وأشكر كل من كان لهم فضل في حفظ ابني لكتاب الله، فقد كان محاطاً بكوكبة من الأشخاص، ممن نحسبهم على خير.

المصريون يتبرعون بـ 22 ألف ريال في ثواب د. باسم
وقد حرص أبناء الجالية المصرية على إطلاق مشروع خيري في ثواب الدكتور باسم عرابي، رحمه الله، حيث أطلقوا حملة للتبرع بمبلغ 22.230 ريالاً، لتوفير عدد 50 نظارة طبية للأسر الفقيرة والمحتاجة.
ووفق الموقع الإلكتروني لجمعية قطر الخيرية (منفذ المشروع)، فاستخدام النظارات الطبية الحل الأمثل للكثير من الأشخاص أو الأطفال الذين يعانون من مشاكل في النظر، كمشكلة طول النظر، أو قصر النظر، أو السوائل في العين.
ولفت الموقع إلى أن المشروع يساهم في تمكين وتعزيز ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة اجتماعياً واقتصادياً، من خلال توفير مستلزماتهم الضرورية بما يحقق الأهداف التالية:
1- المساهمة في دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بالمجتمع.
2- تعزيز الظروف المساعدة لضمان الحق في التعليم والصحة للمحتاجين.
3- المساهمة في تخفيف الفوارق الاجتماعية بين فئات المجتمع.
4- المساهمة في حماية الفئات المستهدفة وتأمين الحياة الكريمة لهم.


الدكتور باسم في أرشيف "العرب"

بالبحث في أرشيف "العرب" حول الدكتور باسم عرابي، وجدنا أنه تم تكريمه مرتين خلال عام 2014، الأولى كانت في فبراير 2014، ضمن تكريم كلية "طب وايل كورنيل - قطر" 30 من طلابها المتفوقين ممَّن أُدرجت أسماؤهم على لائحة شرف العميد، في حفل أقيم بمركز الطلاب بجامعة حمد بن خليفة.
والمرة الثانية كانت في أكتوبر من نفس العام، وكان، رحمه الله، ضمن 24 طالباً متفوقاً بلائحة طب «وايل كورنيل»، ممن أدرجت أسماؤهم على لائحة العميد والذين حصلوا على معدل تراكمي 3.75 نقطة أو أكثر في فصل ربيع 2014. وأقيم بالمناسبة احتفال في مركز طلاب جامعة حمد بن خليفة، حضره الدكتور جاويد شيخ عميد كلية طب "وايل كورنيل" في قطر وأفراد الهيئة التدريسية، وذوو الطلاب.

_
_
  • العشاء

    6:14 م
...