الحمودي: ضعف الوازع الديني وإهمال الأذكار وقراءة القرآن أهم أسباب الإصابة بالعين

alarab
تحقيقات 15 أكتوبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - كارلا سليمان
تحرص «حياة» على إخفاء أخبارها السعيدة عن أقرب المقربين منها كما عن الغرباء، فتجاربها السابقة علمتها أن تتجنب «عيون» القريبات والصديقات قبل الأعداء، فحياة التي تزوجت من حوالي أربع سنوات فقدت جنينها الثالث في الشهر الثاني من الحمل خلال العام الماضي، ومع تأكيد جميع التقارير الطبية على خلوها تماما من أية مشكلة صحية، وإجماع الأطباء على سلامتها وقدرتها على إتمام الحمل والولادة دون صعوبات، اقتنعت «حياة» بضرورة اللجوء إلى أحد مشايخ الرقية الشرعية –مستجيبة لنصيحة والدتها– وجاءت النتيجة لتؤكد تأثر «حياة» بالحسد والعين، ولم يكن العلاج الموصوف سوى تلاوة بعض الآيات القرآنية وشرب الماء المقروء عليه، إضافة إلى كتمان خبر الحمل عن المحيطين لحين ثباته وزوال الخطر بعد مرور الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، فقررت «حياة» الامتثال لنصائح شيخ الرقية رغم عدم اقتناعها الكامل بجدواها، فحملت بعد عدة أشهر للمرة الخامسة وكتمت الخبر لترزق بطفل سليم معافى بعد انقضاء أشهر الحمل التسعة، «تعلمت منذ ذلك الحين إخفاء جميع تفاصيل حياتي عن الجميع، فلا أعلن عن نبأ سار إلا بعد تحوله إلى واقع ثابت وحقيقة قائمة لا تتأثر بالحاسدين». وسيلة الفاشلين والمقصرين في حين ترى ميسون زايد في التعذر بالعين والحسد مجرد شماعة جاهزة في متناول الفاشلين والمقصرين؛ حيث يعلقون عليها كسلهم وضعف همتهم وخلافاتهم وسوء تصرفهم، باعتبارها الطريق الأسهل لتبرير الأزمات والمشاكل دون البحث في الأسباب الحقيقية للفشل في التعليم أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، ولا تشكك ميسون في وجود الحسد وتأثيرات العين على الإنسان لكنها لا تجد فائدة في إهمال مراجعة النفس وتصحيح الأخطاء بحجة تسبب العين في أية معضلة، ما يؤدي إلى فهم خاطئ لأسباب المشكلات المتنوعة وبالتالي ازدياد تعقيد المشكلات وتطورها والبعد عن طريق الحل الصحيح، «لا شك أن الحسدَ حقيقة مثبتة في القرآن والسنة ولا يمكن إنكارها، لكن المشكلة في تضخيم آثار العين واعتبارها السبب الرئيسي والوحيد لجميع الأزمات والأمراض»، وترد ميسون الإيمان المطلق بالعين والحسد إلى الجهل العام والابتعاد عن الفهم الواقعي والعملي للمشكلة بسبب نقص المعلومات والثقافة، والبحث عن الأعذار وتبرير الأخطاء والتهرب الإرادي من المسؤولية، كأن يرمي الزوج بالمشكلة على العين والسحر والحسد ليخلص نفسه من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية عن تردي علاقته بزوجته أو العكس، هذا بالإضافة إلى ما يتركه رد المشكلة لأسباب خارجية من تأثيرات مهدئة للإنسان فتخلصه من التوتر والقلق والإحساس بالذنب، بينما يواجه الشخص الناضج المشكلات المتنوعة بصراحة وواقعية ويحلل الأسباب المنطقية، فيلجأ بالنهاية وفي حال فشل جميع الحلول إلى أحد الشيوخ المختصين بالرقية لتخليصه من الحسد وآثاره. التحصينات الشرعية وتنظر «سعاد» إلى موضوع الحسد باعتباره واقعا قائما ومثبتا، وقد تظهر تأثيراته في الخلافات العائلية وتغيير السلوك كالعدوانية أو الإصابة بمرض أو بألم دون سبب واضح، لذلك وجب على المسلم أن يستعين بالله تعالى في دفع العين قبل وقوعها، وذلك بالتزام التحصينات الشرعية وقراءة القرآن، «طبعا العين حق والسحر مذكور بالقرآن ولكن لا ننسب كل شيء للسحر والعين»، وتتابع برواية قصة قريبتها التي عانت من أعراض غريبة نسبتها للعيون الحاسدة لتتبين بعد فترة بأن خللا في إفرازات إحدى الغدد كان السبب في اضطراب صحتها الذي تفاقم بسبب تأخرها في مراجعة الطبيب وإجراء التحليلات اللازمة، «عاشت قريبتي بوهم الحسد والحاسدين لدرجة كبيرة وصارت تشك بكل واحدة تكلمها، وراجعت الكثير من الشيوخ والرقاة الشرعيين دون فائدة، حتى نصحها أحدهم بمراجعة المستشفى؛ حيث اكتشفوا وجود خلل في إحدى غددها وتحسنت مع متابعة العلاج». الرقاة الشرعيون وفي حديث لـ «العرب» مع الشيخ محمد مهدي الحمودي إمام وخطيب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وأحد شيوخ الرقية كشف عن ازدياد انتشار بعض الأمراض الروحية كالعين والسحر والصرع والمس، كما تحتل الإصابة بالعين المرتبة الأولى بين الإصابات لأسباب أهمها: ضعف الوازع الديني وإهمال الأذكار وقراءة القرآن، ما رفع في المقابل نسبة الإقبال على شيوخ الرقية من كافة الفئات، مشيراً إلى وجود عشرة رقاة معتمدين من قبل وزارة الأوقاف في قطر، «توجد أسماء وأرقام وأماكن تواجد الرقاة المعتمدين على موقع وزارة الأوقاف»، مشددا على ضرورة التحري والتثبت والتأكد من منهج الراقي وسلامة عقيدته قبل اللجوء إليه، تجنبا لمراجعة بعض السحرة والمشعوذين الذين يعملون تحت مسمى الرقاة الشرعيين. أعراض العين والحسد ويسبب حسد الناظر إلى نعمة المحسود الإصابة بالعين –حسب الشيخ المختص بالرقية الشرعية-، وتظهر أعراض الإصابة على شكل مرض عضوي ظاهر يحتاج إلى علاج عضوي، «لو أصيب إنسان بعين فسببت له حادثا أدى لكسر قدمه مثلا فهو يحتاج إلى علاج كسر رجله إضافة إلى الرقية»، وإما أن تسبب العين مرضا يعاني منه الإنسان غير أن الأطباء لم يقفوا على تشخيص واضح لمرضه، وهنا يأتي دور الرقية الشرعية فبعدها يحصل أحد أمرين: إما شفاء تام لذلك المرض واختفاء أعراضه، أو أن تساعد في ظهور المرض للأطباء فيقوم الأطباء بعلاج المريض بعد الرقية. وعادة ما تظهر أعراض العين قبل أو أثناء قراءة الرقية الشرعية، وتظهر على شكل شعور المصاب بضيق شديد في منطقة الصدر، صداع متنقل، مع الشعور بزيادة الصداع أثناء الرقية الشرعية، والشعور بالحرارة الشديدة، وتصبب العرق، خاصة في منطقة الظهر، وألم شديد في الأطراف، ومن أعراض العين أيضا التثاؤب المستمر بشكل غير طبيعي وملفت للنظر، والبكاء أو تساقط الدموع دون سبب واضح، وارتجاف الأطراف وتحركها حركات لا إرادية، وخفقان القلب، والشعور بالخمول بشكل عام وعدم القدرة على القيام بالعمل، وظهور كدمات على الجسم دون تحديد أسباب طبية. وتترك العين آثارا كثيرة من الناحية الاجتماعية؛ حيث تتأثر علاقات المصاب بالآخرين، وقد تؤدي إلى فقدانه للوظيفة أو الأرباح. الرقية الشرعية ويحدد الشيخ محمد الحمودي صفات الرقاة الشرعيين بالقول: الرقية آيات من كتاب الله تعالى وأدعية مأثورة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أدعية مطلقة مشروعة يقولها الراقي متوسلا بها إلى الله تعالى أن يشفي علة هذا المريض، وكل علماء الدين قادرون على ذلك، غير أن الراقي يعتبر متخصصا في حال توفر كل من الناحيتين التاليتين: المواظبة على قراءة كتب أهل العلم والبحوث المتعلقة في هذا المجال والتعمق بها، إضافة إلى تميزه بالخبرة والممارسة في المجال ذاته؛ حيث تعرض عليه حالات متعددة يكتسب منها خبرة جديدة كل يوم، ما يضطره إلى مراجعة أهل العلم ويكسبه مزيدا من التخصص والعلم في الجانب النظري والعملي، ويعتبر الوسيلة الأساسية في الرقية كتاب الله تعالى وما صح في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يرى الراقي تكليف المريض ببرنامج من شأنه أن يعاونه على الشفاء -بإذن الله- كقراءة سورة البقرة والالتزام بالأذكار والصلاة في وقتها والاغتسال بالماء المرقي وشربه مع العسل وزيت الزيتون وزيت حبة البركة، وقد يحتاج لدهن الجسم أو أحد أعضائه بزيت الزيتون، ويستطرد الشيخ: قد لا يحتاج المصاب إلى ذلك بل يكتفي بقراءة الرقية الشرعية لا غير، كما لا يحتاج آخرون إلى الحضور حيث يتم توجيههم ونصيحتهم من خلال الهاتف. مراحل العلاج وحول مراحل العلاج بالرقية يقول الشيخ: يتم تلقي اتصال من الشخص والتعرف على مشكلته ونصحه وتوجيهه إلى ما ينبغي فعله من أذكار وقراءة قرآن وابتهال إلى الله بالدعاء والصبر والمدافعة، كما تتم دعوته للمراجعة والرقية –في حال ضرورتها للعلاج-، ويتم شفاء بعض المصابين بجلسة واحدة بينما يحتاج آخرون لعدة جلسات، وقد يحتاج البعض لبرنامج علاجي متكامل يتضمن سماع شريط الرقية وقراءة سورة البقرة يوميا عدة مرات. كما تلعب مقاومة المريض دورا أساسيا في العلاج –حسب الحمودي- فهو يحتاج إلى الالتزام بالشرع وممارسة التحصينات الشرعية اليومية وترك المخالفات الشرعية، وإذا لم يكن لديه قناعة وتسليم بأهمية العلاج فغالبا لا تفيد معه الرقية من قبل الراقي وإن وقع نفع فسرعان ما يعود إليه المرض. ويستطيع من وقع له بلاء من ذلك معالجة نفسه بالرقية الشرعية أو سماعها من شريط، لكن قد يصل الحال ببعض الناس إلى أهمية البحث عن راقٍ متخصص لكونه غير قادر على رقية نفسه لجهله بها أو تعبه الشديد أثناء أدائها وعجزه عن استكمالها. جواز العلاج بالرقية أما فيما يتعلق بجواز العلاج بالرقية فيقول الشيخ الحمودي: يجوز العلاج بالرقية لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّقَى فَجَاءَ آل عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ وإنك نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَال: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ. فَقَال: مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ. تحصين النفس كما يشير شيخ الرقية محمد مهدي الحمودي إلى أن البلاء يتم بقدر ولا يصاب أحد بشيء إلا بقدر، كما أن موعد ذهاب البلاء لا يعلمه إلا الله، فما شيخ الرقية إلا سبب فقد يحصل الشفاء بسببه عاجلا وقد يكون آجلا، وقد لا يحصل على يديه بل على يد راقٍ آخر وكل ذلك بقدر أراده الله وقدره، وما الراقي إلا سبب لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا أن يهب ذلك لغيره. ويختتم الشيخ حديثه لـ «العرب» بتوجيه رسالة إلى كل من يسكن هذا البلد المبارك ويقول: إن الذي بيده الضر والنفع هو الله سبحانه وتعالى فتعلقوا بالله وسلوه من فضله، أطيعوه فيما أمر واجتنبوا ما نهى عنه وزجر، ولا خوف ولا هلع ولا قلق من مخلوق ناصيته بيد خالقه فلماذا الخوف من الجن والسحر والعين، وعيش بعض الناس في وسواس دائم وفي توتر مستمر من هذه الأمور؟ إخواني حصنوا أنفسكم وادفعوا عن أموالكم وأزواجكم وأبنائكم ومساكنكم العين والحسد والسحر والشياطين بالأذكار وقراءة القرآن، كما لا يجوز للمسلم أن يلجأ إلى السحرة والمشعوذين من أجل دفع ضر ولا في إرادة انتقام من أحد -حتى لو كان ظالما-، ساهموا في تنقية هذه البلاد من السحرة والمشعوذين بعدم التعامل معهم والدلالة عليهم وإبلاغ الجهات المختصة عنهم؛ لأنه واجب ديني قبل أن يكون واجبا وطنيا.