«عن قرب».. محطات في سيرة المبدعين وإنجازاتهم

alarab
منوعات 15 سبتمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - العرب
مر عام بأكمله على صفحة عن قرب، خلالها تم تقديم زهاء 50 شخصية في قطر، في المجالات الحياتية المختلفة بدءا من الثقافة والأدب مرورا بالإعلام والطب والفقه والفلسفة والأكاديمية، تم فيها تقليب ألبومات المبدعين القطريين في عودة إلى ذاكرتهم الأولى. عام بكامله كانت الحوارات عن قرب تحفر عميقا في الذاكرة القطرية، ومعه تجوال في المكان وسيرته وتحولاته بدءا من أربعينيات القرن الماضي ليقدم المحاورون صفحة عن الإنجاز وإرهاصاته وذاكرته الأولى. خلال عام اقتربنا من عوالم المبدعين القطريين وإنجازاتهم، وعدنا إلى ذاكرة الطين وأهازيج البحر الأولى، قدم المبدعون حكايات طفولتهم الأولى وقلبوا صفحة الذكريات وعالم الأسود والأبيض، ومع تجاوز السنون لكثير منهم بيد أن المحدثين منهم والمعاصرين ما زالوا أوفياء لذاكرتهم وبيوت الطين الأولى وحكايات الفرجان قبل أن تخترق الأبراج الشاهقة جسد المكان. يذكر كثيرون منهم لهوهم على رمال الخليج، وقدم كثيرون شهاداتهم عن المكان الذي امتد في الحوارات ليصل الخور، والشمال والخريطيات، وفي ملامح الذاكرة الأولى حديث متصل عن نهضة التعليم بدءا، بجهود «المطوعين الأوائل الذين أرسوا وأسسوا للحركة التعليمية التي شيدتها قطر، وهي الآن على رأس مصاف دول العالم تقدما بمؤسساتها التي تحتل مكانا متقدما بين أوائل دول العالم، لم تنس (عن قرب) أن تقترب من عالم الطب والمبتعثين الأوائل إلى دول العالم وإنجازات الإنسان القطري في هذا المجال. وفي الحوارات اقتراب من حفظة التراث، باعتباره رسالة وفاة للبناة الأوائل، توقفت أيضا عند عوالم الريشة والألوان والمبدعين القطريين وهم يرصدون مفردات المكان ويحولونها إلى وثيقة من الألوان، واللوحات التي تستعيد بهجة المكان ومفرداته البحرية والبرية، وطبيعته الساحرة. في المسرح والشعر المسرح هو المشهد الأكثر حيوية في الإبداع الثقافي القطري، وبين فنون وإبداعات أخرى ما زال المسرحيون القطريون يحصدون الجوائز ويتلقون التكريمات في معظم مهرجانات المسرح في العالم العربي في إحدى محطاتها توقفت (عن قرب) عند حديث الذاكرة والإنجاز مع أحد رواد المسرح القطري وشيوخه الكبار عبدالرحمن المناعي. ويستعيد المناعي أجواء النشأة الأولى بجوار البحر وفي أحد بيوتات الطين، إذ كان يصغي جيدا إلى إيقاع أمواجه الصاخبة ويدرب نفسه على الإنصات عميقا، وحين يأوي إلى فراشه كان يدرب أذنيه جيدا إلى إيقاع مواويل البحر حين ينشدها أبوه العائد لتوه من رحلة صيد، بعدها كان يصغي طويلا إلى أم تجيد سرد «الحزايا» ورواية الحكايا الطويلة مبكرا إذ كان يجمع شيخ المسرحيين القطريين إليه فضيلة السرد الممتع الذي سيحيله مسرحيا مبدعا، والإيقاع الذي يصنع منه أيضا شاعرا مجيدا. في الفضاء المسرحي الأول وفي منتصف قرن فائت فتح صاحب «أم الزين» عينيه على بيوتات الطين الأولى، تزاحم البحر وتنتظر عودة قافلة الصيادين الباحثين عن اللؤلؤ، وآخرين عائدين بسمك كثير، سيساهم هو نفسه في الثامنة من العمر في بيع كثير منها كأولى المهن التي كانت ثمار علاقة طويلة مع البحر إبداعا ونصا بعد ذلك. وبين «أم الزين» التي وجدت طريقها إلى جمهور القراء في العام 74 وآخر إبداعاته، ظل صاحب «يا ليل يا ليل» و «الحادث والكائن» وقائمة تطول من الإبداعات المسرحية، أمينا وفيا لـ «أبوالفنون». وفي قائمة المحاورين مسرحي آخر حاز جائزة الدولة التقديرية العام 2012 هو المبدع والكاتب حمد الرميحي، الأمين والوفي للبحر وتراثه وهو «الذي انقطع سره هناك» والذي كان يجد في البحر وغموضه أيضا ما يزيد ولعه بالبحث عن الجوهر وعدم الاكتفاء بما يوفره السطح، هكذا راح مبكرا يستعير من قراءاته أوجها أخرى غير مألوفة ولا مطروقة. كانت بدايته مع «أوديب» حين اختار أن يستعير من الرائعة العالمية ثيمتي اللغز والوباء، ليجعل منهما محور إبداعه في مسرحية «بودرياه»، واختار أن يذهب مع صاحب «الإمتاع والمؤانسة» أبي حيان التوحيدي رمز الشعور باللا جدوى وحارق الكتب الشهير في رحلة كشفه بين بلدان العرب رائيا ما رآه في الشام من «مدن يهجرها القمر» و «مدن أخرى في الخليج يهجرها البريق»، على أن ما أغراه في الرحلة هو الكشف عن مكنونات رآها برؤية معاصرة. دلف باب المسرح من بابه الأكاديمي، وإن كان قبل ذلك قد اقترف «جنايته» في عمل أول عن طريق دار المعلمين، حين كان يومها الأستاذ حمد -وهو اللقب الذي حازه على أية حال منذ كان في الإعدادية- وكان بالإمكان أن يبقى الأستاذ حمد أستاذا في النقد المسرحي هذه المرة، لولا أن أستاذه المسرحي إبراهيم حمادة أبى إلا أن يهدي الإبداع العربي كاتبا مسرحيا، وأن يخفف من عدد المنظرين العرب واحدا، وهم كثر، حين نصحه «بأن يكسر قلمه النقدي»، فهو مشروع كاتب مسرحي. وفي ذاكرة المسرح يحكي محمد سعد البلم عن بدايات أولى للخشبة وحلبة الملاكمة التي استعارها الشغوفون بالمسرح ليحولوها إلى مسرح لإبداعاتهم. وفي إبداعه سطر عن المبدع الذي يصف نفسه بالـ «برمائي» لكنها البرمائية التي تأخذ أجمل ما في البر وحكاياته والحداثة، إذ يلقي البحر كل ما في جعبته من لآلئ، فيحاكيها دهشة وإمتاعا على خشبات المسارح. البداوة ولكنها قادته إلى شراكة مع الفنان الأردني نبيل المشيني إلى عمل درامي بدوي، أما الحداثة فقادته في زمن ما إلى معطف غوغول الذي خرجت منه القصة الحديثة، ليأخذ من إبداعاته «مونودراما» (مسرح الممثل الواحد) يوميات مجنون.. ووحده على المسرح بطوله الفارع وشعره الكثيف لم تأت عليه الأيام بعد عندما كان يدهش نظارته ومتلقيه. وإذا كانت تلك حوارات مع الشيوخ والرواد وبينهم أيضا موسى زينل الناقد والخبير الثقافي، فقد أطلت عن قرب على جيل ما بعد المؤسسين في المسرح والسينما كحافظ علي وخليفة المريخي والمبدع الممثل والمخرج جاسم الأنصاري. حفظة التراث عرجت (عن قرب) في عامها الأول على حفظة وسدنة التراث القطري، والانتقال به من سرده الشفوي إلى منصات أعلى في البحث والتوثيق، سدنة التراث علي شبيب المناعي وعلي الفياض ومحمد جاسم الخليفي وغيرهم الذين يدأبون بعناية هائلة لحفظ الموروث العميق وأصالته. فحين لم يكن تخصص الفنون والآثار مطروقا، وكان نادرا في سبعينيات القرن الماضي، اختار محمد جاسم الخليفي تخصصه، ليضيف إليه حصيلة معرفية وعلمية، تمكنه من حماية واكتشاف الآثار والتراث الذي عشقه صغيرا، حين كان يطالع البيوت القديمة في حيه وسكناه الأول في منطقة شرق، فتسحره حميمية البيوت المتلاصقة وجو الألفة التي تصنعها العمارة التقليدية القطرية وجمال ما صنع البناؤون الأوائل. عمل في العديد من المناصب متوجا إياها بتسلمه لدائرة المتاحف في عام 94، ضم إلى العمل والتنقيب في الآثار التأليف. ولعله واحد من قلائل في الخليج فازوا بـ «جائزة المدن والعواصم الإسلامية» وفي رصيده من المؤلفات العديد من الكتب بينها «هندسة القصر القديم» وكتابه الفائز بالجائزة المشار إليها العمارة التقليدية في قطر وغيرها من المؤلفات التي تنتصب في مكتبته التي تجاوزت كتبها ومؤلفاتها ثمانية آلاف كتاب، يفتحها الخليفي لطالبي العلم من المنتظمين على مقاعد الدرس في الجامعات أو المدارس. أما علي المناعي فقد سرقته أحاديث الكبار صغيرا، وبعد 30 عاما من تدوينها والولع بها، اكتشف أن حياته الماضية كلها تدور حول شغف بدأه في العائلة الصغيرة، حيث الصغير يدرب أذنيه على إيقاعات الشعر الأولى لأم حافظة للمرويات الطويلة، وأب أسرته أشعار مبدع قطر الكبير محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، الذي لاحق علي شبيب المناعي سيرته كبيرا، ووثق لحياة الشاعر الذي كان ينام على أشعاره طفلا في المهد. لم يتوقف عند هاجس الشهادات العلمية كثيرا، واكتفى منها بما يؤهله ليكون واحدا من أشهر باحثي قطر والمنقبين في أدبها، ورحلات غواصيها والأمين لأوابدها وذاكرة بيوتها الطينية الأولى، كتب ووثق، ولا يزال يسكنه هاجس ألا يضيع شيئا من ذاكرة الكبار وأحاديثهم. حمل مع رفيق رحلته والباحث المنقب صاحب المؤلفات الكثيرة علي عبدالله الفياض الكاميرا صغيرا، سرقتهما مشاهد الطبيعة والبيوت في الشمال وفي رحلاتهما معا كان يوثقان الأمكنة والوجوه في «ذاكرة الضوء» قبل أن يبدأا رحلة طويلة لا تزال مستمرة فصولها في توثيق وحفظ الذاكرة القطرية، أنجزا كتبا مشتركة كثيرة وديوان شعر مشتركا أقرب إلى المطارحات الشعرية لصديقين عن «ترانيم الفجر»، وفي بحث التوأمين الصديقين جهد ومؤلفات ومصنفات كثيرة، تنوء عن القيام به مؤسسات بحثية. ولأنه يعتبر واحدا من أهم المصادر الروائية والمحافظين على التراث القديم والحريصين على روايته، فقد توقفت عن قرب مع الباحث والمسرحي الذي يعود إليه أول نص مسرحي باللهجة القطرية «من طول الغيبات» خليفة المالكي عائدا إلى ذكرياته إلى السوق القديمة، إذ كان يغافل أباه فيهرب من رائحة العود والبخور والعنبر، ويذهب كولد صغير شغفه البناؤون والقلافون، يبنون سفنا ويشيدون عمائر، يختلس النظر إليهم ويسألهم كثيرا، كيف يلينون الحديد بالنار ومن أين يأتون بحبالهم؟ لم ينس خليفة السيد المالكي شيئا من تلك الأيام الخوالي أبعد من ذلك طوعها نثرا في كتب عن نهضة الأوائل يشيدون بلدا هو في أوائل دول العالم حداثة. مضى الولد الفضولي ولم يكمل تعليمه إلى مهن عدة -ربما أحصى منها عشرين أو أكثر– وفي شركة قطر للبترول كان يمضي ليالي طويلة مع خلانه يتسامرون ويحكون الحكايات، كانوا يصرون عليه أن يكون راويهم فهو الذي يضفي على الحكايات سحرها وألقها، لم يكن وقف على خشبة المسرح يومئذ، لكنه بمخيلة واسعة كان يستعير من المسرح فنياه ليكون راويا يستحوذ على اهتمام النظارة. يقول عن نفسه إنه استمع كثيرا للحكايات التي تنطبع في ذهنه فيسجلها بعد ذلك مؤلفات كثيرة، وثق للمثل الشعبي ووثقه وشرحه أيضا، ووصف علاجات كثيرة للمتعافين من أمراضهم بفضل أب طبيب ومحل صغير في سوق النجادة يحتوي أعشابا كثيرة عرف خليفة أسرارها في فعل الشفاء. هو أحد حراس الذاكرة يحنو عليها من أن يصيبها جفاف الحداثة، وتحجبها الأبراج العالية وفي فلسفته للحفظ التراثي ينأى به أن يهاجر نحو الشكل ويصر على أن يبقى عند تخوم المضمون. في الريشة والألوان لم ننس في جملة حواراتنا التوقف عن إبداعات التشكيليين القطريين ومنهم رسام الكاريكاتير المبدع سلمان المالك الذي أدرك في الطفولة الغضة البعيدة -وهو يحمل بقايا الفحم بيدين طريتين ويملأ جدران المنزل بروفات أولى للوحات بالأسود والأبيض- أن عالم الألوان وسحر الكاريكاتير سيكون عالمه الذي سيكرس فيه أقداره ملونا وساخرا، ومستعيدا لفتنة العالم باللون والريشة. في طفولته كان يرسم كالكبار، وفي غمرة إبداعه الآن يستعيد مخيلة الطفل الذي كان ليمده بسحر الألوان، فيستدرك زمنا استنزفه فيه رسام كاريكاتير طالما أبدع لوحات ناقدة ولاذعة، تحرض وتسخر وتشخص وجعا وتنتزع ضحكات أيضا! يرسم بـ «شجن» عال لا «ليبيع لوحة ولا ليقيم معرضا بل ليمارس متعة، بدأها صغيرا في مشيرب» حين كان الأسود والأبيض لونان لكونه الرحيب، فيما الأزرق الغامق يملك خياله ويثير فتنته من بعيد، فيرسم السفن تمضي إلى مصائرها في رحلة الغموض باحثة عن لؤلؤ طبيعي. وفي الحوارات أيضا توقف الفنانة المبدعة أمل العاثم التي بدأت مسيرتها الفنية واقعية بالمفهوم الفني تنتصر لنخيلها، ولم تفارق لوحاتها في تلك الفترة التي امتدت على مدى أربعة أعوام العمارة التقليدية القطرية وغيرها مما طاولته ذائقتها البصرية، من مفردات البيئة. بيد أن الفنانة التي تمتلك روحا «متمردة» لا تركن إلى السكون وتنزع إلى سفر إبداعي وتجوال دائم، كانت تطلق للوحاتها السفر إلى كافة أصقاع العالم، وأينما حطت لوحاتها تحس العاثم أن روحها تحلق هناك، حاملة إبداعها ولمسات ريشتها وروح بلادها النابضة في لوحاتها. واللوحة كانت مبكرا هي مساحة البوح للفنانة التي في رصيدها عشرات المعارض والجوائز، لعل آخرها جائزة «صالون الخريف» الذي تزهو العاثم بأن حضورها هناك قد عبّد الطريق لمشاركات عربية في قلب عاصمة النور، بعد أن كانت حكرا على فناني أوروبا. تمتلك العاثم -وهي تتقصد البوح الذي وجد آفاقا رحبة في لوحتها- لغة شفيفة وشاعرية عالية. ولو لم تكن رسامة لكانت من الشعراء المبدعين، ومن يطالع نصوصها المجاورة للوحاتها في معرضها «رحلة امرأة» يلاحظ بما لا تخطئه العين أي مبدعة تدل على وجودها نصوص العاثم. وفي العالم التشكيلي حوار توقف عند محطات في إبداع نادية المضاحكة. ورئيس قسم الفنون البصرية في وزارة الثقافة والفنون والتراث عبدالله دسمال الكواري الذي وجدت مفردات بيئته الأولى طريقها إلى اللوحة لديه وقد مرت بتجارب وأطوار، منذ كان البحر بصفائه وانعكاس إضاءة السفن وأعمدة الكهرباء ترسم لوحة على سطحه، تشكل واحدة من إلهاماته في إبداع لوحته صغيرا، لكن الصورة والمشهد لم تكن إلا عتبة في مشوار الفنان الذي عثر مبكرا على عدد من مجلة أفردت مساحات كبيرة لبيكاسو يومها اتسعت مدارك الفتى على أن الفن ليس المشهد فقط. وفي فترة الإعدادية شده إبداع أستاذه على مقاعد الدرس الفنان الفلسطيني عبدالرحمن المزين الذي ارتبطت أعماله بما يسمى أدب المقاومة في تلك الفترة، وإبراز معالم الكفاح الفلسطيني ما بعد الشتات، وفي سيرته العلمية لم يبتعد خريج دار المعلمين عن فضاء اللوحة كثيرا فاختار بعثة لدراسة المسرح تخصص ديكور، وهناك اتسعت مدارك اللوحة وإن بشكل مختلف وبإبداع ليس فردانيا، وإنما تقوده روح الجماعة باعتبار أن العمل المسرحي هو إبداع الجميع. يجمع عبدالله دسمال في موقعه رئيسا للفنون البصرية بين الفنان والإداري لكنه في إدارته يحركه موجهات ووعي بما يحتاجه الفنان وما يحتاجه الفن لنهضته أيضا من اطلاع على مدارس الفن الحديثة، وإقامة الورش، والانفتاح على المتلقي أيضا باعتبار أن الفن هو شراكة بين المبدع ومتلقي إبداعه. وفي موقعه يأمل باستمرار بعث الحيوية في المشهد الأكثر حراكا على الصعيد الثقافي في قطر. أكاديميون كما أفردت عن قرب في محطاتها مساحة للأكاديميين والمشتغلين بالفكر ومنهم أستاذ الفلسفة في جامعة قطر يوسف الصديقي الذي درج في أم غويلينة، وقادته زقاق الحي القديم ليكون فيلسوفا، يشتبك مع مقولات أرسطو طاليس، وينقب في مقولات الفكر اليوناني القديم، مستصحبا مع ذلك كله دراسة أزهرية جعلت الدكتور يوسف الصديقي لا يغالي في إعلاء العقل إلا بالدرجة التي يساعد فيها لإضاءة الحكمة والبحث عنها موازنا في سيرته بين العقل والنقل. ذلك ملخص سيرة لصاحب «جائزة الدولة التشجيعية» في عام 2008، بيد أن ما قبلها في مطالع الستينيات سيرة أخرى عن سنوات صبر عاشها، حيث الحياة الشاقة والعلم دونه عناء كبير، يذكر الصديقي عن أيامه تلك أنه كان يتقاسم قلم الرصاص مع أخيه، فيما كانت الممحاة تشكو استعمالا طويلا وتصبح بمثل حبة القمح لكثرة ما شطبت ومحت، على أنه لديه في حياته المبكرة سطور لم تطلها ممحاة الزمن، كتب كان يأتي بها والد القارئ الصغير النهم فيقبل على «مروج الذهب» للمسعودي صغيرا، ويؤلمه وهو يتصفح «البداية والنهاية» لابن كثير وكتبا أخرى مذابح تجري في التاريخ الإسلامي السحيق على السلطة. ولعل ذلك كان يقوده فيما بعد لتكوين عقل نقدي، يقارب الحاضر ويقرؤه في هدي من تاريخ قديم. يذكر كثيرا، وينسى قليلا، يرد الفضل إلى ذويه. فهو من أهله، وتحس أن د.يوسف عبيدان الرجل الذي يمضي واثقا باتجاه سنوات مديدة من عمره، لا ينسى ولا يبارح ذاكرته رواد علموه يسميهم اسما اسما، وعندما يعد قوائم طويلة يعتذر عن النسيان. وكذلك القانوني والأكاديمي د.يوسف عبيدان الذي درس في الكتاتيب في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وكان مقدرا له أن يقرأ جزأين من القرآن على يد رائدة التعليم الراحلة السيدة آمنة بنت محمود، وما لم يدركه في الطفولة أدركه كبيرا، إذ حفظ كتاب الله كاملا، شغفه صوت المقرئ عبدالباسط عبدالصمد صغيرا فقلده مبكرا في سنوات عمره صغيرا. بيد أن أكثر من أثر فيه ولازم اهتمامه هو الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود -رحمه الله- قاضي قضاة قطر، وبالمثل فقد قلد خطبه، وأحب أسلوب فتاواه، وغالبا ما حث طلبته في جامعة قطر -التي تسلم عمادة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فيها- على إعداد رسائل عن الشيخ آل محمود. تنقب في آثاره العلمية وريادته الدينية، شهد نائب رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر تقلبات وأحداثا، فحين كان طالبا على مقاعد الدرس في القاهرة، عاين هزيمة يونيو عام 67، وشاهد الطوفانات البشرية تطالب الزعيم عبدالناصر بالعدول عن التنحي، وسمع هتافات مبكرة، تذكر الرئيس المصري أنور السادات بحب مصر الكبير لعبدالناصر، وحين كان دبلوماسيا عايش في بيروت الحرب الأهلية ووحشية الطائرات الإسرائيلية تقصف بيروت عام 82. غير أن اليوم الذي لا ينساه هو ذلك الذي حمل فيه مع صحبه إلى أروقة الأمم المتحدة طلب انضمام قطر إلى الأسرة الدولية كدولة مستقلة. يحكي عن فرحه وعن موقف دولة دالت (جمهورية اليمن الديمقراطية) حين رفض مندوبها انضمام قطر، ومن المفارقات أن الدولة الماركسية التي رفضت قد زالت عن الوجود، فيما قطر تضع نفسها اليوم واحدة من أكثر الدول تأثيرا في الخارطة العالمية. كما التقت عن قرب مع عميد كلية الشريعة د.عائشة المناعي التي يصعب حصر اهتماماتها، وعضويتها في كثير من المؤسسات التي تنتمي إليها، والتي انشغلت ولا تزال في مؤسسات ولجان تعاين فكرة «التقريب بين المذاهب»، وإذا كان هذا التقريب انشغالا خاصا على مستوى الأمة فقد وسعت مدارك الحوار إلى الآخر، وهي الناشطة في «حوار الأديان». بمجمل الاهتمامات تلك تتجاوز «عميدة كلية الشريعة» في جامعة قطر دور الأكاديمية المنعزلة ضمن إطار البحث العلمي والإداري متجاوزة إياه إلى تقديم صورة، عن المرأة ضمن إطار كبير هو المشروع النهضوي العربي الإسلامي. وهي التي عاينت من موقع بحثي مقولات المفكر الجزائري الإسلامي مالك بن نبي عن النهضة وشروطها. وبين قليل من النساء، تحتل موقع عمادة كلية ظلت طويلا حكرا على الفقهاء الذكور، في خطوة أعادت فيها جامعة قطر الاعتبار لمكانة المرأة في تبوء منصب كان يعتقد أنه اختصاص الذكور. في مستهل حياتها الأكاديمية في «الخريطيات» بدت الدوحة إذ ذاك بعيدة ما حدا بجدها «لإيقافها» عن الدراسة عاما، استأنفت بعده دراستها، متوجة تطلعاتها الأكاديمية بالدراسة في «الأزهر الشريف» الذي تدين له بوسطيتها وانفتاحها على تنوع وتعدد مدارس الفقه الإسلامي. كذلك توقفنا مع الناقد والأكاديمي القطري د.محمد عبدالرحيم كافود -الذي ما بين تسلمه مهامه معيدا في بداية حياته المهنية في جامعة قطر في سبعينيات القرن الماضي وتبوؤه وزارة التعليم- مسيرة غنية وواسعة وفيها الكثير من الإنجاز. اختار كافود الذي عاين حياته الأولى في قلب الدوحة -إذ كانت تتدرج في درب الحداثة- باب النقد الأدبي متوجها له، لكنه اختار الأصعب، ففي الوقت الذي كان يسهل فيه على أي باحث أكاديمي أن يدخل باب الشهادة العليا من باب نقد الأدب في مصر أو في بلد الشام، لسعة المراجع المتاحة وحيوية المشهد الثقافي هناك، أبى صاحب «النقد الأدبي في الخليج العربي» إلا أن ينحاز إلى مكانه الأول مفتشا ومنقبا وكاشفا عن أدب وأدباء يكاد العثور على أسمائهم بحثا عن إبرة في كومة قش. وإذ ينحاز كافود إلى ذلك الحفر في السحيق من طبقات الأدب في الخليج العربي ومن بينها قطر، فإنه كان يهدي المكتبة والباحث العربي هدية كبيرة في كشفه أولا عن جماليات وموضوعات هذا الأدب من جهة ويقدم للمكتبة العربية تأريخا لمنطقة طغى الاهتمام على الفورة الاقتصادية فيها على المرجعية الثقافية والمعرفية فيها، مقدما أيضا أسماء مبدعة للمشهد الثقافي العربي. وحسب الدكتور ماهر حسن فهمي فإن «سعة النقد الأدبي في منطقة الخليج العربي لم تتكشف إلا بعد الدراسة التي قدمها د.كافود في كتابه الأثير النقد الأدبي الحديث في الخليج». وفي مجمل أعماله ظل معالي الوزير الأسبق أمينا للكشف عن مكنونات الإبداع القطري سردا (قصة ورواية) وشعرا ومسرحا أيضا وقدم للقارئ العربي دراسات في الشعر والنقد المعاصر في منتصف التسعينيات، والقصة القصيرة في قطر النشأة والتطور في العام نفسه كما عرض في كتاب آخر للقضايا الاجتماعية في المسرح القطري. كذلك التقت «العرب» المفكر الإسلامي القطري جاسم سلطان الذي تتوارى في سيرته صورة الطبيب، وتحضر فيها مكثفة صورة المفكر، الذي استكان أولا لدراسة الطب، لكنه ظل أمينا لـ «غرامه» الأول عشق العلوم الإنسانية، وبدلا أن يتوجه جاسم سلطان إلى الجسد وعلله، اختار الأصحاء، باحثا ومجتهدا في التنقيب عن علل الفكر والروح، لم يغادر الطب إلا بالقدر الذي تغيرت فيه العلة التي أراد معاينتها. بيد أن عشق دراسة العلوم الإنسانية والشرعية حلم ظل يراوده، وهو على مقاعد الدرس يتعلم فنون الطب، وعلى يد المشايخ في مصر أخذ علومه في الحديث وأصول الفقه والشريعة، ومع عشقه ذاك بقي حريصا على الحفاظ على أمل طفولي يراوده بإحداث تغيير في الخطاب الفكري العربي، اشتبك مع معوقات النهضة، مستندا إلى إرث طويل من جهود فائتة، وأعمل قلمه تأليفا، فبعد مقولات طويلة عن ترشيد الصحوة الإسلامية كان يجتهد صاحب «فلسفة التاريخ» في وضع أطروحته «من الصحوة إلى اليقظة» وأعاد قراءته للسيرة النبوية الكريمة معتبرا أن عدم فهمها في سياقها ومعطياتها التاريخية قد جر كوارث كثيرة. وفي الحفر بعيدا في اتجاه الذاكرة التقت عن قرب بالرحالة عبدالرحمن المحمود الذي جمع إليه فضائل العالم الذي وصل سقفه وجاب قاعه، متأملا وباحثا ومؤرخا ومنقبا عن جماليات الإنسان العظيمة، وفيا لأسلافه الرحالة من قبل ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان، وربما ابن ماجد أيضا وهو يدل «فاسكو دي جاما» على رأس الرجاء الصالح. بيد أن العال