تغيير المدرسين.. «تكتيك» لمواجهة عدم الكفاءة دون الاهتمام بالطالب
تحقيقات
15 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - محمد سيد أحمد
يعتبر المعلم الركيزة الأساسية التي يمكن الاستناد إليها في المسيرة التعليمية باعتباره العنصر الأكثر أهمية في النظام التعليمي الذي يعتبر الطالب محوره الأساسي والغاية التي تسعى كل نظم التعليم إلى الوصول إليها، لذا لا يمكن الوصول إلى تلك الغاية إلا من خلال التركيز على الدور الرئيسي للمعلم في تشكيل الجانب المعرفي والأدائي وحتى النفسي للطلاب، لكن هذه الأهمية الكبيرة للمعلم أصبحت على المحك بسبب قيام بعض المدارس بتغيير معلمي بعض المواد عدة مرات في السنة الواحدة وهو ما نتجت عنه مشاكل عدة بالنسبة للطلاب الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع عدة أشخاص في زمن وجيز مما يفقدهم قدرة التركيز على المواد الدراسية.
وبناء على هذه المعطيات طالب أولياء الأمور بضرورة الحد من هذه الظاهرة حفاظا على تحصيل أبنائهم المعرفي الذي بدأ يتناقص بسبب تغيير معلمي بعض المواد، ولفت آخرون إلى أن بعض مدرسي المواد يتم تغييرهم في السنة أكثر من ثلاث مرات وهو ما يؤثر سلبا على تحصيل الطالب في تلك المواد، الأمر الذي يجعل تجاوزهم للسنة الدراسية أمرا بالغ الصعوبة.
سلبيات تغيير المعلم
«لا أحد يجادل في أن تغيير المعلم يؤدي إلى سلبيات كثيرة بالنسبة للتحصيل الدراسي للتلميذ».. هذا ما بدأ به ماجد النعيمي، وأضاف: تغيير المعلم بالنسبة للطلاب له تداعيات خطيرة على مسيرتهم المعرفية لعدة أسباب منها التأثير على ذهن الطالب ويشغله بالتفكير في طريقة التعامل مع المدرس الجديد الذي يتطلب فهم طبيعته ومنهجيته التدريسية وقتا طويلا، وذلك ما يؤثر على ما تحصل عليه الطالب من معلومات من مدرسه الأول، خصوصا إذا كان هذا المدرس الجديد من النوع الذي لا يمكن أن يثبت قدراته التعليمية إلا من خلال وصف عمل من قبله بغير المفيد والخاطئ حتى لو كان المدرس الأول من أكثر المعلمين كفاءة، وهذه النوعية من المعلمين كثيرة للأسف، أما السبب الآخر فهو اختلاف طريقة المدرسين أنفسهم واختلاف المنهجية لكل واحد، فمثلا لو أن طالبا تلقى دروسا لبعض المواد على يد مدرس متخصص ولديه ملكة الإيضاح والقدرة على شرح المادة بشكل يجعل الطالب يستوعب أكثر، ثم قامت هذه المدرسة بالاستغناء عن هذا المدرس لأي سبب كان واستقدمت مدرسا آخر تختلف منهجيته في تعليم الطلاب عن المدرس الأول فستضيع جهود الطلاب التي قاموا بها طوال شهور عدة وسيبدؤون من الصفر مرة أخرى وذلك ما سينعكس على نفسياتهم، الأمر الذي يضعف من مستوى الفهم والاستيعاب لدى كل طالب مر بهذه التجربة.
ضوابط
وطالب النعيمي بوضع ضوابط وقيود صارمة على تنقلات المدرسيين وتغييرهم حتى لا تتعرض العملية التعليمية للخطر، معتبرا أن ترك هذا الوضع على حالته الراهنة يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الطلاب وأولياء أمورهم الذين يدفعون أموالا طائلة من أجل حصول أبنائهم على تعليم جيد ومدروس وممنهج، لذا من المفيد أن تكون هناك رقابة صارمة على المدارس في هذا الخصوص.
لا بد للتعليم من الهدوء
بدوره يرى منصور العبدالله أن العملية التعليمية يجب أن يكون طابعها النظام والهدوء وعدم اتخاذ قرارات تتنافى مع التوجهات العامة للمجلس الأعلى للتعليم الذي يضع القوانين الدراسية ويسهر على تطبيقها، وعليه فإن تغيير المعلم في أي مدرسة لا يجب أن يكون اعتباطيا ولا أن يكون اتخاذ مثل هذا القرار المهم تحت رحمة مزاج مدير هذه المدرسة أو تلك لأن المعلم هو المحور الأساسي لنجاح العملية التعليمية وما تنطوي عليه من مكونات المناهج وما يرافقها من مواد كالكتب المدرسية والوسائل التعليمية وأساليب التقويم، فتحقيق النجاح في كل هذه العناصر وغيرها مرهون بوجود المعلم الجيد والمستقر في مكانه لتدريس المادة الموكلة إليه، لا بل إن ذلك كله -على أهميته وآثاره المختلفة في العمل التربوي- يظل بلا فائدة وعديم الجدوى ما لم يكن هناك استقرار للمعلم طوال السنة الدراسية لأن المناهج والكتب الدراسية -مهما كانت جودتها- تظل بلا قيمة علمية ما لم يقم بتدريسها معلم جيد يستطيع مواصلة تلقين طلابه المادة المدروسة بشكل جيد على مدار السنة الدراسية، ويستطيع الطلاب من جهتهم التفاعل معه لتحقيق هذه الغاية التي لن تتحقق إذا كان المعلم يتغير كما لو كان أداة من أدوات التعليم البسيطة كالدفتر، والقلم.
ركن أساسي
وأشار العبدالله إلى أن المعلم يعتبر ركنا أساسيا في المنظومة التعليمية وتغييره يعرض تلك المنظومة للتصدع أو السقوط، وعليه فإن تغيير المعلم بشكل متكرر يستحيل معه حصول الطلاب على أية فائدة علمية. وأردف: المعلم ركن أساسي من أركان العملية التعليمية لما لخصائصه المعرفية وأسلوبه المهني من أهمية في عملية التعليم، حيث إن لهذه الخصائص آثارها على الناتج التحصيلي للتلميذ من حيث إشباع حاجاته النفسية والحركية والانفعالية والمعرفية والاجتماعية، ولأن التفاعل بين المعلم والطالب والمنهج يؤدي إلى حدوث التعلم والتحصيل الجيد، فالتربية بشكل عمومي عبارة عن تفاعل بين إنسان وآخر في زمان ومكان محددين لتحقيق هدف تحصيلي معين، وعوامل التربية عندما تتفاعل معاً تتمخض عنها الفائدة المعرفية المنشودة في حالة ما إذا كان هناك استقرار للمعلم لأن كثرة تغيير الجدول المدرسي وتغيير المعلمين يؤثر سلبا على الطلاب شبيه بالتأثير السلبي لتنقلهم من مدرسة إلى أخرى أثناء العام الدراسي، فالطالب أو الطالبة يحتاجان إلى فترة غير قصيرة قد تصل إلى شهر أو أكثر للتكيف مع مدرسهم الجديد وتغييره بشكل مستمر لن يترك فرصة لأي نوع من أنواع التفاهم فضلا عن استيعاب الدروس.
التعليم الجيد بالمعلم الجيد
ونبَّه منصور إلى أن الاهتمام بالمعلم واختياره على أساس الكفاءة والخبرة في مجال التدريس والتأكد من معرفته للمواد الموكلة إليه هو الذي يضمن لنا نجاح التعليم في قطر، فقد يكون التوجيه التربوي والإدارة التعليمية في قمة الازدهار -يضيف منصور- لكن ذلك كله يتلاشى مع وجود معلم غير مؤهل وغير جيد لأن البنية التربوية الحديثة والتقنيات العالية المتبعة لن تجدي نفعا في غياب معلم كفء يحسن استثمار هذه البيئة التعليمية الجيدة، والمعادلة التالية أثبتت التجارب صحتها وهي: «أن التعليم الجيد يتم بالمعلم الجيد»، ومن أهم العوامل التي تلعب دوراً مهماً في تكوين وتغيير الاتجاهات نحو المواد هو المعلم بما يؤثر به من خلال البيئة داخل الفصل المدرسي، أي أن للمعلمين أثراً بالغاً في تكوين اتجاهات تلاميذهم وتغييرها، فاتجاهات الطلاب نحو المواد المتخصصة مثلا تعتمد اعتماداً كبيراً على المعلم وعلى تنظيم العملية التربوية داخل حجرة الدراسة، واستبدال معلم بمعلم آخر مع المجموعة نفسها من التلاميذ يؤدي إلى تغيير في اتجاهات التلاميذ نحو المادة التي كانوا يولونها اهتماما أكثر.
وأوضح أن هذه الظاهرة لم تكن معروفة إلا في السنوات الأخيرة بعدما تحولت المدارس من مدارس حكومية تابعة لوزارة التربية والتعليم إلى مدارس مستقلة تابعة لأشخاص هم في الحقيقة تجار وقد لا يكون لبعضهم أية خلفية عن التعليم، فقبل سنوات لم نكن نسمع عن تغيير المعلم أثناء السنة الدراسية إلا لظروف قاهرة، أما الآن وبعدما أصبحت مدارسنا مستقلة فقد أصبحت هذه الظاهرة طبيعية جدا حتى أن بعض المواد يتم تغيير مدرسها عدة مرات في أقل من 4 أشهر وهذا ما يضع علامة استفهام كبرى على عملية التعليم برمتها.
عدم استقرار المعلم يؤدي إلى لا شيء
بدوره يرى علي راشد أن الطالب إذا لم يجد الاستقرار والثبات مع معلم واحد فلن يجد تعليما مفيدا، لأن تغيير مدرس المادة مرتين أو ثلاث يؤدي إلى لا شيء، وتساءل علي راشد عن دور الجهات الرقابية فيما يتعلق بهذه المشكلة التي بدأت تدق ناقوس الخطر على مسار التعليم ككل.
ونبَّه علي راشد إلى أن النتائج السلبية لهذه الظاهرة تختلف باختلاف طبيعة المدارس نفسها، حيث إن المدارس الحكومية غالبا ما لا تتم محاسبتها على التقصير لوجود سلطة حكومية تحميها وهي المسؤولة عن محاسبتها من عدمها، ومع ذلك إذا ما ثبت تفشي ظاهرة تغيير المعلم في المدارس الحكومية فمن الأفضل للطالب أن يستريح في بيت أهله، أو يبحث عن مدرسة خصوصية توفر له تعليما جيدا، هذا على صعيد الحديث عن المدارس الحكومية، أما حديثنا عن المدارس الخاصة فالأمر مختلف على ما أعتقد لأن ولي الأمر باستطاعته مقاضاة المدرسة واسترداد حقوقه وأمواله التي دفعها من أجل حصول ابنه على تعليم جيد، فهذه المدارس الخصوصية التي تتقاضى أموالا من أولياء أمور الطلبة الذين يدفعون عرق جبينهم من أجل توفير تعليم جيد لأبنائهم عليها أن لا تقوم بخطة قد تحول دون هذا الهدف، وبالتالي يجب على تلك المدارس أن تكف عن تغيير المعلمين إلا في حالة الضرورة القصوى لأن الطالب بحاجة إلى وقت طويل كي يبني علاقات ثقة مع المدرس الذي بتغييره لن يفهم الطالب أي شيء أثناء السنة الدراسية وفي ختامها يجد نفسه راسبا، فمن المسؤول هنا يا ترى؟ هل يحق لي كولي أمر أن أطالب المدرسة باستعادة الأموال التي دفعتها ولم تؤدِّ إلى النتائج المرجوة منها؟ هذه الأسئلة يجب أن يضعها القائمون على المدارس الخاصة نصب أعينهم حتى لا يتصوروا أن الأمر بسيط ويمكن أن يمر مرور الكرام على أولياء أمور الطلبة.
هذا ما وافق عليه حمد راشد الذي أوضح هو الآخر أن ظاهرة تغيير المدرس أصبحت ملحوظة في بعض المدارس الخصوصية التي تتعاقد مع بعض المدرسين دون التأكد من مؤهلاتهم وخبراتهم التعليمية وعندما يكتشفون في نهاية المطاف أن المدرسة لا يمكن أن تستفيد منه لعدم أهليته العلمية يقومون على الفور بالاستغناء عن خدماته والاستعانة بمدرس آخر وهكذا حتى تنتهي السنة وطلاب هذه المواد -التي يتم تغيير مدرسيها- لم يجدوا أي فرصة للاستفادة منها.
اهتزاز ثقة
وأشار حمد راشد إلى أن تغيير المدرس بشكل دائم يسهم في اهتزاز ثقة بقية المدرسين بالمدرسة التي يعملون بها وبالتالي يتراجع عطاؤهم المعرفي ويتناقص حماسهم التعليمي لأنهم لا يعرفون هل سيبقون لنهاية العام الدراسي أم لا، وهذا ما يعرض المدرسة نفسها لخطر الإفلاس العلمي وقد تجد إدارة هذه المدرسة في يوم من الأيام صعوبة بالغة في اجتذاب المدرسين لمعرفة المدرسين المسبقة بفوضوية اتخاذ المدرسة لقرارات فصل المدرسين، من هنا أطلب من الجهات المسؤولة عن التعليم القيام بوضع رقابة صارمة على المدارس في هذا الخصوص ومنع إدارة أي مدرسة من تغيير أحد المدرسين إلا بعد التأكد أنه لم يعد باستطاعته تقديم الدروس للطلاب على أن يشترط عليه البقاء في مهنته ريثما يكون البديل جاهزا وبعد التأكد من أن هذا المدرس البديل قادر على العطاء المعرفي.
أحمد على الحسن يؤكد صحة كلام من قبله معتقدا أن تغيير المدرس أثناء السنة الدراسية له سلبيات كثيرة على الطلاب وعلى المدرسة نفسها، فعلى مستوى الطلاب يسهم تغيير المدرس في تشويش الأفكار وعدم ترسيخ المواد الدراسية في أذهانهم لأن تلك المواد ارتبطت في فترة ما بشخص معين وتغييره يجعلها تتبخر من أذهان الطلاب، أما سلبيات تغيير المعلم على المدرسة نفسها فلو لم نأخذ منها إلا موضوع عدم اطمئنان الطلاب إلى برامج المدرسة وإشاعة عدم استقرارها لأغنانا عن الأمثلة الأخرى.
مقارنة
وحاول أحمد علي الحسن مقارنة تغيير المعلمين وما يترتب عليه من مضار تكوينية على الطلاب بتغيير المدربين الرياضيين وأثره السيئ على الفرق الرياضية، وأكمل: لا شك أن تغيير المدرسين في سلبياته وتأثيره على مستوى الطلاب يشبه إلى حد ما الآثار السلبية لتغيير المدربين للفرق الرياضية، حيث أثبتت الدراسات والتجارب أن الفرق الرياضية الفاشلة التي لم تتقدم في مسيرتها الرياضية غالبا ما يرجع فشلها إلى كثرة تغيير المدربين، فما بالك بتغيير مدرس المادة التربوية الذي يمارس مهنة غرس وزرع العلوم في أذهان الطلاب، فنتائج هذا التغيير السلبية ظهرت مؤخرا وبشكل ملحوظ على مستويات طلاب بعض المدارس مما جعل أولياء أمورهم يبحثون عن مدارس أخرى أكثر استقرارا ومهنية.
طلاب الابتدائي أكبر المتضررين
وخص أحمد علي الحسن من بين الطلاب الذين يتأثرون بشكل أكبر نتيجة تغيير المدرس «طلاب المدارس الابتدائية»، معتبرا أن تغيير المعلمين بالنسبة لهذه الفئة من التلاميذ أمر بالغ الخطورة، كما أن تلك الخطورة تخف تدريجيا كلما صعدنا إلى المرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية، لأن طلاب الفصول الابتدائية عندما يتأقلمون مع المدرس الجديد ويحاول هو بدوره التأقلم مع جو الطلاب والمدرسة يأتي تغيير هذا المدرس بشكل مفاجئ لأي سبب مما يوقف عجلة الاستيعاب عند الطلاب بشكل أوتوماتيكي، وتحصل شواغر واسعة في أذهان الطلاب أثناء فترة انتظار المدرس الجديد، وهكذا حتى يصاب الطلاب بما يشبه الإحباط النفسي الذي يحدثه مثل هذا العمل غير المدروس، ويتواصل ذلك الإحباط والتأثر النفسي السلبي مع الطلاب فترة أخرى مع قدوم المدرس الجديد الذي يمكن أن يكون تعامله مختلفا عن سابقه، ونمط تفكيره ومنهجيته في التعليم لا تتلاءم ومستوى عقول الطلبة، لذا نأمل في أن ينتبه المجلس الأعلى للتعليم لخطورة هذه الظاهرة والعمل على الحد منها حتى نستفيد من النهضة التعليمية والوسائل الهائلة التي توفرها الدولة وتحرص على استفادة التعليم منها.