

الخضير محمد: أسر تسعى إلى أن تبني بيوتاً أساسها القناعة والمودة
خالد مفتاح: نماذج طيبة في تيسير أمور الزواج وطلب مهور رمزية
في حين يتكرر الحديث عن ظاهرة المغالاة في المهور والمبالغة في تكاليف الزواج وعواقبهما السلبية، لا يخلو المجتمع من وجود نماذج طيبة وأسر تيسر زواج بناتها بمهر قليل، اتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم (أقلهن مهراً أكثرهن بركة)، فهناك أُسر قطرية زوجت بناتها بألف ريال لا غير، ودون اشتراط إقامة حفل زفاف مُكلف، بهدف تيسير أمور الزواج، كما أقدم رب أسرة على تزويج ابنته بمهر رمزي «ليرة ذهب»، ودون حفل زفاف، واقتصر حفل الزواج على مائدة طعام وبانقضائها قام والد العروس بتسليمها لزوجها دون حفل وتكاليف تثقل كاهل الزوجين في بداية حياتهما، ولا يخفى أن متوسط تكلفة مشروع الزواج لأي شاب قطري يصل إلى نصف مليون ريال، من حيث تقديم مهر للعروس وتأثيث منزل وتكاليف ليلة الزفاف من مأكولات وحجز قاعة العرس، بما فيها من زينة وهو الأمر الذي أشاع الحديث عن هذه الظاهرة وما لها من تبعات.
وفي هذا السياق، أكد مأذونون شرعيون لـ «العرب» أن بعض الأسر تجردت من المقارنات والمنافسات والمباهاة الاجتماعية، وتغلبت على هذه العادات، من خلال تقليل مهور بناتها وتقليل الطلبات على أزواج بناتها، وهناك بعض الآباء ممن زوجوا بناتهم بمهور رمزية، تتمثل بمبلغ من المال لا يتجاوز الـ 100 ريال، منتقدين مظاهر المباهاة في رفع قيمة المهور أو مظاهر البذخ في الإنفاق على حفلات الزواج وما يصاحبها من صرف مبالغ كبيرة، الأمر الذي يشكل عبئاً يثقل كاهل الزوجين ويتسبب في ظهور العديد من المشكلات المجتمعية.
ونوهوا بضرورة تيسير الزواج وترشيد تكاليفه وتقليل المهور عملاً بهدى النبي صلى الله عليه وسلم «أكثر النساء بركة أيسرهن مؤونة»، واسترشاداً بثقافة الآباء والأجداد «البركة في القليل»
وأكدوا على دور المؤسسات المعنية في توعية المجتمع بأهمية تيسير أمور الزواج ونشر ثقافة التخفيف من مظاهره السلبية والحد من تكاليفه، لبناء أسرة مستقرة.

مهور رمزية
وقال الداعية الإسلامي والمأذون الشرعي والمحكم الأسري، الخضير محمد عبدالرحمن: إن هناك أناساً زوجوا بناتهم بمهور رمزية تتمثل بمبلغ من المال لا يتجاوز الـ 1000 ريال اتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم «أقلهن مهراً أكثرهن بركة»، وإيمانا منهم بأن قيمة الفتاة بقيمة الخاطب نفسه من حيث المكانة والأخلاق، لا من حيث ما يملك من أرصدة وما يقدمه من مهر.
وأضاف لـ العرب: «حضرت عقود زواج فيها نماذج طيبة وواعية، تتأسى بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أقلهن مهراً أكثرهن بركة». وتسعى إلى أن تبني بيوتا أساسها الرضا والسعادة والمودة، ففي إحدى المرات طلب أب من زوج ابنته مهراً أن يحفظ كرامتها، ومثل سلوك الأب هذا له أثرا طيبا على الزوج وأهله، الذين وجدوه تكريماً لهم، وطمعاً في أخلاق ابنهم، بدلاً من التباهي بماله.
وتابع: وأذكر بعض الأسر التي لا تهتم بأمر المهور بقدر اهتمامها بأخلاق الزوج، ويعلنون أنهم ليسوا بحاجة لأي شيء، ولا يطلبون منه غير صون ابنتهم واحترامها.
وأوضح أن متطلبات الزواج تضطر الشباب للحصول على قروض بنكية تتجاوز 500 ألف، من أجل إتمام حفلة زواج، مجرد أن تنتهي سيظل هو الشخص الوحيد المتضرر منها.
وأضاف: وصيتي للأسر الكريمة انطلاقا من حديث: عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا».
وأيضا ورد عنها - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: « أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا». أخرجه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم.
وقول الله عز وجل ﴿وَالَّذينَ إِذا أَنفَقوا لَم يُسرِفوا وَلَم يَقتُروا وَكانَ بَينَ ذلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]
والذين إذا بذلوا أموالهم لم يَصِلُوا في بذلهم لها إلى حد التبذير، ولم يضيقوا في بذلها على من تجب عليهم نفقته من أنفسهم أو غيرها، وكان إنفاقهم بين التبذير والتقتير عدلًا وسطًا.
وقوله عز وجل: ﴿وَلا تَجعَل يَدَكَ مَغلولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبسُطها كُلَّ البَسطِ فَتَقعُدَ مَلومًا مَحسورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]
ولا تمسك يدك عن الإنفاق، ولا تسرف في الإنفاق، فتصير ملومًا يلومك الناس على بخلك إن أمسكت يدك عن الإنفاق، منقطعًا عن الإنفاق لإسرافك، فلم تجد ما تنفقه.
عدم الإسراف
ونوه بضرورة عدم الإسراف والمبالغة في تكاليف الزواج، فقد قال الله: ﴿ وَكُلوا وَاشرَبوا وَلا تُسرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفينَ﴾ [الأعراف: ٣١]
وكلوا واشربوا ما شئتم من الطيبات التي أحلها الله، ولا تتجاوزوا حد الاعتدال في ذلك، ولا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدود الاعتدال. وكذلك التبذير ﴿إِنَّ المُبَذِّرينَ كانوا إِخوانَ الشَّياطينِ وَكانَ الشَّيطانُ لِرَبِّهِ كَفورًا﴾ [الإسراء: ٢٧]
إن المنفقين أموالهم في المعاصي، والمسرفين في الإنفاق كانوا إخوان الشياطين، يطيعونهم فيما يأمرونهم به من التبذير والإسراف، وكان الشيطان لربه كفورًا، فلا يعمل إلا بما فيه معصية، ولا يأمر إلا بما يسخط ربه.
وقد ورد في حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ «. وكذلك حديث: ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي «. استحضروا النية فيما تنفقونه على أهليكم كما أمركم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».
متطلبات وشروط
من جهته، قال الباحث الأكاديمي والمأذون الشرعي خالد مفتاح إن العديد من الأسر القطرية بمختلف مكوناتها الاجتماعية وتنوعها الاقتصادي باتت تجنح إلى تخفيف المهر والمتطلبات والشروط؛ مراعاة للظروف الحياتية وترتيب الأولويات، خصوصاً في بداية حياة الزوجين وارتفاع سن الزواج ونسب العنوسة والطلاق التي لا يخلو منها بيت وأصبح شبحا يهدد كل شاب وفتاة.
وأوضح لـ «العرب» أنه حضر العديد من عقود الزواج التي قدمت نماذج طيبة في تيسير زواج البنات، وقال: كثيراً ما نسمع في الملكة أو عقود الزواج من ولي أمر الزوجة أن «هذا ولدنا ونمون عليه وحنا نشتري الرجال بأخلاقه ودينه»، حيث يتم طلب مبالغ رمزية وقليلة جداً وقد لا تذكر؛ إلا أن بعض الأزواج أصحاب المكانة المالية لا يقصرون في تقديم المهر وتكاليف العرس بالنسبة للزوجة؛ وهذا من باب الشهامة وإكرام الزوجة وأهلها، حينما لم يحملوا الزوج أي أعباء مالية.
وأشار إلى أن هذه أشبه بظاهرة في المجتمع القطري، وهناك العديد من النماذج من حالات الزواج والتي ممكن تفوق أكثر من 50 % من الحالات التي مرت بي فيها تخفيف على الزوج بالمهر وبمتطلبات الزواج، إلى درجة أن بعض الآباء يأبى كتابة شيء من ذلك، حرصاً على دوام العشرة، وأذكر أحد الأولياء زوج ابنته من زميل له بالعمل دون أن يطلب من المهر أو الشروط شيئاً، وقال للزوج، بعد إجراء العقد والملكة: هي الآن زوجتك بإمكانك في أي وقت أن تأخذها إلى بيت الزوجية، حتى بدون ما يعرف بحفلة العرس. وفي بعض الحالات أذكر يتم دفع المهر المتفق عليه ثم يرد جزءا منه الولي للزوج إعانة له على نفقات الزواج والحياة، وهناك العديد من النماذج الرائعة التي فيها تلاحم بين الأسر وتجسد لحمة في النسيج الاجتماعي ونماذج للعطاء والإكرام اللامحدود.
نموذج إسلامي قطري
وحول أهمية أن يتأسى المجتمع بحديث النبي صلى الله عليه وسلم {أقلهن مهراً أكثرهن بركة}، أكد مفتاح أن المجتمع القطري يُنعت في كتب الاجتماع بأنه مجتمع متدين ومحافظ ونموذج التدين القطري والذي أثبت نجاعته في القضايا والنوازل الفقهية والمجتمعية والاقتصادية، ولهذا كثير ما يتم التمسك بوسطية وتقليل المهور بالرغم من بعض الضغوط الاجتماعية حيال ذلك أو التشبه بآل فلان أو فلان بما قدم من مهر لابنتهم ولهذا الأمر بحسب القدرة والاستطاعة والوسط مطلوب وأكثر المهور في قطر مقبولة إلا أنه غير المقبول هو ما يتعلق بحفلات الأعراس خصوصاً عند النساء وهذه للأسف تحدث بسبب المباهاة أمام الناس؛ وهي في حقيقة أمرها لا تعد ظاهرة وافدة على المجتمع والحكم للأعم والأغلب وفي كثير من ورش العمل مع الشباب والفتيات تجد أن القناعات تتجسد في تقليل المهور رأفة بالزوجين وعدم إغراقهما في الديون مع بداية الحياة الزوجية وهذه طبيعة نفسية لأن المرأة في الغالب تبحث عن الأمن العاطفي وليس المالي؛ وفي هذه الصدد هناك العديد من المبادرات الخلاقة في الثقافة المالية أثناء الحياة الزوجية منها مشروع عازم الذي أطلقته وزارة الشؤون الاجتماعية والأسرة.
تحديد المهور
من جانبه، قال المأذون الشرعي بشير عثمان إن بعض الأسر تجردت من المقارنات والمنافسات والمباهاة الاجتماعية، وتغلبت على هذه العادات، من خلال تقليل مهور بناتها وتقليل الطلبات على الأزواج، وهناك بعض الآباء ممن زوجوا بناتهم بمهور رمزية، تتمثل بطلب ليرة ذهب، أو بمبلغ من المال لا يتجاوز الـ 100 ريال، وذلك اتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم «أقلهن مهراً أكثرهن بركة،» وإيمانا منهم أن قيمة الفتاة بقيمة الخاطب نفسه من حيث المكانة والأخلاق لا من حيث ما يملك من أموال وما يقدمه من مهر.
وأكد أن بعض القبائل توافقت على تحديد المهور بـ 50 ألف ريال، بينما يبلغ متوسط المهور لدى الأسر العربية نحو 30 ألف ريال.