مواطنون الحياة المعاصرة.. وراء القطيعة بين الجيران

alarab
تحقيقات 15 أغسطس 2015 , 08:07ص
محمد سيد احمد
ماضٍ جميل ولى إلى غير رجعة وذكريات حلوة جعلت من المجتمعات مجتمعاً واحداً، وإن تباينت الثقافات واختلفت الألسن، فقد ظلّت الثقافة العربية الإسلامية والدين الحنيف نقطة ارتكاز يدور حولها الجميع في أفراحهم وأتراحهم، وكانت ثقافة الجار منتشرة ومترسخة في نفوس الجميع الذين كانوا يحرصون على حفظ حقوق الجار استجابة للفطرة السليمة، ولأوامر الدين التي حثّت على الاهتمام بحقوق الجار، ومن ضمنها تبادل الزيارات معه والإحسان إليه والسؤال عن حاله وصحته بشكل دائم، إلا أن مفهوم الجار وثقافة الجار التي كانت منتشرة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية توشك أن تختفي، فرغم تعدد المناسبات التي تستدعي تعزيز الأواصر بين الجيران وحفظ حقوقهم، مثل الأعياد الدينية والوطنية، لم يعد أحد يهتم لأحد وأصبح كل يوصد بابه عليه ولا يعرف من يسكن بجواره وتحولت عبارة «الجار قبل الدار» إلى لا شيء نظراً لانفراط عقدالجوار وفك ارتباط الجيران فيما بينهم أصلا.
ومن أغرب ما في الموضوع أن طرق العمران الحديثة ونظام المدينة المعاصر يعين أكثر على الاهتمام بحقوق الجار، فأبواب الشقق لا يفصلها عن بعضها البعض سوى مسافة محدودة مترين أو ثلاثة، ورغم ذلك لا تلاقي ولا تزاور، وعندما تسأل رب الأسرة عن جاره الذي يسكن مقابل باب شقته يجيبك بأنه لا يعرف جنسيته ولا أين يعمل.
وحسب استطلاع قامت به «العرب» فإن المجتمع القطري ما زال يحافظ على مستوى من العلاقة فيما بينه يجعل ثقافة الجار تحتفظ بقدر بسيط من الأهمية، لكن لا يمكن مقارنتها بما كان سائداً قبل عقود قليلة، فما الأسباب التي أدت إلى اختفاء ثقافة الجار ومخالفة الأوامر الشرعية فيما يتعلق بحفظ حقوقه؟

انكفاء على الذات
يقول مشاري الشمري إن طبيعة الحياة المعاصرة والتغيير الكبير في تربية الأجيال الجديدة، واختفاء العادات والتقاليد فرض على العائلة الانكفاء على ذاتها وعدم التواصل مع جيرانها بعد ما كانت ثقافة الجار مترسخة في المجتمع لعدة أسباب، أولها أن أطفال الحي كانوا يعيشون مع بعضهم البعض ويلعبون ويدخلون البيوت وقت ما يشاؤون، فيكبر الأطفال على أن عائلات الحي بالنسبة لهم هي عائلتهم الكبيرة، فترى الشاب يحترم نساء الجيران ويسهر على حفظهن وحمايتهن لأنهن بالنسبة له لا يختلفن عن أمه وأخوته، فينشأ وفق هذه التربية جيل مترابط يقدس رابطة الجار، لكن بعد اختفاء هذه التربية الجميلة والقلوب النقية بات هناك نوع من الخشية والحذر لدى الناس، وشيئاً فشيئاً تقطّعت عرى الجار وبات الواحد منا بالكاد يعرف جاره، وربما لا يلتقي به إلا أوقات الصلوات داخل المسجد، لكن غيابه لأي عذر لا يهمه، فإذا مرض لا يزوره، وإذا ذهب في إجازة أو حجة أو عمرة لا يفتقده، وهذه أمور ناتجة عن تغير طبيعة المجتمع وسيطرة ثقافة المدنية المعاصرة على الجميع، ومن أبرز سلبيات ما أفرزته الحياة المدنية وظاهرة التوسع العمراني هو التباعد بين الجيران وعدم معرفة بعضهم البعض، حتى بات أكثر الجيران تقارباً في السكن يعجزون عن تبادل الزيارات فيما بينهم بسبب الضغوط اليومية وساعات العمل الطويلة التي أسهمت في إضعاف العلاقة الاجتماعية بين الجيران وأصابتها بالفتور.

النظرة المادية
بدوره يرجِع عبدالقادر عزام أسباب اختفاء ثقافة الجار من حياة المجتمعات العربية الإسلامية إلى عدة أسباب لعلَّ أهمها طغيان النظرة المادية على طبيعة الحياة المتسارعة وتغير نمط الحياة وصعوبة ظروف المعيشة التي أصبحت تفرض على الإنسان الانشغال بالبحث عن لقمة عيشه وقتاً طويلا يعود بعد ذلك مرهقاً ويغلق عليه بابه لأخذ قسط من الراحة يعينه على مواصلة المشوار في اليوم الموالي، وبالتالي لم يعد لأحد وقت فراغ يسمح له بالتعرف على جاره، بالإضافة إلى النظرة المادية التي طغت على المشهد برمته، فالعصر عصر مصالح، ووحدها المصالح التي باتت تحدد طبيعة العلاقات بين الناس، فتجد شخصاً أو عائلة تهتم بتفاصيل حياة عائلة أخرى لا تسكن معها في منطقة واحدة، وربما لا تجمعهما دولة واحدة نتيجة لارتباط هاتين العائلتين بمصالح مادية، في الوقت الذي توجد قطيعة تامة بين عائلتين تسكنان في منزلين متجاورين، كما أن اختلاط المفاهيم وغياب التمسك بالدين والعادات الأصيلة فرضا نوعاً من التخوف يحول دون بناء علاقات بين بالجيران تجعل بعضهم يعرف خصوصية ما يجري داخل منزل الجار. فنحن -يضيف عزام- نعيش في زمن يصعب التمييز فيه بين الصالح والطالح، وبالتالي يخاف البعض من حدوث مشاكل هو في غنى عنها فيما لو فتح بابه أمام جاره بالشكل الذي كان سائداً في عصر البراءة والطهارة الذي كان الرجل يغيب فيه عن منزله شهوراً عدة وهو مطمئن على عائلته التي تتلقى الرعاية والحماية من جاره.
وأشار إلى أن ثقافة المجتمعات تلعب هي الأخرى دوراً بارزاً في ترسيخ علاقة الجيران ببعضهم البعض، فهناك شعوب عربية إسلامية منفتحة على بعضها البعض ما زال الجار فيها يحتفظ بقدر كبير من التواصل والاحترام رغم تعدد المشاغل، إذ ما زالت بعض الجاليات تحتفظ بثقافة احترام الجار وحفظ حقوقه والتواصل معه، فترى العديد من العائلات في عطلة نهاية الأسبوع تتجمع في الحدائق والمتنزهات في جلسات عائلية حميمة وهم بذلك يعوضون انقطاع التواصل بينهم في أيام العمل، وهذا نوع من المحافظة على حقوق الجار، لكن توجد جنسيات أخرى تفرض عليها عاداتها وتقاليدها عدم الانفتاح على الآخر حتى لو كان جاراً لأسباب مفهومة، فأنا مثلا أسكن في منزل تحيط به منازل عائلات قطرية لا أعرفها وزوجتي لم تتواصل مع نساء تلك العائلات، وقد حدثتها مرة أن تحاول مد جسور التواصل معهم احتراماً للجار، لكنها تتخوف من ذلك اعتقاداً منها أن الفوارق المادية والاجتماعية ربما لا تسمح بذلك، كما أن عدم رغبة المجتمع في دخول الغرباء إلى بيوتهم يحول بيننا والتواصل مع جيراننا، إذن الموضوع موضوع ثقافة وعادات وتقاليد، فالعلاقة بين الجيران في عالم اليوم باتت محكومة بنظرتين، نظرة مادية ونظرة دونية، فالنظرة المادية تعني احترام الجار إذا كان صاحب منصب رفيع، أو رجل أعمال كبير، وهذا يولِّد النظرة الأخرى –النظرة الدونية- التي تجعل الفقير لا يحظى بأهمية من جيرانه ولا يعتني به، فهذا ملخّص لحالة العديد من الجيران، لكن علينا جميعاً أن ندرك أهمية الواجبات والحقوق المترتبة على الجيران تجاه بعضهم البعض تستدعي السؤال عن أحوال الجار والإحسان إليه ومشاركته الأفراح والأتراح بغض النظر عن مستواه المادي أو مكانته الاجتماعية.

عدم الاستقرار يحول
دون معرفة الجار
أما أمجد عبدالله فيرى أن تكوين علاقة بالجيران في مدينة مثل الدوحة أمراً صعباً نتيجة لعدم استقرار العائلات المقيمة في منطقة واحدة لفترة طويلة، بسبب غلاء الإيجارات واضطرار نسبة كبيرة من السكان إلى تغيير مكان إقامتهم بشكل دائم بحثاً عن سكن مناسب، وبالتالي يعتبر ذلك عاملا مهماً في اختفاء ثقافة الجار، لأن تكوين علاقة بين الجيران تتطلب إقامة أطول في منطقة ما، وأردف: لا شك أن الاستقرار أساس في تكوين العلاقة بالجار، وإذا ما غيرنا السكن بشكل مستمر فإن ذلك يعني أن جاراً جديداً يجب التعرف عليه، وهكذا، وهذا في نظري أمر شبه مستحيل في ظل هذه الظروف الصعبة وانشغال الناس بأعمالهم ودراستهم وظروفهم الاجتماعية التي يصعب معها بناء علاقة ود بين الجيران، وقد تدعو إلى نسيان هذا المنطق من أساسه، ولو نظرنا لعلاقات الجيرة خلال السنوات الأخيرة فسنلاحظ تضاؤلا وتباعداً في الارتباطات الاجتماعية، بسبب الحياة المادية والظروف المحيطة التي تركت انطباعات ومحاذير أثرت بشكل مباشر على قيم المجتمع وعلاقاته الاجتماعية، إذ نجد أحياناً عوامل مختلفة تؤثر على التواصل بين الجيران بشكل يختلف عما كان عليه قبل سنوات.

الأطفال بريد حقوق الجار
فهد عبدالعزيز تناول موضوع الجار من زاوية التربية ودور الأطفال في ترسيخ هذه الظاهرة، منبهاً على أن الأطفال وحدهم هم من يحيي ثقافة الجار في أيامنا هذه، لما جبلوا عليه من براءة وحب اللعب مع بعضهم البعض، فهم بريد للتواصل بين الأسر وسبب في حفظ حقوق الجار، نظراً للعلاقة الجميلة التي تربط الأطفال بعضهم ببعض، وهذه العلاقة تبدأ بلعبهم في الشارع وتنتهي بدخولهم إلى بيوت الجيران والتعرف على أسماء الأمهات لنقلها إلى أمهاتهم، وهذا ما يكون مفتاح بدأ علاقة بين ربات البيوت اللائي هن عماد الأسر، فثقافة الجار والمحافظة على حقوقه تبدأ بمحادثات الأمهات وربات البيوت في الصالونات والمطابخ، فهن من يستطعن توفير جو تبادل الثقة والمعرفة بين أفراد المجتمع، لذا أعتقد أن ترك الأطفال يقيمون علاقتهم فيما بينهم بحرية كاملة يساعد على تواصل الكبار وتعرف بعضهم على بعض، ومن الخطأ منع الأطفال من التصرف في هذا المجال ببراءتهم المعهودة، وما نشاهده لدى البعض من الوقوف في وجه أطفاله ومنعهم من الاختلاط بأطفال الجيران خطأ فادح مهما كان الدافع، فالبعض للأسف يعيش في برج عاجي عندما ينعم الله عليه بمال أو منصب، ويعمل على قتل براءة الطفولة في نفوس أطفاله عن طريق منعهم من الاختلاط بأطفال الآخرين الذين يقلّون عنهم في المستوى المادي، وذلك ما يتسبب في تفكك عرى المجتمع مستقبلا ويحول دون تواصل الجيران فيما بينهم، لأن الأطفال أبناء الذوات يكبرون على احتقار الآخر والعيش في عزلة تامة، نتيجة لتربيتهم التي غرست فيهم الكبر والنظرة إلى الآخر بدونية، من هنا يتبين لنا أن التربية عامل مهم في تماسك المجتمعات والمحافظة على التعاليم الدينية والعادات والتقاليد الجميلة.

مكانة الجار في الإسلام
من جهته حذّر الداعية الشيخ الدكتور محمد بن حسن المريخي من هدر حقوق الجار وعدم الاهتمام بها، لأن ذلك يتنافى مع أوامر الله سبحانه وتعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أمر الله عباده بالمحافظة على حقوق الجار، ولأهميتها قرنها بوصايا هامة وكبيرة، فقال تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»، وقال «والله لا يومن -ثلاث مرات- قيل مَن يا رسول الله قال: مَن لا يأمن جاره بوائقه»، فتبيّن من هذه الآيات والأحاديث أهمية حقوق الجار وضرورة المحافظة عليها، والإحسان إليه وعدم أذيته، وخطورة التفريط في حقوق الجار، وما نراه اليوم من انكفاء البعض على أنفسهم والتفريط في حقوق جيرانهم أمر يخالف الشرع القويم ويتنافى والفطرة السليمة، وقد حدد العلماء حدود الجار بـ40 بيتاً على كل جهة، فكيف بمَن يفرط في حق جاره وبابه مقابل بابه، لذا يجب علينا أن لا تذهب بنا الحياة المعاصرة كل مذهب بحث تزهّدنا في كل ما هو جميل من عاداتنا وتقاليدنا، فقد كان أهل هذه البلاد وكل من يسكن معهم بها من الضيوف يحبون بعضهم بعضاً، ويؤدون حقوق جيرانهم، فكان أهل البيت إذا أعدوا طعاماً أو ذبحوا شاة يوكلون مهمة توزيعه على الجيران إلى الأمهات اللائي كنّ لا يستبقين لأطفالهن وعائلاتهن إلا القليل، لما جبلن عليه من الكرم والتمسك بالشرع القويم وبالعادات العربية الأصيلة، وعلى ذلك أنصح الجميع بأن الإنسان يمكن أن يستفيد من الحياة المعاصرة بكل الطرق والوسائل، لكن ينبغي ألا يجعله ذلك يخالف أوامر ربه أو يفرط في عاداته وتقاليده الجميلة.